أعلام العمل الخيري رجال
خالد محمد صالح الصبيحي

المولد والنشأة
وُلد الدكتور خالد محمد صالح الصبيحي في الرابع والعشرين من نوفمبر عام 1958م، في بيئة كويتية أصيلة محافظة، تشبَّعت بالقيَم الإسلامية والوطنية، ونشأ في كنَف أسرة غرسَت في أبنائها حب العلم والالتزام والمسؤولية، وقد انعكس هذا التكوين في شخصية الصبيحي الذي أبدى منذ نعومة أظفاره شغفاً واضحاً بالتعلُّم والتفوق، إلى جانب بروز سِمات القيادة المبكِّرة فيه، إذ تميَّز بين أقرانه بإقباله على خدمة الآخرين وحرصه على التميُّز في كل ما يقوم به.
عايش الدكتور خالد مراحل تحوُّل الكويت الحديثة بعد الاستقلال، وهي فترة كان لها بالغ الأثر في تشكيل وعيه الوطني والاجتماعي، فنشأ في ظلِّ مجتمع يتطلَّع إلى النهضة ويعزِّز قيَم الانتماء والبذل، وكان حبّه للقراءة والاهتمام بالشأن العام أثر بالغ في رسْمِ ملامح توجُّهه، فالمجتمع الذي ترعرع فيه بأسواقه الشعبية ومدارسه التقليدية، ساهم في بناء منظومته القيَميَّة ومهاراته العملية، فكوَّن شبكة علاقات واسعة، وعُرف عنه الانضباط والخُلق الكريم.
تلقَّى دعماً كبيراً من أسرته التي شجَّعته على المضي قُدماً في طريق التعلُّم والعمل، فجمع منذ سنوات عمره الأولى بين الاجتهاد الدراسي والمشاركة الفاعلة في الأنشطة الاجتماعية والتجارية، ما ساعده في الجمْع بين الفِكر والميدان، ليصبح أحد روَّاد التعليم والعمل الخيري في الكويت والعالم العربي والإسلامي.
التعليم
بدأ الدكتور خالد الصبيحي رحلته التعليمية في مدارس الكويت، وأظهَرَ تميُّزاً لافتاً أهَّله للالتحاق بجامعة الكويت، لينال درجة البكالوريوس في المحاسبة عام 1980م، وهذه المرحلة الجامعية شكَّلت قاعدة معرفية متينة مكًّنتْه من مزج النظري بالتطبيقي، خاصة في مجالات الإدارة والاقتصاد، ورغم انخراطه المبكِّر في العمل؛ لم يتوقَّف عن التطوُّر الأكاديمي، إذْ نال في عام 2021م الدكتوراه المهنية في إدارة الأعمال من «جامعة أتلانتا»، بتخصُّص دقيق هو «القطاع الخيري»، وكانت أطروحته بعنوان «العمل الخيري في الكويت... إيجابيات وسلبيات وسُبُل التطوير»، عكست فهماً عميقاً لتحديات القطاع وسُبل النهوض به، كما حصل على الدكتوراه الفخرية من «المحور الإنساني العالمي» في الأردن عام 2020م، ومن «جامعة شرق إفريقيا»، ومن «المركز الجامعي للتخصُّصات المتعددة» في «بوركينا فاسو»، تقديراً لعطائه الإنساني، وشارك في العديد من الملتقيات والدورات الدولية، جامعاً بين البحث الأكاديمي والممارسة الميدانية، واهتم بتطوير التعليم النوعي، لا سيما في حالات الطوارئ وصعوبات التعلُّم، فأسهم في إعداد مناهج وأكاديميات متخصِّصة في هذا المجال.
وقد رأى الدكتور خالد أن التعليم عبارة عن رسالة ونهج إصلاحي، فكان شغوفاً بتطويره كأداة للنهوض بالمجتمعات، مؤمناً أن التعليم هو القاطرة التي تقود الأُمم نحو الازدهار، وأن بناء الإنسان هو الأساس لكل تنمية مستدامة.
