تخطّي إلى المحتوى
المجلد الأول · إصدار ١٤٤٧هـEST. 1442 AHدولة الكويت
ويكي خير
موسوعة العمل الإنساني

أعلام العمل الخيري رجال

خالد مذكور عبد الله المذكور

خالد مذكور عبد الله المذكور
خالد مذكور عبد الله المذكور

المولد والنشأة

وُلِد الشيخ الدكتور خالد مذكور عبد الله المذكور عام 1946م في منطقة «المرقاب»، وترعرع في بيت كويتي محافظ على القيَم الإسلامية والأصالة العلمية، ونشأ في بيئة علمية وروحية كان لها أبلغ الأثر في توجيه مساره العلمي والدعوي.

ومنذ نعومة أظفاره، أبدى اهتماماً بالعلم والفقه، وتأثَّر بوالده الذي حرص على نقله إلى المدارس التي تفتح له أبواب العلم الشرعي، وبدأ تعليمه في مدرسة «قتيبة» (أصبحت لاحقاً المتحف العلمي)، وكان ذلك في مرحلة تمهيدية بين رياض الأطفال والابتدائي خلال أوائل الخمسينيات، ومع انتقال أسرته إلى منطقة «حولِّي» عام 1954م، واصل تعليمه في مدرسة «حولِّي» الابتدائية، قبل أن يُنقل إلى «المعهد الديني» عام 1956م، وهو ما شكَّل مُنعطفاً مهماً في مسيرته العلمية.

وفي المعهد الديني، تتلمذ على أيدي نخبة من العلماء والفقهاء؛ من أبرزهم: الشيخ حسن مراد منَّاع، والشيخ عبد الغني عبد الخالق، وغيرهم من العلماء الكويتيين والمصريين الذين غرسوا في نفسه حب الشريعة والفقه، وتميَّز منذ صغره بالجدية والالتزام العلمي، وبرز بين زملائه بعقله الوقَّاد وهمَّته العالية، وكان رفيقه في الدراسة الشيخ الدكتور عجيل النشمي، الذي لازمه في مراحل التعليم المختلفة، وشكَّل معه ثنائياً علمياً متميزاً في مسيرة الدعوة والتعليم والفقه والعمل الخيري.

ارتبط الشيخ خالد المذكور منذ نشأته بالمساجد وحلقات العلم، فكان حضور الدروس والمشاركة في النشاطات الإسلامية سبيلاً له للتشرُّب من معين العلماء، وتهيئة نفسه لتحمُّل مسؤوليات أكبر في مستقبل الكويت الشرعي والفكري والدعوي والخيري، وقد بدأت ملامح شخصية العالِم والداعية والمصلح تظهر مبكِّراً عليه، ليكون فيما بعد من أبرز أعلام الفقه الإسلامي في الكويت والعالم العربي.

التعليم

استهل الدكتور خالد المذكور مسيرته العلمية الرسمية في «المعهد الديني» بالكويت، الذي تلقَّى فيه مراحل التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي حتى نال الشهادة الثانوية الأزهرية، حيث اجتمع فيه التعليم العام مع التكوين الديني الرصين، وفي عام 1966م، حصل على الشهادة الثانوية وسافر مباشرة إلى مصر، لينضم إلى «جامعة الأزهر» العريقة، وتحديداً إلى كلية الشريعة والقانون، في رحلة علمية امتدَّت لأكثر من عقد ونصف من الزمن.

وفي جامعة الأزهر، اختار التخصُّص في «الفقه المقارن»، وهو تخصُّص دقيق يجمع بين المذاهب الفقهية المختلفة ويدرسها مقارنة وتحليلاً، وكان زميله في الدراسة الدكتور عجيل النشمي، وقد سكنا معاً ورافقا بعضهما في مراحل البكالوريوس والماجستير ثم الدكتوراه. تميَّز الدكتور خالد بعقله التحليلي ومنهجيَّته العلمية، مما أهَّله لنيل شهادة الليسانس بامتياز، ثم الماجستير في ذات التخصُّص، ليكمل بعد ذلك مسيرته الأكاديمية بالحصول على درجة الدكتوراه من نفس الكلية بدرجة ممتاز مع التوصية بالطباعة، وكان عنوان أطروحته «ابن أبي زيد القيرواني وأثره في المذهب المالكي».

وبعد عودته المؤقَّتة إلى الكويت عام 1971م، التحق بوزارة الأوقاف، ثم عُيِّن معيداً في جامعة الكويت، قبل أن يعود مجدداً إلى الأزهر لإكمال الدراسات العليا، ليعود إلى وطنه الكويت عام 1981م مُحمَّلاً بعلم راسخ ووعي شرعي عميق.

لقد جسَّد الدكتور خالد بعلمه وتكوينه الأزهري جسراً بين المدرسة الفقهية التقليدية والرؤية المعاصرة، فكان من الروَّاد الذين حملوا مشعل التخصُّص الشرعي بمنهج أصيل وأفق واسع.

