محسنون
محمد بن عمر بن سلطان الدرباس
المولد والنشأة:

والده عمر بن سلطان الدرباس من المحسنين الكرام الذين أفردنا لهم صفحات في الأجزاء السابقة من هذه السلسلة، ووالدته هيا عثمان العنجري، وهكذا نشأ محمد عمر بن درباس في هذه البيئة الكريمة والدوحة المباركة، وتربى في كنفها على الإحسان وكريم الأخلاق، وكان أكبر أبناء أبيه.
أوجه الإحسان في حياته
إذا كان المحسن محمد بن عمر آل درباس - رحمه الله - قد ورث عن أبيه وعائلته حب البحر والتجارة، فلا غرابة أن يرث عنهم كذلك الجود والكرم والسخاء، ولعل الكرم كان فيه سجية طبيعية وخصلة راسخة غير متكلفة، فقد كان الخير ينساب من بين يديه - رحمه الله - كما ينساب الماء الفرات في الجدول بلا نتوء ولا أعشاب ولا عقبات.. فكان يرجو رحمة الله من خلال أوجه الإحسان التي قدمها في حياته واستمرت بفضل الله بعد مماته.
قاضي الفريج:
رزق الله تعالى المحسن محمد بن عمر آل درباس – رحمه الله - الحكمة وسداد الرأي، فكان ديوانه العامر قِبلة لمن تقابله مشكلة أو يقع في شدة من أبناء الفريج (الحي)، فلم يكونوا يلجؤون إلى المحاكم إلا نادراً، وذلك لطمأنينتهم لحكمته وآرائه السديدة، وقد أُطلق عليه – رحمه الله – لقب قاضي الفريج، وذلك لخبرته الطويلة في الحياة خاصة في مجال البحر.
ولم يكن – رحمه الله - يبخل على الناس بنصحه أو توجيهه، حتى حظي بمكانة خاصة في قلوب الناس، فكان يسمى أيضاً كبير "الفريج" الحي، وتلك نعمة يهبها الله لمن يشاء من عباده، قال تعالى: "يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ". (سورة البقرة، 269).
الكرم والسخاء:
كم من مسافر تقطعت به السبل أو جائع عانى الحرمان وشظف الحياة أو غريب نفد ماله وزاده، فكانت الدواوين الكويتية القديمة هي المأوى وهي بيت الضيافة المفتوح لهؤولاء دائماً.
وقد جهز - رحمه الله - ديوانه الموجود على البحر، كمضافة كبرى لرواده وزائريه وعابري السبيل وذوي الحاجات، عملاً بقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ. وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ".
ولم يكتف - رحمه الله - بما ذكرناه، بل إنه جعل من عمارة العائلة التي على البحر سكناً للضيوف من زوار الكويت من البحارة القادمين من البصرة والبحرين وعمان وغيرها.. ينزلون بها ضيوفاً كراماً فيجدون كل ترحيب وود وسخاء.. إلى أن ينصرفون آمنين شاكرين.
موائد الإفطار
لم يكن المحسن محمد بن عمر بن درباس العمر – رحمه الله – يجد باباً للخير إلا سارع إليه، ولذا فقد كان يعد في شهر رمضان المبارك من كل عام موائد الإفطار للصائمين، في ديوانه وعمارته، مبتغياً بذلك الأجر والثواب من الله سبحانه الذي أشار إليه رسوله صلى الله عليه وسلم في قوله: "مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا".
ولا تزال هذه السنة المباركة جارية في الكويت، شاهدة بما يتمتع به أهلها من جود وكرم وإحسان.
تقديم العشيات وذبح الأضاحي:
واصل المحسن محمد بن عمر آل درباس في هذا العمل المبارك السير على نهج والده عمر بن سلطان - رحمهم الله – من خلال تقديم العشيات في المناسبات الدينية والأعياد، وذبح الضحايا في عيد الأضحى وشهر رمضان وغيرهما.. وتوزيعها على الفقراء والمساكين، وتقديم العشيات لمن يعرف ومن لا يعرف من الفقراء والمساكين، وكان في ذلك متصفاً بإحدى صفات الأبرار الذين قال الله تعالى عنهم: "وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا". (سورة الإنسان، 8 -9).
وقد شاء الله تعالى أن يستمر هذا العمل المبارك – ذبح الأضاحي وتقديم العشيات – بعد وفاة المحسن محمد بن عمر الدرباس – رحمه الله – حتى الآن، وذلك من خلال بركات وقفه الذي تركه في وصيته التي أوصى فيها - رحمه الله - بتقديم العشيات وذبح الأضاحي.
الإنفاق على المحتاجين:
من رحمة الله بعباده وحبه لهم أنه يعطيهم ثم يستقرضهم، ويجعل لهم على ذلك جزاء عظيماً وثواباً كبيراً، ولذا كان رحمه الله كثيراً ما يتبرع وينفق على المحتاجين والفقراء، وكان – وفق ما قيل عنه – لا يرد أحد سأله أبداً.
