محسنون
عَمر بن سلطان بن درباس العَمر
المولد والنشأة:

وآل درباس من قبيلة آل بن علي وهي (بطن) من (قبيلة العتوب)، ترجع أصولهم إلى نجد، وكانوا يقطنون الزبارة في قطر على الساحل الشرقي لمملكة البحرين وقطر والكويت، وآل بن علي فرع من العتوب، نزحوا من الجزيرة العربية.
وهم قسم من أقسام آل بن علي وهي من الأسر الكويتية الكريمة التي كان لها ثقل اجتماعي ويكثر بها الوجهاء والأعيان. ولذا كان كثير من الناس يلجؤون إليهم في حل مشكلاتهم لما يتمتعون به من حكمة ورأي سديد، وخاصة كبير الأسرة وصاحب الكلمة الأولى فيها "درباس"، الذي كان لا يتوانى عن تقديم المساعدة لطالبيها. وكان للعائلة أراضٍ ومزارع نخيل بالبحرين، وهي لا تزال موجودة حتى الآن.
أوجه الإحسان في حياته
اشتُهر أهل البحر بالجود والكرم، وهو صفة راسخة - بشكل عام - في نفوس العرب جميعاً. وليس أدل على ذلك من حاتم الطائي الذي يضرب به المثل في الجود والكرم، وقد كان آل درباس كذلك أهل جود وكرم.
وقد أراد المحسن عمر بن درباس – رحمه الله - أن يحظى بحب الله تعالى وأن يستظل بقوله تعالى "وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)" سورة البقرة.
ولذا فقد تعددت أوجه الإحسان في حياته – رحمه الله - حتى يحبه الله، بل وبعد وفاته كذلك! ومن أوجه إحسانه في حياته ما يلي:
ديوانه .. دار ضيافة
كان ديوان عمر الدرباس العمر مفتوحاً طوال العام لرواده وعابري السبيل، علامة ودليلاً على كرمه وجوده ليس مع أقاربه وذويه فحسب، بل كذلك للبحارة والمسافرين القادمين إليه من خارج الكويت، وخصوصاً من المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية والبحرين وقطر والعراق خاصة البصرة، فكانت تقدم لهم الولائم في الديوانية، التي يجدون فيها المبيت والمأوى أيضاً، كما جعل عمارته المواجهة للبحر والمجاورة لديوانيته ومنزله نزلاً للضيوف والزائرين.
وكانت هذه العمارة بمثابة استراحة يقيم فيه هؤلاء الضيوف طوال مدة وجودهم بالكويت، فيستريحون من عناء الحل والترحال، والعمل والتجارة والسفر، خاصة أنه لم تكن هناك آنذاك أية فنادق يقيم فيها ضيوف الكويت وزوارها وقاصدوها.
وكان الرجل مثار إعجاب وثناء من نزلاء ديوانه العامر، إذ كان يكرم ضيوفه أيما إكرام، لعلمه أن هذا من علامات الإيمان، مصداقاً لقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ. وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ. وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ" رواه مسلم.
العشيات والأضاحي
وقد تجسد عمل الخير هذا في صورة أخرى تمثلت في العشيات والأضاحي، حيث كان المحسن عمر بن سلطان الدرباس – رحمه الله - يذبح الأضاحي في عيد الأضحى من كل عام، ويوزعها على الفقراء، وفي عيد الفطر والمناسبات الدينية الأخرى.
فقد كان – رحمه الله – يقوم بذبح الذبائح وتوزيع لحومها، حيث لم يكن متيسراً آنذاك لكل الكويتيين أكل اللحم في الأوقات العادية، لتدني المستوى المعيشي قبل اكتشاف النفط، وكان الأغنياء فقط هم الذين يأكلون اللحم بشكل منتظم، وبذلك يسر لكثير من الفقراء والجيران وعابري السبيل أكل اللحم في أوقات كثيرة غير المناسبات الدينية المشار إليها أعلاه، حيث يقوم بتقديم العشيات لمن يعرف ومن لا يعرف من الفقراء والمساكين، راجياً بعمله هذا ثواب ربه الذي وعد به رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: " الأُضْحِيَّةِ لِصَاحِبِهَا بِكُلِّ شَعَرَةٍ حَسَنَةٌ وَيُرْوَى بِقُرُونِهَا" رواه الترمذي.
وقد شاء الله تعالى أن يستمر هذا العمل المبارك – وهو ذبح الأضاحي وتقديم العشيات – بعد وفاة المحسن عمر الدرباس – رحمه الله – حتى الآن، وذلك من خلال بركات وقفه، الذي تركه في وصيته والذي أوصى فيه - رحمه الله - بتقديم العشيات وذبح الأضاحي من ثلثه، ولذلك فقد جاء في إفادة الأمانة العامة للأوقاف أن الأمانة تصرف من وقف المرحوم عمر الدرباس تسعة أضاحي لبيت الزكاة سنوياً، بالإضافة إلى استفادة عدد من الأشخاص من مصرف الإطعام ومصرف النوافل.. منذ تثمين الوقف وحتى الآن.
