تخطّي إلى المحتوى
المجلد الأول · إصدار ١٤٤٧هـEST. 1442 AHدولة الكويت
ويكي خير
موسوعة العمل الإنساني

أعلام العمل الخيري رجال

مبارك سعدون المطوع

مبارك سعدون المطوع
مبارك سعدون المطوع

المولد والنشأة

وُلِد المحامي مبارك سعدون المطوع عام 1954م في حي «الجناعات» داخل العاصمة الكويتية، في قلب المدينة القديمة، بجوار ما يعرف اليوم بمسجد الدولة الكبير وسوق الأوراق المالية، ونشأ في بيئة كويتية أصيلة متأثرة بالتحولات العمرانية والاجتماعية، متنقلاً بين مناطق «حولي» و «السالمية»، ليستقر في منطقة «الشعب»، حيث ترعرع وشهد سنواته الأولى التي شكَّلت ملامح شخصيته.

في الحي العتيق وبين بيوت الفريج، نشأ مبارك بين أهلٍ محافظين على دينهم وتقاليدهم، وكان والده من أوائل من شاركوا في العمل التجاري والخيري في الهند وباكستان، يبني مسجداً هنا ومدرسة هناك، ثم يتركها لله دون انتظار شكر، وهذه النشأة الزاخرة بالمروءة والإيمان والعطاء كوَّنت بدايات وعيه، وغرست بداخله قيمة التضحية وخدمة الناس منذ حداثة سنه.

التحق بمراحل التعليم الأولى في مدارس الكويت، ابتدأ في «مدارس ابن زيدون» و «ابن سينا»، ثم انتقل إلى «مدرسة عبدالله السالم الثانوية»، والتي كانت آنذاك مشهورة بجمعها الطلبة المتفوقين من مختلف الجنسيات، وعاصر مبارك المطوع خلال هذه الفترة مرحلة الستينيات المتقلبة، بما فيها من تحولات قومية ووطنية، كان لها أثر بالغ في تكوين الحس العام والوطني لدى الجيل آنذاك.

وكان له في الحي أساتذته ممن ما يزال يذكرهم بالوفاء، وعلى رأسهم الأستاذ جمعة ياسين، والأستاذ الإعلامي جاسم المطوع - رئيس تحرير جريدة الوطن - رحمه الله، الذين كان لهم الأثر في مسيرته التربوية والإعلامية، وأسهموا في زرع حب الوطن والانتماء إليه، إلى جانب الوعي والروح التطوعية التي رافقته في مسيرته الحقوقية والإنسانية الطويلة.

التعليم

بعد أن أنهى دراسته الثانوية، بدأت رحلته مع التعليم الجامعي، فالتحق أولاً بكلية الطب في القاهرة، ثم عاد إلى الكويت ليبدأ من جديد مشواره في كلية الحقوق والشريعة بجامعة الكويت عام 1972م، وجاء اختياره لهذا المجال بدافع قدراته الخطابية واهتمامه بالقانون، مما جعله يجد نفسه في ميدان الحقوق والدفاع.

واستمرت دراسته حتى عام 1976م، وتخرج منها بدرجة الليسانس، ثم عاد في أوائل عام 1977م ليكمل بعض المقررات لرفع معدله الأكاديمي، فكان من أوائل خريجي الدفعة الذين أظهروا ميلاً للتخصص في الجوانب الإنسانية من القانون.

وأثناء دراسته الجامعية نشط في العمل النقابي الطلابي، وكان من أوائل من أسَّسوا حركة طلابية ذات توجه إسلامي واضح في جامعة الكويت، بمشاركة أسماء بارزة مثل فيصل الزامل وفيصل الحجي وبدر القصار وغيرهم.

وقد مثَّل صوته الإسلامي أحد أولى المبادرات الطلابية الجريئة في مطلع السبعينيات، وأسهم في تأسيس قائمة إسلامية مستقلة ضمن جمعيات الطلبة، متحملاً عبء التصنيف المجتمعي ومؤمناً بأهمية الطرح الإسلامي المتوازن في الساحة الطلابية.