وصيته بالثلث الخيري:
يحرص كل مسلم على أن يمتد ذكره الحسن بعد وفاته وأن يترك صدقة جارية تشفع له عند ربه، بع انقطاع عمله، مصداقاً لقوله صلي الله عليه وسلم: "إذا ماتَ ابنُ آدمَ انقطعً عملُه إلا من ثلاثٍ صدقةٍ جاريةٍ أو علمٍ ينتفعُ به أو ولدٍ صالحٍ يدعو له".
لذا فقد أوصى محمد بن عمر آل درباس – رحمه الله – بوقف ثلث ماله من جميع موجوداته لأعمال الخير والبر والإحسان، مما يعود نفعه – إن شاء الله – على الموصي في الدنيا والآخرة.
وقد جعل ابنه درباس الوصي على هذا الوقف، الذي وثقه بحجة وقفية لدى القاضي الشرعي عبدالعزيز بن قاسم حمادة - رحمه الله - في يوم الاثنين 26 جمادى الثانية عام 1352هـ، وهو العام نفسه الذي توفي فيه - رحمه الله.
ومن خلال الوصية فقد شمل هذا الوقف ما يلي:
- عمارة محمد عمر الدرباس العتيقة (حسب وصفه).
- الحفيز (الدكان) في القيصرية، وهي منطقة تجارية.
وقد أنفق القائم على الوصية – ابنه درباس – من ريع هذا الوقف في وجوه الخير التي حددها الموصي – بعد تأجير العمارة والحفيز – وهي العشيات والضحايا في الأعياد والمناسبات الإسلامية، وكذلك في كافة أوجه البر والإحسان الأخرى.
ثمرات وقفه:
ربما يظن البعض أن الوصية تقلل المال، والحقيقة أنها تنميه وتكثره، وتجعل فيه البركة. وبفضل الله تعالى ثم بفضل ترسيخ فكرة الوقف في المجتمع الكويتي لا يزال نهر الخير متدفقاً من خلال الأمانة العامة للأوقاف، التي تشرف على أوقاف المحسنين من أهل الكويت، وتستثمرها وتنميها وتنفقها في وجوه الخيرات مع التزامها بشروط الواقفين.
فقد خصصت الأمانة عدة صناديق لصرف الريع الوقفي، ومنها وقفية عموم الخيرات التي تشمل كل عمل خيري نافع للإسلام والمسلمين، كبناء المساجد، ومساعدة الفقراء، وهذا ما قامت به الأمانة العامة للأوقاف، التي أشرفت على وقف المحسن محمد بن عمر الدرباس – رحمه الله – إذ عملت على تنميته ورعايته والإنفاق منه في وجوه الخيرات، حتى تم تثمين (العمارة والحفيز) في الخمسينيات.
وبارك الله تعالى في هذا الوقف، وتم بيعه وشراء عمارة في منطقة حولي عام 1967م.
وكما أفادت الأمانة العامة للأوقاف فإن هذا الوقف (العمارة) يحقق دخلاً شهرياً ينفق منه في العديد من أوجه الخير، المتمثلة في مساعدات للفقراء والمحتاجين، وعدد من الأسر المتعففة داخل دولة الكويت، مع مراعاة كون الأقربين أولى بالمعروف.
سبيل الماء
ولم يكتف – رحمه الله – بوقف ثلث خيري، بل أوقف أيضاً سبيلاً للماء العذب في تلك الفترة المبكرة من القرن الماضي، حيث كان الماء نادراً، وهناك صعوبة في الحصول عليه، وكما قال المؤرخون : " كانت شربة الماء تساوي الكثير"، وقد أوقف محمد بن عمر آل درباس – رحمه الله – هذا السبيل – الذي كان معروفاً باسمه - في منطقة الدهلة، ملتمساً الأجر من الله تعالى، مصداقاً لقول رسوله الكريم "أفضل الصدقة سقي الماء".
ويشاء الله تعالى لهذا السبيل بالذات - ضمن مجموعة قليلة من الأسبلة - بالبقاء، حيث نقلته الحكومة إلى سوق المباركية. ومازال موجوداً حتى يومنا هذا، ولكن بعد مروره بعدة مراحل من التعديل والتطوير والتجديد، وقد وثق هذا الوقف في (2 جمادى الآخرة 1352هـ - 16/10/1933م).
وفاته:
وبعد هذه الأعمال المباركة - التي نسأل الله تعالى أن يتقبلها - انتقل محمد بن عَمر آل درباس - رحمه الله - إلى جوار ربه في عام 1352 هـ الموافق لعام 1933م.
الكلمات الدالة:
محسنون من الكويت - سُقي الماء - الأعمال الخيرية والإنسانية - الأثلاث والأوقاف الخيرية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر:
بيت الزكاة. إدارة العلاقات العامة والإعلام. محســـــــــنون من بلـــــــدي (سلسلة تشمل السير العطرة للمحسنين الكويتيين)، ج7، 2003.
الموقع الإلكتروني:
https://www.zakathouse.org.kw/pdfencyclopedia/محسنون%20من%20بلدي%207.pdf