أعلام العمل الخيري رجال
سليمان ناصر مرزوق الشطي

المولد والنشأة
وُلِد الدكتور سليمان ناصر مرزوق الشطي في ٧/٨/١٩٥٤م ونشأفي بيئة أصيلة متمسكة بالقيم الإسلامية، وفي كنف أسرة كويتية محافظة، غرست فيه قيماً سامية رافقت في مسيرته العلمية والعملية.
عاش طفولته متنقلاً بين مناطقها التعليمية المختلفة، وكانت بداية دراسته في «مدرسة الأحمدية الابتدائية»، ثم في «المدرسة المباركية المتوسطة»، ومع بداية السبعينيات انتقل مع أسرته إلى منطقة «الصليبيخات» حيث أكمل المرحلة الثانوية هناك.
ومنذ صغره كان يحمل شغفاً بالعلم، يجمع بين ميوله العلمية والثقافية، وكان ذلك معيناً له في اختيار مساره الدراسي، فقد بدأ دراسته الثانوية في القسم العلمي، ولكن مسيرة حياته حملت له تحولات كبيرة جعلته يتجه إلى مسارات شرعية وأكاديمية مختلفة.
وكان محباً للأنشطة الاجتماعية والدينية، كثير التردد على المساجد والدروس الشرعية، الأمر الذي نمَّى في نفسه حسَّاً بالمسؤولية تجاه مجتمعه، وأكسبه ثقة كبيرة في ذاته وفي قدرته على خدمة وطنه وأمته.
عُرف عن أسرته أنها كانت ملتزمة بالتربية الإسلامية، تشجع أبناءها على التمسك بالأخلاق الفاضلة، وهو ما انعكس بوضوح على شخصيته الهادئة والرصينة، ومنذ أيامه الأولى في المدرسة؛ لُقِّب بين زملائه بالطالب المجتهد الذي يوازن بين الجدية في الدراسة والحرص على الانخراط في أنشطة المجتمع المدرسي والديني، وهذا التوازن بين العلم والدين سيكون السمة الأبرز في مسيرته، إذْ جمع بين التدريس الأكاديمي والعمل الإٍسلامي والخيري.
وقد تأثر سليمان الشطي في نشأته بمرحلة السبعينيات التي شهدت انفتاح الكويت على التعليم الحديث، مع احتفاظها في الوقت ذاته بجذورها الدينية والاجتماعية، وكانت الكويت آنذاك بيئة خصبة لغرس روح العطاء في أبنائها، فقد عُرفت الدولة بدعمها للمشاريع الإنسانية والإغاثية منذ بداياتها، ومع انتقاله إلى مرحلة الشباب، بدأ يشعر بالمسؤولية وضرورة الدوْر الفاعل في المجتمع، والذي من الواجب أن يتعدى من الذات والأسرة إلى خدمة الناس داخل الكويت وخارجها.
التعليم
بدأ الدكتور سليمان الشطي مساره الأكاديمي في الكويت، حيث تخرج من الثانوية العامة في القسم العلمي، ثم التحق بدار المعلمين وتخصص في تدريس الرياضيات والعلوم، ليعمل بعد تخرجه مدرساً في المرحلة الابتدائية لمدة أربع سنوات، إلا أن هذا المسار العلمي لم يكن نهاية المطاف، فقد جاءت نقطة التحول حين انضم مع مجموعة من زملائه المتحمسين إلى رحلة علمية نحو المملكة العربية السعودية لاستكمال الدراسات الشرعية، فالتحق بجامعة «الإمام محمد بن سعود الإسلامية» في كلية أصول الدين بالرياض، وهناك وجد ضالته في دراسة العلوم الشرعية، فانتقل من المجال العلمي البحت إلى المجال الشرعي والأدبي، جامعاً بين خبرته السابقة وحماسه الجديد، واستمرت رحلته أربع سنوات تخرج خلالها في تخصص أصول الدين، ثم عاد ليواصل خدمته في سلك التدريس.
ثم واصل دراساته العليا، فحصل على بعثة من وزارة التربية إلى جامعة «الإمام محمد بن سعود» في فرعها بالمدينة المنورة، فالتحق بالمعهد العالي للدعوة ونال درجة الماجستير في الدعوة والاحتساب عام 1986م، وكانت هذه المرحلة من أجمل سنوات حياته كما يصفها، إذ عاش في المدينة المنورة مع أسرته ثلاث سنوات حافلة بالعلم والتجارب الإيمانية.
ومع بداية التسعينيات وبعد تجربة مريرة مع الغزو العراقي، عاود مساعيه لإكمال دراسته العليا، ففُتحت أمامه الفرصة عبر «الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب»، فتقدم لمتابعة دراسته من جديد في جامعة الإمام بالرياض، وحصل على الدكتوراه في الدعوة والثقافة الإسلامية بعد خمس سنوات من الجهد والكفاح.
