تخطّي إلى المحتوى
المجلد الأول · إصدار ١٤٤٧هـEST. 1442 AHدولة الكويت
ويكي خير
موسوعة العمل الإنساني

أعلام العمل الخيري رجال

محمد أحمد الشرهان

محمد أحمد الشرهان
محمد أحمد الشرهان

المولد والنشأة

وُلد الدكتور محمد أحمد الشرهان في الكويت بتاريخ ٢٨/٨/١٩٥٤م، تلك الأرض التي احتضنت أبناءها وربَّتهم على قيم العطاء والعمل الصالح.

نشأ في أسرة عُرِفت بتمسُّكِها بالقيَم الدينية والتقاليد الأصيلة، فشبَّ وهو يحمل داخله بذور الخير وروح المسؤولية تجاه مجتمعه ووطنه.

لم تكن طفولته عابرة كسائر الأطفال، بل كانت محطَّة تأسيس لشخصية متفوِّقة وقيادية؛ فقد تميَّز منذ الصغر بالانضباط والجديَّة، وكان حريصاً على تحصيل العلم والارتقاء في مدارج المعرفة، وانعكست هذه التربية المبكِّرة على سلوكه، فكان مثالاً للطالب النجيب الذي يجمع بين التفوُّق الدراسي والالتزام الخُلقي.

نشأته في بيئة الكويت -التي شهدت خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي نهضة في مجالات التعليم والصحة والخدمات- كان لها أثر بالغ في تشكيل وعيه المبكِّر بضرورة أن يسهم كل فرد في خدمة بلده والارتقاء بمؤسساته، وقد أحاطت به في تلك المرحلة نماذج مضيئة من رجال الكويت المخلصين، فكان يرى فيهم قدوة حسنة تلهمه للعمل الجاد.

كما أن روح المسؤولية التي حمَلَها لم تقتصر على ذاته أو أسرته فقط، بل امتدَّت إلى مجتمعه، فقد كان دائم المَيْل لمساعدة الآخرين، محباً مدَّ يد العون لزملائه وأصدقائه، وهو ما شكَّل البذرة الأولى التي ستتفتَّح في مسيرته الحافلة بالعمل الخيري.

هذه النشأة الطيبة زرعت داخله الإحساس بالواجب والوفاء، فكانت الكويت بالنسبة له ليست مجرد وطن يعيش فيه، بل رسالة حياة تستحق أن يهَبها جهده ووقته، وأن يسعى لرفع اسمها عالياً بين الأمم، وهو ما تحقَّق بالفعل حين أصبح من رواد العمل الخيري والإنساني في الكويت والعالم.

التعليم

بدأ الدكتور محمد الشرهان رحلته التعليمية في مدارس الكويت، فدرس المرحلة الابتدائية في «مدرسة المأمون» بمنطقة «الشامية»، تلك المدرسة التي شكَّلت الانطلاقة الأولى في مسيرته العلمية، ثم واصل تعليمه في المرحلة المتوسطة في مدرسة الشامية، قبل أن ينتقل إلى المرحلة الثانوية في «ثانوية كيفان» التي أنهاها عام 1972م، ليبدأ بعدها فصلاً جديداً في حياته، وكان طالباً متفوقاً، شغوفاً بالمعرفة، بارعاً في المواد العلمية التي أهَّلته للالتحاق بمجال الطب، وقد اختار أن يكمل دراسته الجامعية في كلية الطب بجامعة الإسكندرية بجمهورية مصر العربية، وقد التحق بها في العام نفسه الذي أنهى فيه الثانوية.

وفي الإسكندرية عاش سنوات من الكفاح العلمي والعملي، فأظهر التزاماً راسخاً بالدراسة، وتمكَّن من تجاوز المقرَّرات الطبية الصعبة بإصرار، حتى أنهى آخر امتحاناته في عام 1978م، ليحصل على شهادة التخرج عام 1979م، وخلال سنوات الدراسة، لم يكن اهتمامه مُنصباً على الجانب الأكاديمي فقط؛ بل كان يشارك في الأنشطة الطلابية والخيرية التي اعتاد عليها طلبة الكويت في مصر، وقد شكَّلت هذه المرحلة صقلاً لشخصيته، إذْ تعلَّم خلالها قيمة العمل الجماعي، وأهمية الموازنة بين التخصُّص العلمي والالتزام الاجتماعي.

