تخطّي إلى المحتوى
المجلد الأول · إصدار ١٤٤٧هـEST. 1442 AHدولة الكويت
ويكي خير
موسوعة العمل الإنساني

أعلام العمل الخيري رجال

عبدالقادر ضاحي العجيل العسكر

عبدالقادر ضاحي العجيل العسكر
عبدالقادر ضاحي العجيل العسكر

المولد والنشأة

وُلِد السيد عبدالقادر ضاحي العجيل العسكر في السابع من شوال عام 1372هـ الموافق 19 يونيو 1953م، في منطقة «الشامية» بدولة الكويت، ونشأ في كنف أسرة كويتية أصيلة، عُرفت بحبها للعلم والخير، وكان لهذه البيئة الثرية بالقيم والأخلاق الأثر الكبير في تشكيل شخصيته منذ نعومة أظفاره، وظهرت عليه ملامح الجديَّة والانضباط، وكان شغوفاً بالتعلُّم والانخراط في الحياة العامة، مُحاطاً بأجواء وطنية وإيمانية غذَّت في روحه بذور العمل الصالح والمسؤولية المجتمعية.

تنقَّل عبد القادر في مراحل دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية بين عدد من المدارس الكويتية، فبدأ من «روضة دمشق» في الشامية، ثم التحق بــ «مدرسة فهد العسكر» في منطقة «كيفان»، وانتقل إلى «متوسطة الخليل بن أحمد»، ثم إلى «متوسطة الصدّيق» في منطقة «المرقاب»، وأكمل دراسته الثانوية في «مدرسة الجاحظ» في منطقة «الدسمة» (وهي المقر الحالي للأمانة العامة للأوقاف)، وكان منذ صغره مولعاً بالعلوم الإدارية والحسابية، ما وجَّه اختياراته التعليمية نحو هذا المجال الحيوي.

نشأ في زمن التحوُّلات الكبرى في الكويت، وشهد بعينه نهضة التعليم والعمل الخيري وتأسيس المؤسسات الوطنية، مما ولَّد لديه قناعة راسخة بأن العمل المؤسسي هو الوسيلة الفضلى لتحقيق الأثر المجتمعي.

وقد انعكست هذه النشأة في التزامه الأخلاقي وانضباطه العملي، مما أهَّله ليكون أحد أعمدة العمل الخيري في الكويت والعالم الإسلامي.

التعليم والتأهيل العلمي

كانت مسيرة عبد القادر العجيل التعليمية زاخرة بالمثابرة والطموح، فبعد نيله الثانوية العامة، التحق بالمعهد التجاري الكويتي، متخصِّصاً في مجال المحاسبة، لما رآه من أهمية هذا التخصُّص في تنظيم شؤون المؤسسات وإدارتها، وأظهَر خلال دراسته كفاءة عالية وميلاً إلى النظام والدقَّة، حتى تمكَّن من التخرُّج بدرجة «جيد جداً»، مما أهَّله للحصول على بعثة دراسية إلى الولايات المتحدة الأمريكية لاستكمال تعليمه الجامعي.

سافر إلى أمريكا في أواخر السبعينيات، وكان من أوائل الكويتيين الذين وُفِّقوا في الاندماج الأكاديمي هناك، فالتحق بإحدى الكليات المتخصِّصة في مجال الإدارة، وحصل على درجة البكالوريوس في تخصُّص الإدارة العامة، جامعاً بين فقه الإدارة الحديثة وروح الانضباط الكويتي الأصيل.

