أعلام العمل الخيري رجال
مطلق راشد القراوي العازمي

المولد والنشأة
وُلِد الدكتور مطلق راشد القراوي العازمي عام 1953م في حي «الوسط» بمدينة الكويت، وترعرع في كنَف أسرة كويتية محافِظة غرَست فيه حب الدين والعمل العام منذ نعومة أظفاره، وانتقلت أسرته في عام 1957م إلى منطقة «الدسمة»، وهناك استقرَّت جذور نشأته، حيث عاش جُلَّ مراحل طفولته وصباه، وحمَل القراوي في قلبه قيَم الجيل الكويتي الأول بعد الاستقلال، جيل عاش على البساطة والتحمُّل، وتأثَّر بتقاليد المجتمع الكويتي وتاريخه البحري والتجاري والديني، وفي منطقة «الدسمة»، حفظ القيَم الأصيلة التي شكَّلت وعيه، بدءاً من احترام الكبير، وحب الوطن، والاعتزاز بالدين، وصولاَ إلى التمسُّك بالوسطية في التعامل مع الناس، ومنذ سنواته الأولى، برزَت فيه سِمات القيادة والحكمة، وكان ملتزماً بأداء الصلاة في المسجد، وحريصاً على مرافقة الصُحبة الصالحة، متأثراً بوالده وأجداده الذين رسَّخوا في نفسه أهمية الدين كسلوك يومي، وليس فقط كعبادة.
وقد انعكست هذه النشأة الإيمانية على سلوك الدكتور القراوي طوال مسيرته، فكان باراً بأسرته، حريصاً على خدمة من حوله، مهتماً بالشأن العام منذ الصغر، وكانت طفولته في «الدسمة»، بكل ما فيها من محبة وبساطة وأُلفة، دافعاً له للانخراط في العمل الحكومي، ثم الخيري والإنساني على المستويين المحلي والعالمي. وبهذا التكوين العائلي والبيئي المتِّزِن؛ تهيَّأَت له مقوِّمات الريادة ليكون من أبرز روَّاد العمل الإسلامي والإنساني في الكويت وخارجها.
التعليم
بدأ الدكتور القراوي مشواره التعليمي في مدارس الكويت الحكومية، متنقلاً بين مدارس «الرشيد» و «فلسطين» و «الجاحظ»، حيث أتم مراحل التعليم العام في منطقة «الدسمة»، وكان طالباً مجتهداً حريصاً على الجمْع بين التحصيل العلمي والتهذيب السلوكي، وأكمل دراسته الجامعية في مجال إدارة الأعمال بجامعة بيروت العربية، وحصل على درجة البكالوريوس، ليبدأ مسيرته المهنية في وزارة الأشغال، قبل أن تقوده قناعاته الدينية وتطلعاته لخدمة الأمة إلى الانتقال إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. رغبة الدكتور القراوي في الجمْع بين الإدارة والدعوة الإسلامية؛ دفعتْهُ لاستكمال دراساته العليا،فحصل على درجة الماجستير في الدراسات الإسلامية، ثم نال درجة الدكتوراه عام 2008م من «جامعة كراتشي»، برسالة متميزة تناولت موضوع «الإدارة الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة»، قدَّم من خلالها نماذج لتجارب مؤسسات إسلامية اعتمدت القيَم والسلوكيات الإسلامية في تعاملها مع الجمهور، وكان هذا الإنجاز العلمي إضافة حقيقية لمخزونه الفكري والمهني، وأداة قوية في رسم منهجيَّته في العمل الإسلامي، خصوصاً في قطاع العلاقات الخارجية والدعوة الدولية.
جمَع الدكتور القراوي بين المعرفة الشرعية والمنهج الإداري الحديث، مما أهَّله لأن يكون قيادياً ناجحاً في وزارة الأوقاف، ومفكراً إسلامياً مؤثراً في مسيرة الدعوة والعمل الإنساني، ليس فقط من خلال المناصب التي تقلَّدها؛ بل أيضاً عبر مؤلفاته ومشاركاته في المؤتمرات، وحضوره الفاعل في المراكز والجامعات حول العالم.
الحياة العملية
امتدَّت مسيرة الدكتور مطلق القراوي المهنية لأكثر من ثلاثة عقود، تنقَّل خلالها في عدة مناصب قيادية في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، حيث بدأ عمله في وزارة الأشغال، قبل أن ينتقل إلى وزارة الأوقاف، بدافع رغبته في خدمة الإسلام عبر مؤسسة حكومية تُعنى بشؤون الدين والمجتمع، وتولَّى خلال مسيرته في الوزارة الإشراف على قطاعات رئيسية؛ كان أولها قطاع المساجد الذي خدم فيه نحو خمس سنوات، ثم قطاع الدراسات الإسلامية وتعليم القرآن الكريم، وآخراً قطاع العلاقات الخارجية وشؤون الحج، وترك أثراً بارزاً في تعزيز الدور العالمي للكويت في خدمة الإسلام والمسلمين.
