تخطّي إلى المحتوى
المجلد الأول · إصدار ١٤٤٧هـEST. 1442 AHدولة الكويت
ويكي خير
موسوعة العمل الإنساني

أعلام العمل الخيري رجال

خالد محمد عبدالله القصَّار

خالد محمد عبدالله القصَّار
خالد محمد عبدالله القصَّار

المولد والنشأة

وُلِد الشيخ خالد القصَّار في دولة الكويت بتاريخ ٨/٥/١٩٦٠م في منطقة القبلة فريج سعود المقابل لمجلس الوزراء الحالي، ونشأ في أسرة كويتية أصيلة عُرفت بتمسكها بالقيم الإسلامية وحرصها على العلم والدين، مما انعكس بشكل واضح على شخصيته منذ صغره، وترعرع في بيئة اجتماعية وثقافية تُقدِّر القرآن الكريم وتُعلي من شأن العلماء والدعاة، فكانت نشأته مُفعمة بروح التدين والرغبة في خدمة الدين والوطن.

ومنذ نعومة أظفاره، ظهرت عليه ملامح الجدية والحرص على طلب العلم، كما تفتَّحت مداركه في مساجد الكويت ومجالس أهل العلم، إذْ كان للقرآن الكريم حضور بارز في وجدانه وتكوينه التربوي، وتأثر بوالديه، لا سيما في التزامهما بالقيم الدينية، وكان لهما الدور الأكبر في غرس حب القرآن في قلبه، وهو ما ظل يلازمه في رحلته الحياتية والعملية.

وخلال سنواته الأولى، تعرَّف على معاني العطاء والرحمة بمشاهدته لجهود مجتمعه في دعم الفقراء وكفالة الأيتام، وكان له الأثر في تشكيل ملامح رسالته الكبرى: أن يكون خادماً لكتاب الله، وساعياً لتعليم الناس القرآن الكريم.

وكانت أيامه الأولى مزيجاً من البساطة والإلهام، فالنشأة في الكويت، البلد الذي عُرِف تاريخياً بعطائه الإنساني؛ صقلت لديه حس المسؤولية، خاصة في ظل البيئة التعليمية والمجتمعية التي تدفع نحو الريادة في العمل الخيري والديني.

وتكوَّنت شخصيته في أحضان مجتمع محافظ، يقدِّر العلم ويشجِّع المبادرات، وكانت البذرة الأولى لمشروع «الشفيع» تنمو في وجدانه حتى قبل أن تولد كفكرة واضحة، فقد كان يؤمن منذ شبابه بأن خدمة القرآن الكريم هي أعظم ما يمكن للمرء أن يقدمه لنفسه ولمجتمعه.

التعليم

تلقَّى الشيخ خالد القصَّار تعليمه في مدارس دولة الكويت، فكانت الابتدائية والمتوسطة في مدرسة أبو أيوب الأنصاري وفي الثانوية درس في ثانوية العتيبي بمنطقة الخالدية، ثم التحق بجامعة الكويت عام ١٩٧٩م في كلية التجارة والاقتصاد تخصص اقتصاد ومساند شريعة إسلامية، وتابع دراسته في بيئة تعليمية توازن بين العلوم الحديثة والقيم الإسلامية، فكان دائم التميز في تحصيله العلمي، وخصوصاً في المواد الدينية واللغوية، ومنذ مراحل تعليمه الأولى؛ كان مولعاً بالقرآن الكريم حفظاً وتدبراً، وقد تلقَّى علومه على يد عدد من المشايخ المعروفين في الكويت، ممن أثَّروا فيه علمياً وتربوياً، وألهموه حب القرآن والدعوة إليه، كان منهم د. عجيل النشمي ود. جاسم مهلهل الياسين ود. سيد نوح ود. فوزي فيض الله و د. محمد عبدالغفار الشريف.