كما عمل في الصحافة أثناء دراسته، فشغل منصب سكرتير تحرير مجلة «المجتمع» عام 1975م، وكان يكتب مقالات دورية تحت زاوية «حديث المجتمع»، واكتسب خبرة في التحرير والإخراج الصحفي، مما منحه حنكة إعلامية لازمته طوال مسيرته.

أكمل لاحقاً دراسات عليا متقدمة، فحصل على شهادة الماجستير من تركيا، بالإضافة إلى دورات قانونية متخصصة، منها شهادة من الغرفة التجارية الدولية (I.C.C)، مما أهَّله للعمل في ميادين المحاكم الدولية.

الحياة العملية

انطلقت مسيرته المهنية من المحاماة، مفضلاً إياها على وظائف النيابة العامة أو النفط، وذلك لإيمانه بأنها مهنة إنسانية تمنح الحرية والقدرة على الدفاع عن المظلومين، فتدرب لفترة قصيرة مع المحامي سليمان المطوع، ثم أسَّس مكتبه الخاص في قلب مدينة الكويت، بدعم من عمه خالد المسلَّم الذي وفَّر له مقراً متواضعاً ليبدأ رحلته المهنية بثقة وبساطة، وسرعان ما برزت مهاراته في المحاماة، وامتدت أنشطته لتشمل الاستشارات القانونية داخل وخارج الكويت، وتقلَّد مناصب عديدة؛ منها: مستشار قانوني في مجلس الأمة الكويتي، ومحكِّم في القضايا الدولية، وعضو في عدد من الهيئات الحقوقية الدولية، كما شارك في إعداد ملفات قانونية مهمة تتعلق بالأسرى الكويتيين، والانتهاكات في البوسنة والصومال وفلسطين.

شغل منصب نائب رئيس اتحاد الحقوقيين الدوليين، ومثَّل الكويت في مؤتمرات حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، وله حضور بارز عام 2000م في جلسة خاصة للمنظمات الدولية (NGOs) تحدث فيها عن الانتهاكات في العالم الإسلامي.

وإلى جانب العمل المهني؛ كان له دور محوري في مرحلة ما بعد الغزو العراقي للكويت، حين ترأَّس «جمعية الشرق التعاونية»، وكانت تقع في منطقة خطرة خاضعة للاحتلال، ونظَّم من خلالها توزيع التموين على المناطق المحاصرة، في ملحمة وطنية وإنسانية خالدة شهد بها الجيران وأبناء الفريج. كما أسهم في تأسيس «جمعية الصداقة الكويتية - الباكستانية»، دعماً للعلاقات المتينة بين الشعبين بعد الغزو، واستمرت الجمعية حتى اليوم في نشاطها من خلال المناسبات والأنشطة التعليمية والرسمية.

الجانب التطوعي والخيري

شكَّل العمل الخيري لبَّ رسالة مبارك المطوع، إذ لم يكن تطوعه عابراً أو مؤقتاً، بل مشروعاً ممتداً منذ السبعينيات، فبدأ نشاطه الخيري برحلة إلى «كيرلا» بالهند عام 1978م، وتوالت مشاركاته في دعم اللاجئين في باكستان، وزار مناطق متضررة مثل بلوشستان وجوادِر.

وفي أوائل الثمانينيات، كان ضمن النواة المؤسسة لـ «لجنة ملاوي»، وطرح فكرة توسُّع اللجنة لتُسمى «لجنة مسلمي إفريقيا» بأكملها، إلى جانب الدكتور عبد الرحمن السميط، وفيصل المقهوي، والشيخ طايس الجميلي، وغيرهم، وساهم في وضع النظام الأساسي للجنة، وسافر في زيارات ميدانية إلى تنزانيا ورواندا والسودان وإرتريا والصومال، وأشرف بنفسه على بناء المدارس والمراكز الصحية.

ورافق العم عبد العزيز العلي المطوع أحد كبار رواد العمل الخيري الكويتي في إحدى رحلات الإغاثة، وشارك في توثيق الجهود الخيرية بالكاميرا والصوت، مما نتج عنه تسجيلات وثائقية مؤثرة ما زالت محفوظة، وأسَّس «لجنة المناصرة لفلسطين ولبنان» عام 1985م، ودأب على تطوير مشاريع إنتاجية تنموية؛ مثل: مزارع أبقار ودواجن، ومراكز خياطة، وعيادات أسنان، لتكون مصدر دخل ذاتي للفقراء واللاجئين، واضعاً بذلك نموذجاً متقدماً في استدامة العمل الخيري.