عاد إلى الكويت في مطلع عام 1981م مزوَّداً بخبرة تعليمية عالمية، ورؤية تطويرية تسعى إلى بناء مؤسسات فاعلة ومستدامة، وبدأ مسيرته المهنية فور عودته في «معهد الكويت للأبحاث العلمية» كمحاسب، حيث عمل هناك لمدة سنتين، اكتسب خلالها مهارات إدارية ومحاسبية متقدِّمة، لكنه رغم استقراره المهني، ظلَّ يبحث عن دور أكثر تأثيراً في خدمة مجتمعه، فوجد ضالته في «بيت الزكاة الكويتي»، الذي كان في بدايات تأسيسه، ومع حلول عام 1983م، قرَّر ترْك وظيفته في المعهد والانضمام إلى البيت، ليبدأ فصلاً جديداً من العطاء المؤسسي والخيري الذي استمر لأكثر من ثلاثين عاماً.

الحياة العملية ومسيرته في بيت الزكاة

شكَّلت تجربته المهنية في بيت الزكاة المحور الأهم في حياته، فقد التحق به في يناير 1983م، وكان ترتيبه الثاني عشر بين موظفي المؤسسة، وباشر عمله باحثاً إدارياً في إدارة تنمية الموارد، وأثبت منذ البداية تميزاً ملحوظاً في الأداء، فتدرَّج في المناصب حتى أصبح مراقباً، ثم مديراً لتلك الإدارة، ومع حصول المدير العام الدكتور فؤاد عبد الله العمر بعثة دراسية لنيل الماجستير في أمريكا؛ تولَّى العجيل مهام الإدارة العامة بالإنابة عام 1985م، وفي عام 1989م وبعد ترشيح الدكتور العمر نائباً لرئيس البنك الإسلامي؛ تولَّى العجيل مسؤولية إدارة بيت الزكاة رسمياً، ليبدأ مشواره القيادي الذي امتد حتى عام 2013م.

نُصِّب وكيلاً مساعداً، ثم صدر مرسوم أميري بتعيينه مديراً عاماً لبيت الزكاة بدرجة وكيل وزارة، ومن موقعه هذا قاد المؤسسة نحو التميُّز المؤسسي، وشارك في وضع الخطط الاستراتيجية التي جعلت بيت الزكاة نموذجاً عالمياً.

وخلال قيادته، تم تطوير الهيكل الإداري والأنظمة المالية والرقابية والشرعية للمؤسسة، كما أُنشِئت إدارات متخصِّصة للتخطيط والجودة، واعتمد بيت الزكاة نهج الإدارة بالأهداف، متبنِّياً رؤية «الريادة والتميز في خدمة فريضة الزكاة والعمل الخيري»، ولم يكن ذلك شعاراً بل واقعاً عملياً تجسَّدَ في حصول البيت على شهادات جودة عديدة، وتنفيذ مشروعات ضخمة داخل الكويت وخارجها، وتوثيق الريادة الكويتية في إدارة الزكاة .

الجانب التطوعي والخيري في حياته

لم تكن حياة عبد القادر العجيل مقصورة على العمل الرسمي، بل امتدَّت إلى فضاء واسع من الجهود التطوعية والإنسانية، فكانت البداية في عام 1982م، حين تأثَّر بكلمة للدكتور عبدالرحمن السميط في ديوان يحيى العقيلي، فبدأَتْ رحلته في ميادين العطاء.

وشارك مع أصدقاء الديوانية في أول قافلة خيرية إلى «ملاوي»، وكان معه في تلك الرحلة يحيى سليمان العقيلي، وجاسم محمد الشراح، والشهيد عبدالرزاق عبدالله الفوزان رحمه الله، ومنصور البدر رحمه الله، وجمال العشيرة رحمه الله، وأحمد الخرجي، وآخرون، وبلغ عدد المشاركين في الرحلة عشرة أشخاص تقريباً، وبعد العودة من الرحلة أخبرَ والده عن حاجة المسلمين في «ملاوي»؛ فتبرَّع بمبلغ 40 ألف دينار كويتي، وتبرَّعت أسرة الأخ يحيى العقيلي بمبلغ 75 ألف دينار كويتي، وأسهم ذلك في بناء مركز إسلامي بمدينة «كوتا».

