أعلام العمل الخيري رجال
هلال مساعد الساير

المولد والنشأة
وُلِد الدكتور هلال مساعد الساير في الخامس عشر من سبتمبر عام 1943م، في أسرة كويتية أصيلة جمعت بين القيم الدينية والروح الوطنية والحرص على التعليم والعمل الصالح، ونشأ منذ طفولته في بيئة تشجِّع على العلم والانفتاح على العالَم، إذ انتقل مع أسرته في سنواته الأولى إلى الهند، حيث كانت هناك جالية كويتية نشطة في مجالات التجارة والتعليم، وعاش طفولته متنقلاً بين المدن الهندية، وبدأ دراسته في مدرسة داخلية بمدينة «بونا» وهو في سن العاشرة، وهي تجربة صقلت شخصيته ومنحته صفة الانضباط وتحمل المسؤولية، وبعد ذلك انتقل إلى «بومباي» حيث أكمل تعليمه حتى المرحلة المتوسطة، وكانت الدراسة هناك باللغة الإنجليزية، غير أن أسرته حرصت على ألَّا يفقد ارتباطه بلغته وثقافته العربية، فوفرت له مع إخوته معلماً خاصاً للغة العربية في عطلة نهاية الأسبوع، إضافة إلى التحاقه بمدرسة عربية أنشأتها دائرة المعارف الكويتية لأبناء الجالية، وهذه المزاوجة بين التعليم العصري والحفاظ على الهوية تركت أثراً عميقاً في وعيه وشخصيته.
وفي مرحلة الشباب انتقلت الأسرة إلى القاهرة، وفيها التحق بمدرسة «فيكتوريا» في منطقة «المعادي»، وهي بيئة تعليمية جمعت بين الصرامة الأكاديمية والانفتاح الثقافي، فأنهى فيها المرحلة الثانوية. وقد جعلته تنقلاته بين الكويت والهند ومصر يعيش تجارب ثقافية عديدة، أكسبته قدرة فريدة على التكيف وفهم التنوع الإنساني، مع تمسكه بقيمه الوطنية والإنسانية، ومنذ صغره، عُرف بحبِّه للتعلم واهتمامه بخدمة الآخرين، وكانت ملامح القيادة والتفوق تبرز في سلوكه بين أقرانه، فلقد كانت نشأته مزيجاً من الأصالة الكويتية والانفتاح على الثقافات، وهو ما شكَّل أساساً لمسيرته العلمية والمهنية والإنسانية اللاحقة.
التعليم
انطلق الدكتور هلال الساير في رحلته الأكاديمية بدراسة الطب في جامعة القاهرة، وحصل عام 1971م على بكالوريوس الطب والجراحة من «كلية القصر العيني»، إحدى كليات الطب في العالم العربي، وقد اختار الطب بدافع إنساني قبل أن يكون خياراً مهنياً، إذ كان يؤمن بأن مهنة الطب رسالة قبل أن تكون عملاً، وبعد تخرجه بدأ خطواته نحو التخصص الدقيق بالسفر إلى المملكة المتحدة، فحصل عام 1975م على درجة الدكتوراه في الطب من لندن.
وواصل دراساته العليا في مجال الجراحة، فنال عضوية «كلية الجراحين الملكية» في «إدنبره» عام 1978م، وهو إنجاز أكاديمي مرموق، ثم حصل على درجة الماجستير في الجراحة من جامعة «أبردين» بأسكتلندا عام 1983م، وفي عام 1988م منحته الكلية الملكية للأطباء والجراحين في «جلاسكو» دبلوم الزمالة بمرتبة الشرف، وهو تقدير علمي رفيع يؤكد تميزه في مجاله.
ولم يتوقف عند ذلك، ففي عام 2001م نال عضوية «الكلية الأمريكية للجراحين (FACS)»، ليصبح اسمه مسجلاً بين كبار الجراحين على مستوى العالم، كما منحته «جامعة دندي» في أسكتلندا عام 2016م الدكتوراه الفخرية في القانون الدولي تقديراً لدوره الإنساني ومساهماته في تطوير الرعاية الصحية والعمل الخيري.