الحياة العملية

بدأ الدكتور خالد المذكور حياته العملية مبكِّراً فور تخرُّجه من جامعة الأزهر، فالتحق بديوان الموظفين، ومن ثم بوزارة العدل، قبل أن يُنقل إلى وزارة الأوقاف، ويُعين نائباً لمدير إدارة المساجد، وفي عام 1971م، التحق بقسم الشريعة والدراسات الإسلامية بكلية الحقوق والشريعة بجامعة الكويت كمُعيد بعثة، ومن هنا بدَأت رحلته الأكاديمية التي امتدت لعقود.

وبعد نيله درجة الدكتوراه، عاد عام 1981م إلى التدريس الجامعي، وتدرَّج في المناصب الأكاديمية حتى أصبح رئيس قسم الشريعة والدراسات الإسلامية في كلية الحقوق والشريعة، ثم رئيس قسم الفقه المُقارن والسياسة الشرعية في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بعد تأسيسها في أوائل الثمانينيات، وامتاز الدكتور خالد بأدائه الأكاديمي العالي، ومهاراته في التدريس، والإشراف، والمشاركة في اللجان العلمية، كما أشرف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه، وكان مرجعاً موثوقاً للطلبة والباحثين.

وفي عام 1991م، تم اختياره من قِبَل سمو الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد -رحمه الله- ليترأَّس «اللجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية»، وهي لجنة أميرية ذات طابع علمي واستشاري عالٍ، واستمر في قيادتها لمدة 24 عاماً، حتى عام 2016م، كما شغل عضوية «المجلس الأعلى للتخطيط» في الدولة، وكان له حضور فاعل في تطوير السياسات الشرعية للدولة.

تقاعد الدكتور خالد عن العمل الأكاديمي عام 2017م، لكنه استمر في نشاطه العلمي والدعوي والإعلامي، لا سيما من خلال برنامجه التلفزيوني الأسبوعي «مع الإسلام»، الذي يتناول القضايا المعاصرة في ضوء الشريعة.

الجانب التطوعي والخيري

يُعد الدكتور خالد المذكور من أبرز الوجوه الشرعية العاملة في الميدان الخيري بالكويت، فقد ساهم مساهمة فاعلة في تشكيل البيئة الشرعية للجمعيات الخيرية، وتطوير الفتاوى والنُظُم الرقابية التي تحكم أعمالها، وانضم إلى «هيئة الفتوى» في وزارة الأوقاف منذ منتصف الثمانينيات، وكان له دور في اللجنة العلمية للموسوعة الفقهية الشهيرة، التي صدرت في أكثر من 45 مجلداً، وتُعد من مفاخر الكويت العلمية.

كما تولَّى رئاسة «اللجنة الشرعية» في بيت الزكاة لسنوات طويلة، وأسهم في تأسيس سلسلة ندوات «قضايا الزكاة المعاصرة»، والتي أصبحت مرجعاً فقهياً للمؤسسات المالية والبحثية، ونوقشت فيها القضايا الدقيقة لمصارف الزكاة الثمانية في ضوء الواقع المعاصر. وضمن إسهاماته في الوقف؛ شارك في تأسيس «منتدى قضايا الوقف المعاصرة» تحت مظلة الأمانة العامة للأوقاف، وترأَّس العديد من الدورات، مما أتاح تناول قضايا فقهية معاصرة تتعلق بالأوقاف الإسلامية في العالم.

ولم يتوقَّف عطاؤه الخيري داخل الكويت، بل امتدَّ إلى رعاية الأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة، فقد ترأَّس «اللجنة الشرعية» في «الهيئة العامة لشؤون القُصَّر»، وأسهم في ضبط التوجيهات الفقهية الخاصة بمال القُصَّر، كما كان عضواً بارزاً في جمعيات خيرية؛ مثل: «جمعية الشيخ عبد الله النوري الخيرية»، التي ترأَّس مجلس إدارتها لفترة، و «جمعية المنابر القرآنية»، التي ساهم في تحوُّلها من لجنة إلى جمعية خيرية مُرخَّصة.

وساهم كذلك في دعم الحملات الخيرية؛ مثل: حملة «لنُحقِّق حلمهم» التي استهدفت دعم ذوي الإعاقات السمعية، وكان له دور بارز في تمكين هذه المبادرات بالرأي الشرعي، والتأييد المعنوي والإعلامي، مؤكِّداً تلاحم العلماء مع المجتمع الكويتي، وساهم أيضاً في دعم العديد من المراكز الإسلامية في أوروبا وأمريكا وأستراليا، وكان عضواً أو رئيساً في مجالس أُمنائها؛ مثل: مركز «شيفيلد» في بريطانيا، ومركز «النور» في فرنسا، ممثِّلاً للكويت وللمؤسسات الخيرية الرسمية فيها.