واستمر في رئاسة اللجنة حتى الغزو العراقي على دولة الكويت عام 1990م، وكانت له جولات تفقدية في مخيمات صبرا وشاتيلا والبقعة والشوف، وأعدَّ مشروعاً متكاملاً لدعم قضايا اللاجئين الفلسطينيين، وقد اعتُمد المشروع من قبل جمعية الإصلاح الاجتماعي عام 1986م.

العمل الحقوقي والمؤسسات الدولية

بعد تحرير الكويت؛ تعاظم اهتمامه بالعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، خصوصاً في ظل الفراغ القضائي المؤقت وظهور تقارير دولية تشكك في سجل الكويت الحقوقي، فأسَّس «اللجنة الإسلامية العالمية لحقوق الإنسان» عام 1994م، تحت مظلة الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، ثم التحقت اللجنة بالمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة بالقاهرة، بتأييد من شخصيات بارزة مثل شيخ الأزهر جاد الحق، وكامل الشريف، والمشير عبد الرحمن سوار الذهب.

كانت اللجنة صوتاً مدافعاً عن قضايا المسلمين حول العالم، وأطلقت تقارير وملفات قانونية حول البوسنة وكوسوفو وبورما والأسرى الكويتيين، وقد مثَّل اللجنة في اجتماعات رسمية في الأمم المتحدة، وكان من أوائل من تحدثوا باسم كيان حقوقي إسلامي في محفل دولي.

كما ترأَّس «الهيئة الإسلامية العالمية للمحامين» التابعة لرابطة العالم الإسلامي، والتي هدفت لتكوين فِرَق قانونية تدافع عن قضايا الأمة الإسلامية، وتولى بعدها منصب نائب رئيس «اتحاد الحقوقيين الدوليين»، وشارك في تأسيس «اتحاد المنظمات الأهلية للعالم الإسلامي» عام 2005م، الذي جمع تحت مظلته أكثر من 350 منظمة من مختلف الدول الإسلامية.

وكان للاتحاد دور كبير في رفع القضايا القانونية إلى المحاكم الدولية، بما في ذلك جرائم بورما ««ميانمار»، والهجمات على «أسطول الحرية» الذي حاول كسر حصار غزة، وقانون «جاستا» الأمريكي، إذْ عمل على إعداد ملفات قانونية للطعن فيه، بالتعاون مع محامين وخبراء من أنحاء العالم الإسلامي.

المؤلفات والمبادرات الفكرية

لم يكن عطاؤه مقتصراً على الميدان، بل امتد إلى التأليف والنشر، فكتب في قضايا المجتمع والعدالة، وله مجموعة من المؤلفات؛ أبرزها:

الصحوة الاجتماعية أولاً.. معالجات في المشكلات الاجتماعية.

البحث عن العدل، قضايا قانونية واقتصادية وسياسية.

محاكمة العالم، وهي رواية مؤثرة ترجمها إلى الإنجليزية.

النظام القانوني لحقوق الإنسان وقت السلم، شارك في تحريره مع نخبة من الحقوقيين.

الرسالة الإنسانية في حقوق الإنسان من منظور إسلامي.

كسر الحصار وبداية الربيع العربي.

أسطول الحرية.. مجريات ووثائق حول كسر الحصار عن غزة.

كما له عشرات المقالات في الصحف والمواقع الإلكترونية، ومحاضرات في المؤتمرات الدولية، وكلها تصب في مسارٍ واحد هو «الدفاع عن حقوق الإنسان من منطلق إسلامي عقلاني عملي».

وهو مثال حي لرجل قانون قدم لدينه ووطنه وأمته، فجمع بين مهنية المحامي وإنسانية المتطوع وجرأة المدافع وأدب المفكر، وهو ما جعل من سيرته مصدر إلهام للجيل الجديد من الحقوقيين والنشطاء في العالم الإسلامي.

التصنيفات:

→ العودة إلى تصنيف «أعلام العمل الخيري رجال»