كما شغل لفترة بالتكليف قطاع الثقافة الإسلامية، وحرص خلال تولِّيه جميع هذه القطاعات على تطوير الأداء المؤسسي، وتوسيع نطاق عمل الوزارة؛ ليشمل الجوانب الاجتماعية والفكرية والثقافية، وليس فقط المساجد أو الشؤون التقليدية، وقاد العديد من المبادرات الرائدة؛ مثل: عقْد مؤتمرات دولية عن الوسطية والاعتدال، وتنظيم فعاليات اجتماعية ترتكز على القيَم الإسلامية كملتقى النظافة، في بادرة جمَعت بين الدين والسلوك المجتمعي.
ومع ازدياد المخاطر الفكرية بعد الغزو العراقي للكويت؛ سعى الدكتور القراوي إلى تفعيل الوزارة كمصدر للأمن المجتمعي، تعمل على بث القيَم والوعي بين المسلمين وغير المسلمين على حد سواء، وبدعم مباشر من صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح رحمه الله؛ شاركَ في تأسيس «مركز الوسطية العالمي» بالكويت، ونظَّم مؤتمرات عالمية في بريطانيا وأمريكا لتعزيز الفكر الوسطي ومواجهة التطرف.
تقاعد من وزارة الأوقاف عام 2013م بعد مسيرة مهنية حافلة، ليواصل بعد ذلك جهوده خارج الإطار الرسمي، عبر العمل مع المنظمات الإسلامية العالمية والمراكز الدعوية في أوروبا وآسيا.
الجانب التطوعي والخيري
كان للدكتور القراوي حضور واسع في المشهد الخيري والتطوعي داخل الكويت وخارجها؛ سواء من خلال عضويته في جمعيات ومبرات خيرية كويتية ومؤسسات إنسانية وتطوعية عالمية بارزة، أو مبادراته الشخصية في دعم الجاليات الإسلامية، والمراكز الثقافية والدعوية.
وبعد تقاعده من العمل الرسمي، استثمر خبراته وعلاقاته الواسعة في مواصلة العمل الخيري بشكل تطوعي، فظل عضواً نشطاً في مجالس أمناء عدة جامعات إسلامية حول العالم؛ منها: «جامعة فطاني» في تايلاند، و «جامعة إفريقيا العالمية» في السودان، بل أصبح مستشاراً خاصاً لرؤسائها.
وتولَّى رئاسة «الوقف الإسلامي» في هولندا، وأشرف على مشاريع نوعية؛ مثل: «مركز الوسطيَّة» و «مسجد الكويت الأزرق» في أمستردام، و «مركز شيفيلد» في بريطانيا، الذي تأسس برؤية شمولية تجمع بين العبادة والثقافة والخدمة المجتمعية، كما دعم مركزاً تعليمياً في بانكوك يخدم آلاف الطلبة المسلمين ويؤثِّر في المحيط التايلندي من خلال التعليم والقيَم.
ولم يقتصر نشاطه على الدعم المادي، بل كان حاضراً في المؤتمرات، متفاعلاً مع المؤسسات، مُبادراً في المتابعة والتوجيه، وساهم في تأسيس مراكز وسطية في كلٍ من: روسيا، والبوسنة، وماليزيا، وبريطانيا، والأردن، وغيرها، وحرص على أن يكون فكر الاعتدال حاضناً للناشئة في وجه التطرف والغلو، مما جعله شخصية فاعلة في صناعة خطاب إسلامي عالمي معتدل.
كما شارك بعضوية مجلس إدارة الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية وكان أميناً للسر فيها، ورابطة الأدب الإسلامي العالمية، وأسهم في تنظيم الصالونات الأدبية والمجلات الثقافية المرتبطة بوزارة الأوقاف، ليؤكد أن العمل الخيري لا يقتصر على الإغاثة، بل يشمل بناء الفكر، وإرساء السلام، وتعزيز هوية المسلم.
كما كان رحمه الله عضواً مؤسِّساً لــ «مبرة العوازم الخيرية» و «جمعية المنابر القرآنية»، إذْ دأبَ على تشجيع إنشاء وتكوين المؤسسات الخيرية والتطوعية، وكان يستقبل في ديوانه الأسبوعي الناشطين في العمل الخيري، وزوَّار دولة الكويت من رؤساء ووفود المؤسسات الخيرية من مختلف دول العالم.