وبعد تخرُّجه، انخرط في فترة الامتياز داخل مستشفى الصباح، متنقلاً بين أقسام الجراحة والباطنية، فصَقُلت مهاراته وتعمَّقت خبراته، حتى أصبح ميَّالاً بشكل خاص للجراحة التي وجَدَ فيها شغَفه الكبير، لكنه سرعان ما أدرك أن خدمة المجتمع لا تتحقَّق فقط عبر العمل الطبي المباشر، بل أيضاً من خلال الإدارة الصحية والتخطيط الاستراتيجي للنُظُم الطبية، وهنا بدأَت تتَّضِح ملامح مساره الجديد الذي سيجمع بين الطب والإدارة، ليكون طبيباً ومخطِّطاً في آن واحد، وهو ما مهَّد له -لاحقاً- دوراً ريادياً في مؤسسات الكويت الصحية والخيرية.

حياته العملية

بدأَت المسيرة العملية للدكتور محمد الشرهان في الكويت بعد تخرُّجه من كلية الطب بالإسكندرية، ثم التحاقه بوزارة الصحة بالكويت، وعمله في مستشفى الصباح، وفي البداية مارس عمله كطبيب في أقسام الجراحة والباطنية، وأظهَرَ كفاءة لافتة جعلت المسؤولين يثنون عليه ويشجعونه على المضي قُدماً، إلا أن الله سبحانه وتعالى أراد له أن يتَّجِه إلى مسار آخر لا يقل أهمية، وهو مجال الإدارة الصحية، إذ اجتمع مع مجموعة من زملائه بوزير الصحة -آنذاك- الدكتور عبد الرحمن العوضي رحمه الله، والذي اقترح عليهم التخصُّص في الإدارة الصحية بدلاً من الاكتفاء بالتخصصات الطبية الإكلينيكة، نظراً لحاجة الكويت إلى كوادر وطنية تقود قطاع الصحة وتطوِّره.

واستجاب الدكتور الشرهان لهذا التوجُّه، فسافر إلى الولايات المتحدة، والتحق بجامعة «جونز هوبكنز»، إحدى أعرق الجامعات الطبية في العالم، ليدرس الإدارة الصحية، ويكتسب خبرات عالمية متقدمة، وبعد عودته إلى الكويت؛ عُيِّن في مواقع قيادية داخل وزارة الصحة، فعمل نائباً لمدير مستشفى الفروانية، ثم نائباً لمدير منطقة الفروانية الصحية، ثم انضم لإدارة الطوارئ الطبية، وأصبح مديراً لها عام 1991م،، وكان له دور بارز في إدخال نُظُم الجودة الحديثة، حتى كانت إدارته أول مؤسسة حكومية في الكويت تحصل على شهادة الأيزو في الجودة، وهو إنجاز يفخر به حتى اليوم.

وارتقَتْ خدمات الطوارئ إلى مستويات متقدمة، وخلال مسيرته الإدارية؛ لم يكن مجرد مدير مكتبي، بل كان قائداً ميدانياً، يتابع تفاصيل العمل بنفسه، ويحفِّز زملاءه على الإخلاص والإبداع، مؤمناً أن الإدارة الصحية ليست أوراقاً وتقارير، بل رسالة إنسانية تهدف إلى إنقاذ الأرواح وخدمة الناس. وقد مثَّل هذا الجانب الإداري العمود الفقري لمسيرته، ومهَّد له ليقود العمل الخيري الطبي على مستوى الكويت.

وظلَّ في إدارة الطوارئ الطبية حتى عام 2009م، فقَاد فِرق العمل خلال فترات عصيبة شهدتها الكويت والمنطقة.