الحياة العملية
بدأ الدكتور خالد الصبيحي حياته المهنية كمحاسب في «شركة البتروكيماويات» عام 1981م، ثم التحق بوزارة المالية، فأسَّس «إدارة الضريبة» التي لم تكن موجودة آنذاك، وأصبح مديراً لها وهو في سن السابعة والعشرين من عمره، ليكون بذلك أصغر من شغل هذا المنصب في الكويت، واستمر فيه حتى عام 1995م، أظْهَر في هذه الفترة كفاءة نادرة في التنظيم والتخطيط المالي وإدارة الإيرادات، وخلال تلك المرحلة، شغل عضوية مجلس إدارة «بنك الإسكان العماني» ممثِّلاً عن دولة الكويت (1983-1986م)، كما شغل عضوية مجلس إدارة «البنك الإسلامي» في دبي (1986-1992م)، مما عمَّق فهمه لآليات التمويل الإسلامي والمشاريع التنموية، فكانت هذه التجربة حجر الأساس لمشاريعه المستقبلية في العمل الخيري.
وبعد تحرير الكويت عام 1991م، كان عضواً في اللجنة العليا لإعادة إعمار الكويت، وأسهم في وضع رؤى تنموية لما بعد الأزمة، وتنوَّعت مهامه وتوسَّعت أفكاره ومبادراته الإنسانية والخيرية، فأسَّس مع روَّاد مسجده في منطقة «قرطبة» (المُجمَّع الجامعي) في بوركينا فاسو عام 2000م، ثم «جامعة شرق إفريقيا» عام 2004م، و «كلية الطب» في الصومال عام 2009م، إلى جانب «أكاديمية التنمية» في البوسنة، كما أسهم في تأسيس «جمعية بشائر الخير» و «مبرة المتميزين لحفظ القرآن الكريم» في الكويت، وفي عام 2006م، أطلق «المركز العالمي للتواصل الحضاري» بالتعاون مع المستشار حامد الرفاعي، بهدف تحسين صورة الإسلام عالمياً، وكانت له جهود بارزة في تدريب الدعاة ومواجهة الإسلاموفوبيا، أسفرت عن دخول 46 ألف مهتدٍ إلى الإسلام، وتحسين الصورة الذهنية لمليون شخص.
هذه الخبرات المتراكمة والمتنوِّعة بين العمل الحكومي والمصرفي والمجتمعي؛ أكسبَتْه مرونة وحنكة إدارية تجلَّت في كل موقع تبوَّأه وعمل فيه.
الجانب التطوعي والخيري
امتدَّت مسيرة الدكتور الصبيحي في العمل الخيري والإنساني لأكثر من ثلاثة عقود، بدأها بعضويته في «لجنة التعريف بالإسلام» و «جمعية بشائر الخير»، ثم «مبرة المتميزين»، قبل أن يؤسِّس مع ثلة من شباب مسجدَيْ الغانم والعثمان في منطقة قرطبة «جمعية التميز الإنساني» عام 2016م، التي أصبحت خلال سنوات قليلة واحدة من أبرز الجمعيات الخيرية في مجال التعليم النوعي، خاصة في حالات الكوارث والطوارئ، وتحت قيادته، أنشأت الجمعية عشَرات المدارس تحت شعار «مدارس الكويت الخيرية»، ووصل عدد الطلاب إلى أكثر من 15 ألف طالب في بعض المواسم، محقِّقة المركز الأول في لبنان بنسبة النجاح، ومتفوِّقة على منظَّمات محلية وعالمية، وأطلقت الجمعية أيضاً «كلية الطب» في الصومال، و «أكاديمية» في البوسنة، واهتمت بالتعليم القيَمي ودعم ذوي صعوبات التعلُّم، وكان من أبرز مشاريعه «دبلوم التعليم في حالة الطوارئ»، الذي نال اعتماد «الجامعة العربية المفتوحة» و «المجلس الأعلى للجامعات» في مصر، وهو الأول من نوعه في العالم، كما أسَّس أكاديمية للتنمية بالتعاون مع «منظمة التعاون الإسلامي»، ومبادرة كويتية رائدة لمحو الأمية، وتميَّزت مبادراته بالتركيز على الجودة والتخصُّص والشراكات الفاعلة مع مؤسسات محلية ودولية.
