أعلام العمل الخيري رجال
محمد طاهر عبدالله محمد الطاهر

على جزيرة فيلكا، حيث كان البحر يدخل في تفاصيل الحياة مثلما يدخل الهواء، وُلد سنة 1887م محمد بن طاهر بن عبدالله اليوسف، الذي اشتهر بين الناس باسم النوخذة محمد الطاهر. كان ينتمي إلى بيت قديم من بيوت الجزيرة، وإلى أسرة عُرفت بالتجارة والسفن والدين والوجاهة، فكبر في بيئة لم يكن البحر فيها مجرد أفق أزرق يحيط بالمكان؛ كان طريقًا إلى الرزق والعالم، ومدرسة لتكوين الرجال.
كان والده طاهر عبدالله اليوسف من ملاك السفن والتجار المعروفين، وصاحب ديوان اشتهر بمجالس العلم والحديث وتعليم الناس أمور الدين، كما بنى سنة 1911م مسجد «آل طاهر» مقابل نقعته في الجزيرة. وفي هذا البيت نشأ محمد؛ بيت يجمع التجارة بالدين، والبحر بالمجلس، والعمل بالكرم. تعلم القراءة والكتابة والقرآن في الكتاتيب وعلى أيدي مشايخ فيلكا، فكان تكوينه امتدادًا طبيعيًا للبيئة التي أحاطت به.
تزوج ورزق أبناء وبنات، ومن أبنائه النوخذة أحمد صاحب حملة الطاهر للحج، ومحمود الذي عمل بالتجارة، وعبدالعزيز الذي عمل في أحد البنوك قبل انتقاله إلى الأعمال الحرة. واستمر الأحفاد من بعده في التجارة والعمل الخيري، في صورة تكشف أن البيت الذي نشأ فيه محمد الطاهر استطاع أن يورث قيمه إلى أجيال لاحقة.
وكان محمد الطاهر واحدًا من وجهاء فيلكا المعروفين بالحكمة وقوة الشخصية. وثقت به الحكومة الكويتية إلى درجة أنها اعتمدت شهادته في التعريف بالسكان الأصليين للجزيرة ممن يتقدمون للحصول على الجنسية وجواز السفر؛ فقد كان توقيعه وختمه شاهدين على معرفة الرجل بأهل المكان وأنسابهم وتاريخ إقامتهم. كما قصده المؤرخ سيف مرزوق الشملان أثناء عمله على توثيق تاريخ الغوص والسفر الشراعي، وعده من كبار نواخذة الغوص في فيلكا.
وكانت شخصيته، كما تنقلها السيرة، تجمع بين الطيبة والهيبة؛ حسن الخلق، قريب من الناس، يسعى في قضاء حاجاتهم والإصلاح بينهم، لكنه قوي الشخصية، شجاع، يحفظ الحقوق ويعرف متى يكون اللين أولى ومتى يحتاج الموقف إلى الحزم.
أما البحر، فكان الميدان الذي تفتحت فيه خبرته مبكرًا. تعلم أصول الملاحة على سفن والده، في الغوص والسفر، ثم توسعت تجارته حتى امتلك عددًا من السفن التي جابت موانئ الخليج وسواحل إفريقيا غربًا والهند شرقًا. وكان من أشهر ما امتلكه بوم السفر «مسليني»، الذي اشتراه من الشيخ مبارك الصباح، كما اشترى بومًا آخر اسمه «سمحان». وكان من أوائل من استخدموا «اللنج» بالمحرك مع بداية الانتقال من السفن الشراعية إلى وسائل النقل البحري الحديثة.
ولم تكن تجارة آل طاهر مقتصرة على امتلاك السفن. كانت لهم نقعة لرسوها، وعمارات لتخزين لوازم السفن ومواد البناء، وشبكة من العلاقات التجارية داخل الكويت وخارجها. ودخل محمد الطاهر في شراكات مع تجار معروفين، من بينهم الطواش نصف العصفور، كما كانت له علاقات تجارية مع عائلة أبا الخيل في المملكة العربية السعودية. وامتلك مساحات زراعية واسعة في منطقة العشار في البصرة، إلى جانب منازل هناك، فتنوع نشاطه بين البحر والزراعة والتجارة.
وعندما انتهى عصر السفر الشراعي في الكويت في منتصف الخمسينيات، لم يبق النوخذة أسيرًا لعالم يتراجع؛ انتقل إلى التجارة البرية، فعمل في العقار والأجهزة الكهربائية المنزلية، وامتلك أرضًا تجارية في منطقة الشويخ الصناعية. لقد استطاع أن يعبر من اقتصاد السفينة والشراع إلى اقتصاد المدينة الحديثة، محتفظًا بروح التاجر القديم وقابلًا في الوقت نفسه بأدوات العصر الجديد.