لقد كان طلب العلم بالنسبة له رسالة أوسع لخدمة أبناء وطنه، لذا التحق بالهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب في كلية التربية الأساسية- قسم الدراسات الإسلامية، وتدرج فيها حتى وصل إلى درجة أستاذ مشارك، وهذا الإنجاز العلمي عكس إصراره على أن يجمع بين كونه مربياً للأجيال وناشراً للعلم الشرعي، الأمر الذي جعله قدوة لكثير من طلابه وزملائه.
حياته العملية
بدأ الدكتور سليمان الشطي حياته العملية مدرساً للرياضيات والعلوم في المدارس الابتدائية بالكويت، قبل أن يتوجه إلى مجال الدراسات الإسلامية والدعوة، وانتقاله من العلوم الطبيعية إلى العلوم الشرعية كان استكمالاً لرحلة بحث عن رسالة أعمق، وبعد عودته من الرياض حاملاً شهادته الجامعية واصل التدريس في المرحلة الثانوية، لينقل علمه الشرعي وخبرته الأكاديمية إلى الأجيال الصاعدة.
ومسيرته العملية لم تتوقف عند حدود التدريس المدرسي، إذ انتقل إلى العمل في الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب، وهناك ساهم في تأسيس جيل من الطلبة المتخصصين في الدراسات الإسلامية، وعُرف عنه الالتزام والانضباط في عمله، وقد تدرج في المناصب الأكاديمية حتى نال درجة أستاذ مشارك في كلية التربية الأساسية، ما يعكس جهده الدؤوب في البحث العلمي والإنجاز الأكاديمي.
وكان أيضاً إماماً وخطيباً في أحد مساجد الكويت، ومأذوناً شرعياً، وهو الدور الذي جعله قريباً من الناس وهمومهم، ونافذة للتواصل المباشر مع المجتمع، ومن على منبر المسجد كان يحث المصلين على قيَم الخير والتكافل، وكان هذا المنبر أحد الأبواب التي انطلقت منها مشاريعه الخيرية، وكانت خطبه عبارة عن دعوات عملية للتكافل الاجتماعي والمساهمة في المشاريع الإنسانية، وإلى جانب ذلك كان له دور بارز في تطوير التعاون بين المؤسسات التعليمية والأنشطة المجتمعية، فقد كان دائماً يرى أن الجامعة والمدرسة ليستا بمعزل عن المجتمع، بل هما شريكتان في نهضته وإصلاحه، ولم يثْنِه عمله الأكاديمي عن المشاركة في الأنشطة الاجتماعية والتطوعية، بل زاده قناعة بأن العلم يجب أن يقترن بالعمل الصالح، وأن المثقف الحقيقي هو الذي يجعل من علمه جسراً لخدمة الآخرين.
وهكذا عُرف في حياته العملية بقدرته على الجمع بين الانضباط والروح الإنسانية، وبين التدريس في القاعات الدراسية والوقوف على المنابر، وبين إدارة المشاريع العلمية والانخراط في الأنشطة الميدانية، وهذا التوازن جعله شخصية متعددة الأبعاد، يصعب حصرها في مجال واحد، فهو المربي والخطيب والباحث ورجل العمل العام والمأذون الشرعي ورائد العمل الخيري.
الجانب التطوعي والخيري في حياته
ارتبط اسم الدكتور سليمان الشطي بالعمل الخيري ارتباطاً وثيقاً، حتى أصبح أحد رواده في الكويت، وكانت البداية عام 2004م حين عرض عليه أحد المصلين في مسجده أن يبني مسجداً عن والدته، فتكفل بالمهمة وسافر إلى بنغلاديش ليشرف بنفسه على المشروع، ولم يكن المسجد مجرد بناء حجارة بالنسبة له؛ بل كان بداية لمسيرة طويلة امتدت عبر قارات العالم، فافتتح المسجد الأول، ثم توالت المشاريع في بنغلاديش حتى تجاوزت 150 مسجداً، إضافة إلى مدارس ومراكز إسلامية متكاملة تضم مساجد ودور أيتام وآبار ومستوصفات.
ولم يتوقف عطاؤه عند بنغلاديش، بل امتد إلى الفلبين، حيث ركَّز على بناء المساجد للمهتدين الجدد، ليكون لهم مأوى يحفظ إيمانهم ويجمعهم على طاعة الله، ثم توسعت جهوده لتشمل إندونيسيا، حيث أنشأ مع شركائه أكثر من 150 مشروعاً بين مساجد ومدارس ومراكز إسلامية، بالتعاون مع رابطة الدعاة الإندونيسيين، وانتقل بعدها إلى موريتانيا، حيث كانت معاناتهم مع شح المياه دافعاً له لتنفيذ مشروعات آبار ارتوازية مزودة بمضخات وخزانات تعمل بالطاقة الشمسية، موصلة المياه إلى مئات البيوت، لتغير حياة القرى كاملة، ثم دخل إلى بِنين في غرب إفريقيا، حيث جمع بين بناء المساجد وحفر الآبار في كل مشروع، ليؤمِّن للناس بيوتاً للعبادة ومصادر دائمة للماء.