المؤلفات والأنشطة الفكرية
عُرِف الدكتور مطلق القراوي بكتاباته التي تمزج بين البُعد الشرعي، والرؤية الاجتماعية، والفكر الإسلامي المعاصر، وله عمود صحفي منتظم في صحيفة الأنباء الكويتية، كما نُشِرت له مقالات في مجلات متخصِّصة؛ مثل: «مجلة العالمية»، و «واجهة الأوقاف»، تناول فيها موضوعات تتعلَّق بالإسلام والوسطية والعمل الخيري والإدارة.
وله مؤلفات مؤثِّرة؛ من أبرزها: «سلسلة درر الإسلام في نشر السلام»، والتي جاءت نتاجاً لتجارب ميدانية ومعايشة واقعية لواقع الدعوة الإسلامية في العالم، كما يروي في بعض مؤلفاته القصص الإنسانية التي صادفها في مسيرته، خاصة أثناء عمله في دعم الجاليات الإسلامية في أوروبا وآسيا، مما أضفى على نتاجه طابعاً توثيقياً تربوياً وإنسانياً في آنٍ معاً.
وإلى جانب نتاجه الكتابي؛ ساهم القراوي في البرامج الفكرية من خلال مشاركته في المؤتمرات والندوات، وعمل مستشاراً غير متفرغ لعدد من المؤسسات، كما كان نائباً لرئيس مركز الحوار والوسطية في البوسنة، وعضواً في الهيئة العالمية لوسائل التقنية التابعة لرابطة العالم الإسلامي، وشارك في تطوير التطبيقات الدعوية والتعليمية الإسلامية الإلكترونية.
كل هذه الجهود الفكرية والإعلامية جعلته بجانب نجاحه الإداري؛ مفكراً إسلامياً له بصمته في إعادة تشكيل الخطاب الإسلامي الوسطي والعملي، بما يناسب احتياجات المسلمين حول العالم، ويلامس وجدان الإنسان المعاصر، بلغة عقلانية وروحانية متناسقة.
الصفات والمكانة والأثر
يُعد الدكتور مطلق القراوي نموذجاً للرجل الكويتي الذي جمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الالتزام الديني والانفتاح الإنساني، وبين العمل الإداري والفكر الدعوي، وقد عُرِف عنه التواضع والبساطة وروح المبادرة، والقدرة على بناء الجسور مع الآخر، سواء في الإطار الإسلامي أو العالمي، وكانت له شبكة علاقات واسعة مع مؤسسات دينية وأكاديمية وثقافية في الشرق والغرب، ومع ذلك ظل وفياً لأبناء بلده، قريباً من همومهم، حريصاً على النهوض بمجتمعه.
ترك أثراً ملموساً في كل موقع شغَله؛ سواء من خلال تطوير القطاعات في وزارة الأوقاف، أو تأسيس المراكز الإسلامية حول العالم، أو من خلال تفاعله في الجمعيات والمؤتمرات، أو حتى بمجرد حضوره في المجالس والندوات، ولم يكن منصبه غاية بحد ذاته، بل وسيلة لخدمة دينه ووطنه وأمته. وكان من أبرز ما يميِّزه إيمانه بأن العمل الخيري ليس صدقة مالية فقط، بل رؤية متكاملة تشمل الفكر والعلم والتعليم والقيم والدعوة والإدارة والتنمية، وقد ظل بعد تقاعده أكثر نشاطاً، وأعمق أثراً، وأوسع حضوراً، مستثمراً وقته وعلاقاته وعلمه في دعم مشاريع إنسانية ملهمة.
الوفاة
في الأول من أغسطس عام 2025م، ودَّعَت الكويت أحد أبنائها البررة، فقد انتقل الدكتور مطلق راشد القراوي إلى جوار ربه بعد حياة حافلة بالعطاء والدعوة وخدمة الدين والوطن والإنسانية، وخَلَّف وراءه إرثاً خالداً من المبادرات والمؤسسات والمواقف المشرِّفة، وسيرةً عطرةً يتناقلها محبوه وتلامذته في الداخل والخارج، فرحمه الله رحمة واسعة، وجعل ما قدَّمه في ميزان حسناته، وجزاه عن الكويت وأهلها وعن الأمة خير الجزاء.
لقد عاش الدكتور مطلق القراوي حتى وفاته وفيَّاً لمجتمعه وأسرته وبلده، صادق الانتماء، عميق الإيمان، متفائلاً بمستقبل الكويت كمنارة للخير والعطاء، حاملاً راية الوسطية والاعتدال، ومؤمنًا بأن خير الكويت لا ينضب، لأن أهله يحبون الخير ويصنعونه وينشرونه في كل أرجاء العالم.