غير أن النجاح التجاري لم يكن سوى جانب من حياته. فقد تعددت أعمال إحسانه داخل الكويت وخارجها، وكانت عمارة المساجد واحدة من أكثر المجالات حضورًا فيها.
بنى مسجدًا جامعًا في قرية «اختر» على الساحل الشرقي للخليج، في منطقة كان سكانها يعانون الفقر، كما بنى مسجدًا في منطقة الفاو بمحافظة البصرة، وهو المسجد الذي هدم لاحقًا خلال الحرب العراقية الإيرانية. أما في فيلكا فكان له موقف يحمل معنى الوفاء للأب؛ فقد كان مسجد آل طاهر الذي بناه والده سنة 1911م قد تعرض مع الزمن للتلف بسبب مواد البناء القديمة، فهدم محمد الطاهر البناء المتداعي وأعاد تشييده وتوسعته بمواد حديثة في خمسينيات القرن العشرين. لم يكن يبني مسجدًا جديدًا فقط؛ كان يحفظ عمل أبيه من أن يندثر.
وامتدت يداه إلى الفقراء داخل الكويت وخارجها. تعاون مع المحسن أحمد عبدالرحمن الفارسي «النشمي»، الذي اشتهر بجهوده الإغاثية في البلدان الفقيرة، وساهم في دعم أعماله الخارجية في المساجد والآبار ورعاية المحتاجين. ويكشف ذلك أن محمد الطاهر لم يشترط أن يقوم بكل عمل بنفسه؛ كان يعرف قيمة أن يدعم رجلًا يملك الخبرة الميدانية ليصل المال إلى المكان الأكثر حاجة.
ومن الصور المحببة في سيرته اهتمامه بإطعام الصائمين. فقد اعتاد توفير الإفطار طوال شهر رمضان في مسجد الشيخ محمد الخلف السبيعي بمنطقة القادسية، ثم أوصى ابنه عبدالعزيز بأن يستمر هذا العمل بعد وفاته، فحافظ الابن على وصية أبيه. وهكذا تحولت مائدة رمضان من عمل سنوي إلى إرث عائلي.
وكان له أسلوب جميل في إعانة الفقراء يحفظ للإنسان كرامته. قبيل رمضان كان يوزع التمور على البيوت القريبة والأهل والجيران والمحتاجين. وكانت التمور يومئذ ذات قيمة، لكن الأجمل في طريقة تقديمها أنها تأتي في صورة هدية رمضانية، فلا يشعر الفقير أنه وقف في موضع السؤال. وكان يشرف على التوزيع بنفسه، ثم عهد بالمهمة إلى ابنه محمود وابن أخيه يوسف، وكانا يوزعان معها زكاة أمواله على مستحقيها.
أما اجتماعيًا، فقد حمل معه تقاليد فيلكا إلى المدينة. شارك مع إخوته في بناء «كشك الطاهر» على ساحل الجزيرة؛ وهي أكشاك كانت تؤدي دور المجلس المفتوح ومكان اللقاء والراحة. وبعد انتقاله إلى القادسية جعل لديوانه طابعًا دينيًا وعلميًا واضحًا؛ يستقبل المشايخ والعلماء من الكويت وخارجها، وتعقد فيه مجالس تلاوة القرآن والدروس الدينية، خصوصًا في رمضان. وبذلك لم يكن الديوان مجرد مكان للقهوة والضيافة، وإنما مساحة للعلم والتربية والاجتماع.
وكانت مكانته محل تقدير لدى حكام الكويت. وإلى جانب اعتماد الجهات الحكومية لشهادته في شؤون أهل فيلكا، أهداه الشيخ عبدالله السالم الصباح، مع عدد من رجالات الكويت، طقمًا من اللؤلؤ تقديرًا لما قدموه من أعمال في خدمة الوطن والمواطنين.
ظل محمد الطاهر على صلته بالناس وأعمال الخير حتى أواخر حياته، إلى أن توفي في منزله بمنطقة القادسية في 13 يناير 1980م.
لقد عاش زمنين مختلفين: زمن الشراع والنقعة والنوخذة، وزمن العقار والمصانع والأجهزة الحديثة. وعبر من الأول إلى الثاني من دون أن يفقد القيم التي حملها من جزيرته. ولذلك لا تختصر سيرته في أنه كان تاجرًا أو نوخذة كبيرًا؛ بل في أنه عرف كيف تتحول خبرة البحر إلى حكمة، والثروة إلى معروف، والديوان إلى مجلس علم، والمسجد الذي بناه الأب إلى أمانة يحفظها الابن.
المرجع:
كتاب محسنون من بلدي الجزء 14 د. عبدالمحسن الجار الله الخرافي