التحق بعد ذلك بالدراسات الشرعية العليا، فتتلمذ على أيدي علماء كبار، وحرص على دراسة الفقه وأصوله، إضافة إلى علوم القرآن والتفسير وعلوم الحديث، مما أرسى قاعدة علمية صلبة مكَّنته من أن يكون مرجعاً معتمداً في مجاله، واستفاد الشيخ القصَّار من البيئة الكويتية التي تزخر بالندوات والمؤتمرات والأنشطة القرآنية، فكان مشاركاً فاعلاً في العديد من البرامج التدريبية والدورات العلمية التي صقلت معارفه وعمَّقت فهمه لدوْر القرآن في بناء الإنسان والمجتمع.

ولم يكن التعليم عند الشيخ خالد مقتصراً على التحصيل الأكاديمي فقط، بل كان يرى في كل موقف فرصة للتعلُّم، فجمع بين الدراسة النظامية والتعلُّم الذاتي، واطلع على أفضل الممارسات العالمية في مجال تحفيظ القرآن، خاصة من الدول التي عُرفت بتميزها في هذا الجانب، وقد جمع بين الأصالة والحداثة، فاستفاد من التجارب المعاصرة وطوَّعها بما يناسب روح الإسلام واحتياجات المجتمعات الإسلامية المعاصرة، وكانت رحلته التعليمية محطة لاكتشاف الرسالة الكبرى التي سيكرِّس حياته لها: خدمة كتاب الله عبر بناء مشروع نوعي يرتكز على تعليم القرآن الكريم منهجاً وسلوكاً ونهج حياة.

حياته العملية

بدأ الشيخ خالد القصَّار حياته العملية بخطى واثقة، مستفيداً من إرثه العلمي والتربوي، فانطلق في مجالات الدعوة والتعليم والعمل المؤسسي، متنقلاً بين مسؤوليات عديدة، قبل أن تتبلور جهوده بشكل كامل في مشروع «الشفيع» التابع للهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، وتولى رئاسة المشروع منذ بدايته عام ٢٠٠٥م، وكان من أبرز من وضعوا تصوراته وأطره العامة، مستنداً إلى رؤية واضحة مفادها أن القرآن هو السبيل لبناء الإنسان.

وساهم في إعداد منهج متكامل لتحفيظ القرآن الكريم، يربط بين الحفظ والتربية، ويُعنى ببناء شخصية الطالب علمياً وأخلاقياً، ويشمل برامج شرعية، ودورات سلوكية وتدريبية، تهدف إلى تخريج جيل قرآني واعٍ، قادر على التأثير في محيطه، وبقيادته أصبح المشروع نموذجاً يحتذى به، وامتدت فروعه إلى أكثر من خمس وعشرين دولة حول العالم، واستفاد منه آلاف الطلبة، بمن فيهم الأيتام وذوو الاحتياجات الخاصة.

ولم تكن الإدارة عنده مجرد إدارة مكتبية، بل كان ميدانياً، يتابع بنفسه التفاصيل ويزور الحلقات ويقف على تجارب الطلبة والكفلاء، ويشرف على الحفلات السنوية لتكريم الحفاظ، ويتابع أثر المشروع في حياة الناس، مما أضفى على المشروع روحاً إنسانية عالية.

وقد عُرِف بقدرته على استقطاب الكفاءات وتكوين فرق عمل متميزة، آمنت برسالته وساهمت في تحويل الفكرة إلى واقع حي، يُترجَم في حلقات تحفيظ في القرى والمدن بل وحتى في السجون والمستشفيات، كما كانت له مشاركات إعلامية مؤثرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أبرزَ من خلالها المشروع وقصص الحفاظ، لتتحول إلى رسالة وعي وتحفيز لكل من يسمع بها.

الجانب التطوعي والخيري في حياته

تجلَّى الجانب التطوعي والخيري في حياة الشيخ خالد القصَّار بشكل بارز، فقد كان من أوائل من استثمروا قدراتهم الإدارية والدعوية في خدمة كتاب الله من خلال العمل المؤسسي، ومشروع «الشفيع» الذي يرأسه هو صورة صادقة لتكامل العمل الخيري والدعوي، ومن خلاله ربط بين صدقات أهل الخير في الكويت، واحتياجات المسلمين في الدول الفقيرة لحفظ القرآن الكريم، فكان الوسيط الأمين في إيصال الأجر والفائدة للطرفين.