ومن أبرز محطاته التطوعية والخيرية، تولِّيه رئاسة «جمعية الإصلاح الاجتماعي» في الكويت، وهي من أعرق الجمعيات الإسلامية في البلاد، تأسَّست عام 1963م على يد نخبة من روَّاد العمل الخيري والتطوعي في دولة الكويت، وقد قادها بخبرته الشرعية ورؤيته الوسطية المتزنة، وساهم في تطوير برامجها العلمية والدعوية والخيرية، مما عزَّز حضورها في المشهد الإسلامي الكويتي والخليجي، وقد حصلت على شهادة الجودة الإدارية «الآيزو» (iso) لتستمر في أدائها المتميز.

الرقابة الشرعية والمجال الاقتصادي

برز اسم الدكتور خالد المذكور في المجال الاقتصادي الإسلامي، وكان من الروَّاد المؤسِّسين لهيئات الرقابة الشرعية في البنوك والمصارف الكويتية، وقد بدأ مسيرته في هذا المجال بعضويته في «هيئة الرقابة الشرعية» لبيت التمويل الكويتي منذ تأسيسه، إلى جانب علماء كبار؛ مثل: الشيخ بدر متولي عبد الباسط، والدكتور عبد الستار أبو غدة، كما ساهم في تحويل «البنك العقاري الكويتي» (البنك الدولي حالياً) و «البنك الأهلي المتحد» من النظام التقليدي إلى النظام الإسلامي، وما يزال حتى الآن رئيساً لهيئتَيْ الرقابة الشرعية في هذين البنكيْن.

وعلى الصعيد الدولي؛ كان عضواً في هيئات شرعية لعدة فروع خارجية لبيت التمويل الكويتي؛ منها: البحرين وتركيا وماليزيا، كما ساهم في إنشاء «اللجنة الاقتصادية» ضمن اللجنة الاستشارية العليا، وكان من الداعمين لتوسيع دائرة البنوك الإسلامية.

وعلى المستوى العالمي؛ اختير عضواً وخبيراً في «مُجمَّع الفقه الإسلامي الدولي» التابع لمنظمة التعاون الإسلامي، وشارك في صياغة عدد من الفتاوى والمواقف الفقهية المتعلقة بالنوازل المالية والاجتماعية، كما كان له إسهام في «المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية»، إذْ شارك في مناقشة قضايا حسَّاسة؛ كالتبرع بالأعضاء، والإجهاض، والجينات الوراثية.

وقد امتدَّت مساهماته في هذه الهيئات بجانب الفتوى إلى وضع الأُطُر العامة للسياسات المالية الإسلامية، وتقديم الاجتهادات المناسبة في النوازل الاقتصادية، مع الحرص على الجمع بين النصوص والواقع العملي، مما جعل اسمه من الأسماء المُعتبرة في مجال الرقابة الشرعية الإسلامية المعاصرة.

التميُّز الإعلامي والاجتهاد المعاصر

جمعَ الدكتور خالد المذكور بين الفقه الراسخ والتواصل الإعلامي المعاصر، فقد عُرِف بقدرته على تبسيط المسائل الشرعية وإيصالها للعامة والخاصة من خلال برنامجه التلفزيوني «مع الإسلام»، الذي يُبثُّ أسبوعياً على تلفزيون دولة الكويت، ويُعنى بإجابات دقيقة عن النوازل المعاصرة، والقضايا الاجتماعية والاقتصادية من منظور شرعي.

ومن أبرز ما ميَّز اجتهاده، مشاركته الفاعلة في صياغة رؤى شرعية جديدة تراعي اختلاف الزمان والمكان، ففي قضايا الزكاة والوقف؛ قاد ندوات ناقشت الواقع الحديث لمصارف الزكاة وسُبل توزيعها، كما كان من المؤيدين لاجتهادات تراعي السياقات القانونية المعاصرة، فكان يرى في القوانين الوضعية أدوات تنظيمية مقبولة ما لم تخالف النصوص الشرعية.

وفي زمن جائحة كورونا؛ أظهرَ مرونة فقهية بارزة من خلال فتاوى تُقدِّم الاحترازات الصحية على بعض السُّنن، وأجاز عدم إقامة صلاة الجماعة بالمساجد في حالات الضرورة الصحية، مع اختصار خطبة الجمعة، وإلغاء السُّنن البَعْديَّة والقَبْليَّة في المساجد.

ومع تعدُّد مشاركاته الدولية؛ زارَ «جامعة هارفارد» في بوسطن، وشارك في مؤتمرات علمية عالمية، وكتب أبحاثاً في الاقتصاد والاجتماع والصحة من منظور فقهي، وله مؤلَّفات؛ مثل: «الاجتهاد الجماعي ومؤسساته»، و «رعاية المسنِّين في الشريعة الإسلامية»، و «حماية المستهلك»، و «الوقاية الصحيَّة في الفقه».

لقد شكَّل الدكتور خالد المذكور مثالاً فريداً للعالِم الذي يمزج بين الفقه والأصالة، والاجتهاد والتجديد، والتواصل المجتمعي، ليبقى علامة بارزة في مسيرة العمل الخيري والعلمي في دولة الكويت.

التصنيفات:

→ العودة إلى تصنيف «أعلام العمل الخيري رجال»