ولم تقتصر جهوده على التعليم فقط، بل شملت الدعم النفسي والاجتماعي، وتعزيز قيَم الولاء والانتماء للكويت لدى الطلبة اللاجئين، وكان داعماً قوياً لتكوين شراكات استراتيجية مع مؤسسات كبرى؛ كــ بيت الزكاة، وقطر الخيرية، والبنك الإسلامي للتنمية، والمفوضية الأممية، مما عزَّز من تأثير جهوده على المستوى الإقليمي والدولي.
المؤلفات والمشاريع الفكرية
إلى جانب عطائه الميداني، أوْلى الدكتور خالد الصبيحي أهمية كبيرة للتوثيق ونقل التجربة، فأسَّس «مركز الكويت للأبحاث والدراسات»، وهو مركز متخصص يُصدر تقارير شهرية في قضايا التعليم واللاجئين، ويُعد مرجعاً علمياً للمؤسسات المحلية والدولية، وقد أنتج المركز أكثر من 6000 صفحة علمية حول التعليم في حالة الطوارئ، وساهم في إعداد أدلة تعليمية لمعالجة صعوبات التعلم بالتعاون مع «الهيئة الخيرية الإسلامية» و «البنك الإسلامي للتنمية»، بميزانية تجاوزت (مليوني دولار)، وتُرجمت للإنجليزية، وتُستخدم حالياً من قِبل منظمات كاليونسكو.
وألَّف الدكتور الصبيحي كتاباً علمياً شاملاً حول «التعليم في حالة الطوارئ»، يوثِّق فيه التحديات والحلول، إلى جانب كتب أخرى؛ مثل: «ركائز العمل الخيري والإنساني»، و»إضاءات حول الشبهات في العمل الخيري» وكتاب «أهمية الأبحاث والدراسات في العمل الخيري»، كما أسَّس مجلة شهرية باسم «الإنسانية»، توثِّق التجارب الرائدة في ميدان التعليم والعمل الإنساني، وبلغ عدد حلقاته الإذاعية 141 حلقة، والتلفزيونية 20 حلقة، تناول فيها أهمية العمل الخيري وضرورة شفافيته، وساهم أيضاً في تأسيس مراكز للجاليات الإسلامية لتقديم خدمات حضارية وتواصل فعَّال مع المجتمعات الغربية، ونفَّذ مشروعات فكرية لتعزيز الصورة الإيجابية للإسلام، باللغات العالمية وبخطاب إنساني معتدل.
هذا الجانب الفكري جعل من الدكتور الصبيحي نموذجاً لقائد يجمع بين الفكر والميدان، مؤمناً بأن المعرفة هي الأساس لكل مشروع تنموي ناجح.
الطموحات والرؤية المستقبلية
يحمل الدكتور خالد الصبيحي طموحاً يتجاوز الواقع، إذْ يسعى لتأسيس «المركز الإقليمي للتعليم في حالات الطوارئ»، بالتعاون مع «الجامعة العربية المفتوحة» و «المجالس الأكاديمية العربية»، ليكون مرجعاً عالمياً في تطوير نماذج تعليمية متخصِّصة للبيئات المتضررة من النزاعات والكوارث، ويؤمن بأن التعليم ليس فقط أداة للمعرفة، بل وسيلة للتحصين المجتمعي والإصلاح الحضاري، لذلك يعمل على تعميم التجربة الكويتية في التعليم الخيري، خاصة عبر شراكات مع جمعيات ومؤسسات خليجية وعربية، ويركِّز في رؤيته على دمْج الجودة، والشمولية، والاستدامة في التعليم، ويطالب الجهات الحكومية والخيرية بترتيب أولوياتها لصالح التعليم كأولوية قصوى، كما يشكر المؤسسات الداعمة لمشاريعه، مؤكداً أن تكامل الجهود هو السبيل لبناء أجيال قادرة على النهوض بأوطانها.