هذه المسيرة التعليمية المشرِّفة لم تكن مجرد شهادات، بل كانت محطات صقل فيها مهاراته الطبية والبحثية، وأتاحت له الاطلاع على أحدث ما وصل إليه الطب الحديث، ليعود إلى الكويت مزوداً بالعلم والخبرة والرؤية الإصلاحية التي ساهمت في نهضة القطاع الصحي والإنساني في البلاد.
حياته العملية
بدأ الدكتور هلال الساير حياته العملية فور تخرجه في وزارة الصحة الكويتية عام 1972م، فقد عمل طبيباً ثم جراحاً، وتدرج في المناصب حتى أصبح رئيس قسم الجراحة في المستشفى الأميري بين عامي 1984 و2006م، وكان له دور محوري في تحديث الخدمات الجراحية وتطوير الكوادر الطبية، ووضع معايير جديدة للجودة في الأداء الطبي.
وبعد الغزو العراقي للكويت عام 1990م، أُسندت إليه مهمة إعادة بناء كلية الطب التي تعرضت لأضرار كبيرة، فشغل منصب عميد الكلية بين عامي 1991 و1994م، وتمكن من إعادة انتظام الدراسة عبر توزيع الطلبة على جامعات خليجية وأجنبية، كما نجح في إقناع «جامعة جلاسكو» بقبول عشرة طلاب كويتيين في عامهم الدراسي النهائي، في خطوة غير مسبوقة على مستوى كليات الطب العالمية.
وعمل أيضاً أستاذاً زائراً في «جامعة أبردين» بين عامي 1994 و1999م، وكان له نشاط بحثي وأكاديمي ملحوظ، وفي عام 2009م تولى منصب وزير الصحة حتى عام 2011م، وأطلق مشاريع لتطوير البنية التحتية الصحية، وتحسين الخدمات في المستشفيات والمراكز الطبية، ووضع خطط لتأهيل الكوادر الوطنية في المجال الصحي.
وإلى جانب عمله الرسمي؛ شغل منذ عام 2013م منصب رئيس مجلس أمناء «معهد دسمان للسكري»، وهي مؤسسة بحثية وعلاجية رائدة في مجال مكافحة مرض السكري، وعمل على تعزيز أبحاثه وبرامجه التوعوية.
هذه المسيرة المهنية المتنوعة جعلته يجمع بين الخبرة الأكاديمية والإدارية والممارسة العملية الميدانية، مما أهَّله ليكون من أبرز الشخصيات الطبية في الكويت والمنطقة.
الجانب التطوعي والخيري
ارتبط اسم الدكتور هلال الساير بالعمل الإنساني والتطوعي على نحو وثيق، ففي عام 1989م أسَّس مع زوجته السيدة مارجريت الساير «الجمعية الكويتية لرعاية الأطفال في المستشفيات (KACCH)» بعد تجربة إنسانية مؤثرة مع طفل مريض بالسرطان يُدعى عبد الله مهلهل المضف، وبدأت الفكرة بمبادرات بسيطة لإدخال الألعاب والأنشطة الترفيهية إلى أقسام الأطفال في المستشفيات، ثم تطورت إلى إدخال تخصص «أخصائي حياة الطفل» إلى الكويت، وهو تخصص يهيّئ الطفل نفسياً قبل الإجراءات الطبية ويخفف من آلامه النفسية.
ومن هذه المبادرة الإنسانية وُلد مشروع «بيت عبد الله»، الذي افتتح عام 2012م كمستشفى متكامل للرعاية التلطيفية للأطفال المصابين بأمراض مستعصية، وتميز المستشفى بتصميمه المعماري المبتكر الذي أنجزته المهندسة الكويتية علياء الغنيم، وحصد جوائز عالمية في التصميم الداخلي والإبداع الإنساني، ويقدم المستشفى خدمات منزلية للأطفال، وإقامة مؤقتة، وأنشطة ترفيهية، ودعماً نفسياً واجتماعياً للأسر، مما جعله نموذجاً عالمياً فريداً في مجاله.