موائد الإفطار
وقد حرص المحسن عمر بن درباس العمر – رحمه الله – على أن يقدم في شهر رمضان المبارك من كل عام موائد الإفطار للصائمين، مبتغياً بذلك الأجر والثواب من الله سبحانه الذي أشار إليه رسوله صلى الله عليه وسلم في قوله: "مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا" أخرجه الترمذي.
الوقف الخيري:
بعد حياة مليئة بما سبق أن ذكرنا من عمل وكفاح، وبعد أن أحس المحسن عمر بن درباس – رحمه الله - بدنو أجله، أراد أن يقدم بين يديه – إضافة إلى كل ما تقدم - عملاً صالحاً يلقى به الله تعالى، عاملاً بأمره عز وجل: "وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ (10)" سورة المنافقون.
فأملى وصية مباركة: جزءاً منها خيري والجزء الآخر ذُري، بأن جعل جميع ما عنده من دراهم وأثمان خشباً لأبنائه، ولم ينس أن يوقف جزءاً من ثرواته لله تعالي، فجعل العمارة التي كان يملكها وقفاً على أعمال الخير والبر.
وقد أنشئ هذا الوقف المبارك في 12 شوال عام 1303هـ الموافق 13 يوليو 1886م، وكان عين الوقف وقت إنشائه عبارة عن العمارة والبيوت التي يملكها الموقف، ونص حجية الوقف:
بركات وقفه للذرية
وقد بارك الله تعالى في وقف المرحوم عمر بن سلطان هذا، بعد تثمين أوقافه، بحيث استفاد من الجزء الذري ذريات ذريته من آل العمر الدرباس وغيرهم، وممن تصاهر معهم من الأسر الكويتية، حيث بلغ مجموع المستفيدين من وقفه هذا ما يقارب أربعمائة شخص، وفق ملف بأسماء هذه الأسر في وزارة العدل التي أعلنت ذلك.
كما أفادت الأمانة العامة للأوقاف بأنها تصرف من ريع هذا الوقف على الجانب الذري ما تيسر لها وحسب الحاجة، بالإضافة إلى استفادتهم من الأضاحي ومصرف الإطعام والنوافل، نسأل الله تعالى أن يجعلها صدقة جارية في ميزان حسناته – رحمه الله – قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ".
بركات وقفه الخيري
لقد شاء الله تعالى لهذا الوقف المبارك الذي أُنشئ في عام 1303هـ/ 1886م أن يأتي بثماره، إذ ثمنت حكومة دولة الكويت عام 1954م (تقريباً) الأوقاف التي تركها المحسن عمر الدرباس – رحمه الله – ومن بينها الأرض التي تشغلها عمارته (على البحر) والتي أوقفها للصرف على أوجه الخير، بمبلغ (332200 د.ك) ثلاثمائة واثنين وثلاثين ألفاً ومائتي دينار كويتي، وكان مبلغاً كبيراً في ذلك الوقت.
وهذا المبلغ ذلك الحين يحقق للأمانة العامة للأوقاف دخلاً شهرياً قدره (15263 د.ك)، إذ تم وقتها تحويل المبلغ لإدارة الوقف في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، التي آلت مؤخراً إلى الأمانة العامة للأوقاف، والتي استثمرتها بدورها في المجالات الاقتصادية المتاحة، بما يحفظها وينميها لصالح العمل الخيري.
وها هي الأمانة مشكورة تقوم بصرف ريع هذا الوقف وأمثاله في أوجه الخير بشكل مباشر من خلال صناديقها الوقفية، أو من خلال المؤسسات الخيرية الأخرى القائمة مثل بيت الزكاة. قال تعالى: "مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261)" سورة البقرة.
وعلى سبيل المثال فإن ما تم صرفه كمساعدات في عام 2004م هو 1750 ديناراً كويتياً، على الجانب الذري والأضاحي لبيت الزكاة، والمبلغ الباقي وهو حوالي 13500 د.ك ينفق ويستثمر في وجوه الخير الأخرى.
وفاته
بعد حياه حافلة بالخير والعطاء امتدت حوالي 80 عاماً، لقي المحسن الكريم عمر بن درباس وجه ربه الكريم، في عام 1305هـ الموافق لعام 1888م.
الكلمات الدالة:
أعمال البر - محسنون من الكويت - الوقف الخيري - الأثلاث الخيرية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر:
بيت الزكاة. إدارة العلاقات العامة والإعلام. محســـــــــنون من بلـــــــدي (سلسلة تشمل السير العطرة للمحسنين الكويتيين)، ج6، 2003.
الموقع الإلكتروني:
https://www.zakathouse.org.kw/pdfencyclopedia/محسنون%20من%20بلدي%206.pdf