وكان له دور فعَّال في «لجنة زكاة بيان ومشرف»، ثم انطلق في العمل المؤسسي ببيت الزكاة، والذي اعتبر العمل فيه رسالة لا وظيفة، وكان يشرف شخصياً على توزيع المساعدات، ويتفقَّد مشاريع الأيتام داخل الكويت وخارجها.

وخلال الغزو العراقي عام 1990م، لم يتوقَّف عن أداء رسالته، بل ساهم في إعادة تفعيل عمل «الهلال الأحمر الكويتي»، حتى تعرَّض للاعتقال مع عدد من رموز العمل الخيري، وبعد الإفراج عنه واصل جهوده من السعودية في «إدارة العمل الخارجي» لبيت الزكاة، بالتعاون مع الدكتور فؤاد العمر الذي قام -بحكم منصبه في البنك الإسلامي للتنمية- بتخصيص قرض من البنك لبيت الزكاة، لتمويل دفعات الأيتام والطلبة المكفولين لدى بيت الزكاة وضمان استمرار الدعم لهم، كما شارك في «رحلة الخير» الأولى والثانية إلى إفريقيا، ورافق كبار المسؤولين في افتتاح مشاريع إنسانية في خمس دول.

وبعد تقاعده من الوظيفة الرسمية عام 2013م؛ لم يترك العمل الخيري، بل استمر عضواً في مجالس إدارة جمعيات خيرية كويتية؛ مثل: جمعية النجاة الخيرية، وجمعية الرحمة العالمية، والجمعية الكويتية للإغاثة، وبيت الزكاة، والهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، بالإضافة إلى مجلس الأمناء في الجامعة الإسلامية بالنيجر.

ثبات في المحنة

حين اجتاحت قوات الغزو العراقي أرض الكويت في الثاني من أغسطس عام 1990م؛ تغيَّرت حياة كل الكويتيين، وكان من بينهم رجال لم ينكفئوا أمام الخطر، بل تقدَّموا الصفوف في ساحات العمل الإنساني والخيري، يتقدَّمُهم السيد عبد القادر ضاحي العجيل، فلم يكن الرجل يوماً من أهل التنظير، بل من أهل الفعل والتضحية، فآثر البقاء في الكويت رغم كل الظروف، موقناً أن الواجب لا يسقط تحت الاحتلال، وأن الأُسَر المحتاجة تزداد حاجتها في وقت الشدائد.

وفي تلك الأيام الحالكة، استمر بيت الزكاة - من خلال جهود المخلصين وفي مقدمتهم العجيل - بتقديم الدعم والمساعدات داخل الكويت، رغم فقدان التواصل الرسمي والخارجي، و كان التنسيق يتم عبر شبكات من المتطوعين والعاملين، وكانت أروقة البيت شاهدة على عمل دؤوب يتحدى الحصار والمراقبة، ووسط تلك الأجواء المتوترة؛ شارك العجيل مع كوكبة من رجال الكويت في إعادة تفعيل الهلال الأحمر الكويتي، إذْ إن معظم أعضاء مجلس إدارته خارج البلاد، فقاموا بتسيير المساعدات وتنظيم الجهود الإنسانية، لكن الاحتلال لم يكن ليسمح بنشاط إنساني مستقل، فتعرَّض العجيل في 16 سبتمبر 1990م للاعتقال مع مجموعة من رموز العمل الخيري الكويتي، كان من بينهم الدكتور عبد الرحمن السميط، والدكتور عبد الرحمن المحيلان، والدكتور إبراهيم الشاهين، وعبد الكريم علي جعفر الكندري، والدكتور إبراهيم بهبهاني.

وقد بقي في الأسر 25 يوماً، تعرَّض خلالها لتحقيقات وضغوط، لكنه خرج من التجربة أكثر صلابة ويقيناً بعدالة رسالته، وبعد الإفراج عنه قرَّر السفر إلى المملكة العربية السعودية برفقة أسرته، حيث استقر هناك، وأعاد التواصل مع الدكتور فؤاد العمر - الذي كان آنذاك مُنتدباً في البنك الإسلامي للتنمية في جدة - لمتابعة العمل الخارجي لبيت الزكاة.