الجانب التطوعي والخيري

تجلَّت روح الدكتور محمد الشرهان الخيرية منذ أن كان طالباً في كلية الطب بالإسكندرية، حيث كان مع زملائه الكويتيين يجمعون التبرعات البسيطة لمساعدة الأُسَر المحتاجة في محيطهم، وكانت تلك المبادرات الأولى هي البذْرة لما ستصبح -لاحقاً- إحدى أهم المؤسسات الخيرية الطبية في الكويت، ففي عام 1979م اجتمع مع نخبة من الأطباء الكويتيين لتأسيس لجنة تحت مظلة «جمعية النجاة الخيرية»، وأطلقوا عليها اسم «لجنة صندوق إعانة المرضى»، هدفها مساعدة المرضى المحتاجين وتقديم العون الطبي لهم، ومع مرور السنوات توسَّعت اللجنة، ثم تحوَّل صندوق إعانة المرضى عام 2005م إلى جمعية خيرية مستقلة باسم «جمعية صندوق إعانة المرضى»،

وقاد الدكتور الشرهان وزملاؤه الجمعية نحو آفاق واسعة، داخل الكويت وخارجها، وعلى الصعيد الدولي، كان له دور بارز حين تولَّى إدارة «مكتب الهلال الأحمر الكويتي» في بيشاور بين عامي 1983 و1985م، لمتابعة أوضاع اللاجئين الأفغان، حيث أنشأ مستشفى ومستوصفات لتقديم الرعاية الطبية لآلاف المتضررين، كما توسَّعت أعمال الجمعية في السودان، حتى أصبحت تمتلك مستشفيات ومراكز طبية تفوق في حجمها أنشطة الجمعية الأم في الكويت، وكذلك أسَّست الجمعية مشاريع في كلٍ من: اليمن، والصومال، وجيبوتي، والبوسنة، وبنغلاديش، وإندونيسيا، وفلسطين، وغيرها من الدول التي شهدت كوارث طبيعية أو حروباً.

وقد تعاونت الجمعية مع منظمات دولية كمنظمة الصحة العالمية، في مشاريع مكافحة السلِّ والرعاية الصحية، ومع وكالة «الأونروا» لتوفير الأدوية للاجئين الفلسطينيين في لبنان، فضلاً عن شراكات مع «اليونسكو» في اعتماد الحضانات الطبية في الكويت. وعلى المستوى الإقليمي؛ شارك في اجتماعات تنسيقية بـ «مركز الملك سلمان للإغاثة»، مع جمعيات خليجية، لتوزيع الأدوار وتكامل الجهود. كل ذلك جعله رمزاً من رموز العطاء الإنساني الكويتي، وقائداً للعمل الخيري الطبي المتخصِّص الذي وصل أثره إلى أكثر من أربعين دولة حول العالم.

المشاريع داخل الكويت

لم يقتصر عطاؤه على الخارج، بل أوْلى الدكتور محمد الشرهان وجمعية صندوق إعانة المرضى اهتماماً كبيراً بالداخل الكويتي، فقد وضَعت الجمعية برامج شاملة لدعم المرضى المحتاجين، فوفَّرت لهم الأدوية باهظة الثمن لتكون لهم بالمجَّان، مثل أدوية السرطان والالتهاب الكبدي، وقدَّمت الأجهزة التعويضية؛ مثل: الدعامات القلبية والمفاصل الصناعية وأجهزة التنفس، وخصَّصت الجمعية إعانات مالية شهرية للمرضى الذين حالت أمراضهم دون قدرتهم على العمل، لتساعدهم على مواجهة أعباء الحياة، وتشير الإحصاءات إلى أن الجمعية قدمت سنة 2024م مساعدات تجاوزت قيمتها 12 مليون دينار كويتي، استفاد منها حوالي 12،000 مريض، وهو رقم يعكس حجم التضحيات المبذولة، وقد قدَّمت الجمعية خلال سنوات عطائها أكثر من 100 مليون دينار كويتي.