كما أدَّى الساير دوراً بارزاً في «جمعية الهلال الأحمر الكويتي»، إذ كان عضواً بمجلس إدارتها عام 2002م، ثم نائباً للرئيس بين 2003 و2014م، قبل أن يتولى رئاستها عام 2014م حتى نهاية عام 2024م، وخلال قيادته نفذت الجمعية مشاريع إغاثية في مناطق منكوبة حول العالم، من إندونيسيا بعد تسونامي 2004، إلى مساعدة اللاجئين السوريين واليمنيين، وتقديم الدعم للبنان بعد انفجار مرفأ بيروت، فضلاً عن برامج مساعدة الأسر المتعففة داخل الكويت.
إسهاماته الدولية والجوائز
إلى جانب عمله الوطني؛ كان الدكتور الساير صوتاً مؤثراً في المحافل الدولية، فقد شارك في صياغة السياسات الإغاثية العالمية من خلال عضويته في الفريق الاستشاري المشرف على صندوق الأمم المتحدة المركزي لمواجهة الطوارئ (CERF) عام 2016م، كما أقام شراكات مع جمعيات الهلال الأحمر والصليب الأحمر في مختلف الدول، وشارك في مؤتمرات إنسانية عالمية لتعزيز التعاون الدولي في مجالات الإغاثة والصحة، وهو عضو اللجنة الدائمة للهلال والصليب الأحمر الدولي لتمثيل دولة الكويت، إذْ يتم انتخاب 5 أعضاء من 192 جمعية وطنية في العالم، ليؤكد بأن دولة الكويت مركزاً عالمياً للعمل الإنساني.
وحصدت مشاريعه الإنسانية والطبية جوائز عالمية؛ أبرزها:
جائزة عالمية في التصميم الداخلي عن «بيت عبد الله».
جائزة تكريم في دبي لفئة الإبداع.
جوائز تقديرية من وزارة الشؤون الاجتماعية في الكويت.
إشادات من منظمات دولية لابتكاره أساليب جديدة في رعاية الأطفال المصابين بأمراض مستعصية، ودمج الدعم النفسي والاجتماعي بالرعاية الطبية.
حصل على الدكتوراه الفخرية من جامعة داندي في أسكتلندا.
تمت تسميته العمدة الفخرية لمدينة لويزيانا من عمدة باتنروج عندما شارك في إغاثة إعصار كاترينا في مدينة «نيو أورلينز» بالولايات المتحدة الأمريكية.
وقد أسهمت جهوده في ترسيخ صورة الكويت كمركز عالمي للعمل الإنساني، وعززت سمعتها كدولة سبَّاقة في الإغاثة والتضامن الإنساني.
وتظل مساهماته شاهدة على أن العمل الخيري يمكن أن يكون مؤسسياً ومستداماً وذائعاً على مستوى العالم كله؛ إذا اقترن برؤية واضحة وإدارة فاعلة.
الإرث والرسالة
يمثل الدكتور هلال الساير نموذجاً متكاملاً للطبيب المبدع والقائد الإداري والإنساني المتفاني، فقد جمع في مسيرته بين التفوق العلمي والممارسة الطبية المتميزة والإدارة الناجحة للمؤسسات الصحية والعمل الإنساني المؤسسي، ورسالته كانت دائماً أن المريض -وخاصة الطفل- يحتاج إلى بيئة علاجية إنسانية بقدر ما يحتاج إلى العلاج الطبي.
وأعماله مثل «بيت عبد الله» و «الجمعية الكويتية لرعاية الأطفال في المستشفيات» و «جمعية الهلال الأحمر الكويتي»؛ أسَّست لنموذج رائد في الجمع بين الرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي، وجعلت من الكويت مصدر إلهام عالمي في العمل الإنساني.
وقد ترك بصمة واضحة في تطوير التعليم الطبي، وبناء مؤسسات خيرية مستدامة، وتعزيز التعاون الدولي في الإغاثة والصحة.
إن إرث الدكتور هلال الساير الإنساني والعلمي سيظل مصدر فخر للكويت، ونموذجاً للأجيال القادمة في كيفية الجمع بين التميز المهني وخدمة المجتمع، وفي أن النجاح الحقيقي يقاس بمدى الأثر الإيجابي الذي يتركه الإنسان في حياة الآخرين.