وتوسعت جهوده لاحقاً مع اندلاع الثورة السورية، فأطلق مع عائلته حملة «البنيان» التي انطلقت من الأردن لتغيث اللاجئين السوريين، وكانت البداية يسيرة مع جمع تبرعات من الأقارب، لكن سرعان ما تحولت الحملة إلى عمل مُنظم نفَّذ أكثر من 100 حملة إغاثية في الأردن ولبنان وتركيا، وامتَّدت إلى أوروبا ومصر لمساعدة اللاجئين السوريين أينما كانوا.
وقدمت الحملة المساعدات الغذائية والطبية والملابس والبطانيات، ثم تطورت لتشمل مشاريع تنموية؛ مثل المدارس والمستشفيات والمشاغل المهنية، وتُوِّجت هذه الجهود بتأسيس «جمعية البنيان للتنمية المجتمعية»، لتكون مظلة رسمية تنظِّم وتدير هذه الأنشطة الخيرية، ويؤكد الدكتور سليمان أن سر نجاح هذه الأعمال يكمن في تعاون المتبرعين ورواد العمل التطوعي، وفي الثقة التي يحظى بها العمل الخيري الكويتي محلياً ودولياً.
لقد عايش الصعوبات بنفسه؛ من السفر عبر طرق وعرة وصولاً إلى القرى النائية، وحتى نقل مواد البناء عبر الخيول أو الجرَّارات، لكنه كان يرى في كل ذلك لذة العطاء وبهجة الخدمة.
التأثير والإرث
إن مسيرة الدكتور سليمان ناصر مرزوق الشطي تحمل في طياتها دروساً عميقة عن الجمع بين العلم والعمل، وعن الإصرار على تحويل القيم إلى واقع ملموس، فقد استطاع أن يجسد صورة الأكاديمي الذي لم ينغلق في قاعات الدرس، بل خرج إلى الميدان، يمد يد العون للمحتاجين ويبني جسور الرحمة بين الكويت والعالم، فأعماله في آسيا وإفريقيا والدول العربية شاهدة على أن الخير الكويتي لا يعرف حدوداً، وأن الكويتيين حين يتحركون بدافع الإيمان فإنهم يغيرون حياة شعوب بأكملها.
وقد ترك أثراً كبيراً في طلابه وزملائه، ليس فقط بما علَّمهم من علوم شرعية؛ بل بما ضربه من أمثلة حية في التضحية والبذل، وهو يرى أن العمل الخيري لا يقتصر على إغاثة مؤقتة، بل يجب أن يتطور إلى مشاريع تنموية تترك أثراً مستداماً، لذا ركَّز في السنوات الأخيرة على التعليم والصحة والمشاريع التنموية، إيماناً منه بأن بناء الإنسان هو أعظم صدقة جارية، وكانت مسيرته أيضاً مثال على أن الأسرة شريك أساسي في العمل الخيري، فقد رافقته زوجته وبناته في الحملات والرحلات الكويتية، وأسهمْنَ معه في اختيار اسم «البنيان» من حديث النبي صلى الله عليه وسلم «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً»، ليصبح هذا الاسم عنواناً لمشروع إنساني كبير، كما أنه تعاون مع مؤسسات رسمية وسفارات دولة الكويت في الخارج وجمعيات خيرية، مما يعكس وعيه بأهمية العمل الجماعي والتنسيق المؤسسي.
ورغم المرض الشديد الذي أصابه وأفقد فيه وعيه لسنوات ثم عاد تدريجياً يتعرف على أهله ومَن حوله؛ إلا أنه عاد مرة أخرى يتفقَّد المحتاجين ويسأل عن مشاريع جمعية البنيان الخيرية، ويسافر مع أهله في رحلات خيرية.
إن سيرة الدكتور سليمان الشطي تمثل نموذجاً من نماذج الكويت المضيئة التي رفعت اسم الوطن عالياً في ميادين العطاء، وما زال عطاؤه مستمراً من خلال جمعية البنيان ومشاريعه التعليمية الإسلامية والخيرية، ليؤكد أن طريق الخير ممتد، وأن رسالة الإنسان لا تكتمل إلا بخدمة الآخرين.. لقد خطَّ مسيرة حافلة بالكفاح والعلم والرحمة، وترك إرثاً إنسانياً خالداً، سيبقى نبراساً للأجيال المقبلة في الكويت وخارجها.