وقد حرص على أن يتيح لكل فرد من أهل الكويت فرصة نيل أجر حافظ القرآن ولو لم يحفظه بنفسه، وذلك عبر كفالة طالب يحفظ كتاب الله، وانطلاقاً من فتاوى كبار العلماء؛ آمن بأن كفالة الحافظ تعادل أجر الحفظ، بل وتتعداه إلى الشفاعة يوم القيامة، فحرَّك بهذه الفكرة مشاعر الناس ودفعهم للمشاركة.

كما كانت له مواقف إنسانية مميزة، من خلال رحلاته الخيرية مع الجمعيات الخيرية والفرق التطوعية، حيث زار العديد من الدول الإسلامية وشارك في إغاثة السوريين في الأردن عبر رحلات إغاثية متعددة، وروى بنفسه قصصاً لطلاب المشروع من ذوي الاحتياجات الخاصة، من الذين تجاوزوا التحديات الصحية والمادية وحفظوا القرآن كاملاً أو أجزاء كبيرة منه، بفضل الله ثم برعاية المشروع وكفالة المتبرعين، وعبَّر عن إيمانه بأن الإعاقة الحقيقية ليست جسدية، بل في ضعف الإرادة، داعياً الشباب في الكويت للانخراط في مشروع القرآن، سواء بالحفظ أو بالدعم.وحرص الشيخ خالد القصَّار على إقامة حفلات تكريم للحفاظ بمستوى عالٍ من الاحتراف والتنظيم، بحضور السفراء والداعمين وذوي الطلبة، مؤكداً أن هذه اللحظات هي تكريم في الدنيا، في انتظار التكريم الأعظم يوم القيامة.

منهج الشفيع وتجربته العالمية

من أبرز إنجازات الشيخ خالد القصَّار في حياته، صياغة وإطلاق منهج متكامل لتحفيظ القرآن الكريم عبر مشروع الشفيع، وهذا المنهج لم يكن مجرد خطة لحفظ كتاب الله، بل منظومة تعليمية وتربوية متكاملة، تهدف إلى بناء الإنسان القرآني المتعلم والمتخلق بأخلاق القرآن، والذي يكون قدوة في بيته ومجتمعه وأمته.

والمنهج يجمع بين:

الحفظ المنتظم: إذْ يحفظ الطالب القرآن الكريم خلال 4 سنوات، وفق جدول يومي دقيق.

المتابعة الشخصية: من خلال محفِّظ خاص أو حلقات دورية في المساجد أو المساكن الطلابية.

الجانب السلوكي: برامج سلوكية وتربوية تهدف إلى صقل الشخصية القرآنية.

الجانب الشرعي: دروس شرعية تُكسِب الطالب فهماً أعمق لمعاني القرآن.

الرعاية الاجتماعية: دعم نفسي ومجتمعي خاص لليتامى وذوي الاحتياجات.

وقد انتقل هذا المنهج من الكويت إلى 25 دولة، وفي كل دولة يتم التعاون مع الجمعيات المحلية وتوفير الدعم عبر كفالات أهل الخير من الكويت، ما جعل المشروع عالمياً بامتياز، ورسالة إنسانية تتجاوز الجغرافيا.

القيم والتأثير والرؤية المستقبلية

لقد حمل الشيخ خالد القصَّار رسالة سامية تعكس روح الكويت وموقعها الريادي في ميادين الخير، ومثَّل نموذجاً للقيادة المتجردة التي تعمل بصمت وتبني أثراً عميقاً في قلوب الناس، وفي كل قصة رواها؛ يتجلَّى صدق التجربة وبركة الأثر، وآمن بالقيم التي يؤمن بها والتي تتلخص في أن الخير لا يُقاس بالمال فقط بل بالأثر، وأن القرآن إذا تملك القلب غيَّر الإنسان، وأن العمل الخيري الحقيقي هو الذي يُلامس الأرواح ويُغير المصائر.

التصنيفات:

→ العودة إلى تصنيف «أعلام العمل الخيري رجال»