ولم تتوقَّف مسيرة الخير، بل تحوَّلت تلك الأزمة إلى مُنطلق جديد لترسيخ دور بيت الزكاة عالمياً، وإثبات قدرة مؤسساته على الصمود في وجه الأزمات.

نقل التجربة الكويتية والمشاركة العالمية

استكمل العجيل مشروع نقل التجربة الكويتية في إدارة الزكاة التي بدأها الدكتور فؤاد العمر مدير عام بيت الزكاة آنذاك، فشارك في المؤتمرات العالمية للزكاة، كما شارك في ورقة عمل مقدمة لاجتماع الخبراء في مجال الزكاة المنعقد في «دكَّار- السنغال» بدعوة من البنك الإسلامي للتنمية عام 2002م، وشارك في جميع ندوات الزكاة المعاصرة التي نظَّمها بيت الزكاة منذ عام 1988م، والتي تجاوز عددها 22 ندوة، إضافة إلى 7 مؤتمرات، بالشراكة مع البنك الإسلامي للتنمية.

وما تزال بصمته حاضرة في كل تطور شهده بيت الزكاة؛ سواء في مجالات الاستثمار أو التنظيم الإداري أو توثيق سِيَر المحسنين، وتبقى رؤيته الثاقبة وشغفه الدائم بالتطوير مصدر إلهام لأجيال جديدة تسعى لمواصلة المسيرة في خدمة فريضة الزكاة والعمل الخيري، مستمدة من سيرته العطرة الإيمان، ومن منهجه الإتقان، ومن تجربته الثبات والرقي.

التميز المؤسسي والجوائز والإسهامات العالمية

حقَّق بيت الزكاة الكويتي خلال قيادته قفزات نوعية في الأداء والجودة، وحصد بفضل الله ثم بفضل سياساته عدداً من الجوائز المرموقة على مستوى العالم العربي والإسلامي؛ فقد نال البيت «جائزة جابر للجودة» عام 2008م، و «جائزة البحرين للعمل الإنساني»، و «جائزة سمو الشيخ سالم العلي الصباح للمعلوماتية»، كأفضل موقع إلكتروني حكومي، و «الجائزة العربية للمحتوى الإلكتروني»، كما تصدَّر «مؤشر مدركات الإصلاح»، محققاً المركز الأول بين 47 مؤسسة حكومية، كما حصل بيت الزكاة على عدة شهادات؛ منها: «الآيزو في الجودة الإدارية»، و «أمن وسرية المعلومات»، و «سلامة الأغذية»، ما يعكس التزامه بمعايير عالمية في العمل المؤسسي.

وبلغ عدد الأسر المستفيدة من مساعداته أكثر من 120 ألف أسرة داخل الكويت، إلى جانب مئات الآلاف من المستفيدين في الخارج، ونفَّذ مشاريع في التعليم والصحة والمياه والإغاثة، إضافة إلى كفالة آلاف الأيتام والطلبة في مختلف الدول، وكان له دور رئيس في إنشاء المكتب الكويتي للمشروعات الخيرية بالقاهرة، الذي أصبح نموذجاً للعلاقات الأخوية بين الكويت ومصر، إلى جانب مساهمته في إنشاء مكاتب خارجية في السنغال والبحرين، وكذلك أشرف على مشروع تبرّع سمو الشيخ سالم العلي السالم الصباح بقيمة 140 مليون دينار كويتي، والمُخصَّص لفكِّ كُرَب المدينين والغارمين والأُسَر ذات الدخل المنخفض، وكذلك مشروع مركز شيخان الفارسي، وشريفة العوضي الصحي بالكويت، وتم ترشيحه شخصياً لجائزة الملك فيصل العالمية.

التصنيفات:

→ العودة إلى تصنيف «أعلام العمل الخيري رجال»