كما تميَّزت الجمعية بدورها في التوعية الصحية، إذْ أصدَرت أكثر من 100 كتيب ومنشور توعوي في موضوعات متنوعة؛ مثل: مكافحة التدخين والمخدرات، والوقاية من أمراض القلب والسكري، ونظَّمت دورات للإسعافات الأولية موجَّهة للجمهور، إلى جانب أنشطة خاصة بالأطفال المرضى في المستشفيات، وذلك عبر إنشاء أندية ترفيهية وتعليمية تخفِّف من معاناتهم، وتتيح لهم متابعة دروسهم وهم داخل أجنحة العلاج.

هذه المشاريع لم تكن مجرد خدمات طبية، بل كانت رسالة إنسانية متكاملة تستهدف المريض وأسرته، وتسعى إلى إدخال البهجة والطمأنينة في حياتهم.

كذلك نسَّقت الجمعية تعاوناً وثيقاً مع بيت الزكاة الكويتي، الذي دعم مشاريعها من خلال بروتوكولات تعاون طويلة الأمد؛ الأمر الذي وفَّر استدامة مالية لأعمالها. وبفضل هذه الجهود؛ أصبحت الجمعية أحد أعمدة الرعاية الطبية الخيرية في الكويت، ومثالاً على التكامل بين الجهود الرسمية والأهلية لخدمة المرضى المحتاجين.

القيادة والرؤية المستقبلية

يمثِّل الدكتور محمد الشرهان اليوم قامة بارزة في ميدان العمل الخيري الطبي، يجمع بين الخبرة الطبية والإدارية، وبين الحسِّ الإنساني والرؤية الاستراتيجية، كرئيس لمجلس إدارة «جمعية صندوق إعانة المرضى»، وقاد المؤسسة نحو آفاق جديدة، مستنداً إلى قيَم الإخلاص والشفافية.

وقد أكَّد في أكثر من مناسبة أن العمل الخيري شرفٌ واصطفاء من الله، مستشهداً بقول النبي : «أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ» ويرى أن خدمة المريض المحتاج هي أعظم ما يمكن أن يقدِّمه الإنسان في حياته، وأن قيمة العمل الخيري لا تُقاس بالأموال فقط، بل بمدى إدخال السرور على قلوب الناس وتخفيف آلامهم.

وتحت قيادته، تمكَّنت الجمعية من بناء مقر جديد على أرض خصَّصتها وزارة الصحة في منطقة الصباح الصحية، بتمويل جزئي من موارد مُبتكرة مثل الكافيتريات ومحلات الزهور داخل المستشفيات، وهو يؤمن أن استدامة العمل الخيري تتطلَّب التنويع في مصادر الدخل، مع تعزيز الشراكات مع المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص وأهل الخير، كما يطمح إلى تطوير العمل الخارجي للجمعية، ليكون أكثر احترافية وتنظيماً، ويؤكِّد ضرورة التوسُّع في المشاريع الصحية الدولية بالتعاون مع المنظمات العالمية.

ولأن الجودة والشفافية ركيزتان أساسيتان في رؤيته؛ فقد امتدَّ حرصه الشخصي للحصول على شهادة الجودة في إدارة الطوارئ الطبية، ليشمل -لاحقاً- الجمعية أيضاً، فعمل على أن تنال شهادات الجودة المؤسسية، وتطبِّق معايير الحوكمة والشفافية، تعزيزاً لثقة المجتمع والمتبرعين، وضماناً لاستدامة العمل الخيري على أُسُس مؤسسية راسخة.

ولم ينسَ في كلماته شكر كل من دعم الجمعية من أهل الخير الذين تبرعوا بصمت، دون أن يطلبوا ذكر أسمائهم، مؤكًداً أن الله وحده يعلم عطاياهم وسيجزيهم خير الجزاء.

التصنيفات:

→ العودة إلى تصنيف «أعلام العمل الخيري رجال»