أعلام العمل الخيري رجال
فوزي محمد عبدالمحسن الخرافي

في حياة بعض الناس، يكشف ما يخفونه عنهم أكثر مما يكشف ما يعلنونه. وهذه واحدة من المفاتيح الأساسية لفهم سيرة فوزي محمد عبدالمحسن الخرافي؛ رجل عرفته دنيا المال والأعمال، لكن جانبًا واسعًا من عطائه ظل سنوات طويلة بعيدًا عن الأضواء، لأن صاحبه كان يفضّل أن تصل المساعدة إلى مستحقها من دون أن يصل اسمه معها.
وُلد فوزي الخرافي في الكويت سنة 1945م، في بيت جمع بين التجارة والانضباط الأسري. وكانت طبيعة عمل والده محمد عبدالمحسن الخرافي قد اقتضت إقامة الأسرة فترة في الهند، قبل أن تعود إلى الكويت سنة 1949م وكان فوزي في الرابعة من عمره. حرص الأب على تعليم أبنائه تعليمًا متميزًا، فأرسل ناصر وفوزي إلى مصر، والتحقا بكلية فيكتوريا، ثم انتقلا إلى فرعها في الإسكندرية حيث كان أخوهما الأكبر جاسم يدرس. وكانت الكلية بنظامها الصارم وإقامتها الداخلية مدرسة في الاعتماد على النفس والانضباط، قبل أن تكون مكانًا للتحصيل الأكاديمي.
وفي عام 1952م فقد الإخوة أمهم، فكانت المحنة درسًا مبكرًا في الصبر وتماسك الأسرة. ثم سافر فوزي سنة 1962م إلى المملكة المتحدة لدراسة إدارة الأعمال في جامعة نيوكاسل، وتخرج فيها سنة 1966م. وعاد يحمل تعليمًا حديثًا إلى بيت تجاري كان يستعد بدوره لمرحلة جديدة من التوسع.
تزوج السيدة هيا عبدالله الرشيد البدر، ورُزق المهندس حسام، والمهندسة غنيمة، ودانة، ونورة. وظلت الأسرة تحتل في حياته مكانًا كبيرًا. فقد تأثر بأبيه في عادة جمع الأبناء حول المائدة، وحين اتسعت الأسرة وكثرت المسؤوليات جعل يوم الجمعة موعدًا أسبوعيًا يجتمع فيه بأبنائه وأحفاده، يسأل عن أحوالهم ويتابع شؤونهم ويعيد تذكيرهم بجذور البيت وقيمه. كما ورث من والده تقدير «الكلمة» في التعامل؛ فالوعد عنده لم يكن أقل شأنًا من العقد المكتوب.
بعد عودته من بريطانيا التحق بشركة والده، وتولى مسؤولية قطاع المصانع، الذي ضم صناعات متعددة في الكويت، إلى جانب أعمال في السعودية والبحرين. ثم واصل مع شقيقيه جاسم وناصر تطوير أعمال الأسرة بعد وفاة الوالد، حتى توسعت الشركة إقليميًا وعالميًا. وتدرج فوزي في المواقع الإدارية، من الإدارة العامة لشركة محمد عبدالمحسن الخرافي وأولاده، إلى عضوية مجالس شركات ومؤسسات متعددة، ثم تولى رئاسة مجلس إدارة مجموعة الخرافي القابضة منذ 2015م حتى وفاته.
كان صارمًا في العمل من غير قسوة، دقيقًا في التفاصيل، شديد الاهتمام بالجودة والانضباط، لكنه في الوقت ذاته حفظ للعاملين كرامتهم واهتم بأحوالهم. وكان يردد: «القريب أولى بالمعروف»، ويقصد بالقرب هنا أيضًا أولئك الذين يعملون معه وتربطه بهم مسؤولية مباشرة.
وتتجسد هذه الفلسفة في موقف حين تأخرت رواتب العاملين في إحدى الشركات لأسباب فنية مرتبطة بتأخر التحصيل. وحين علم بالأمر، لم ينتظر انتهاء الأزمة، بل دفع من ماله الخاص جميع الأجور المتأخرة، في مبلغ بلغ نحو سبعمائة ألف دينار كويتي، من دون أن يسترد المبلغ. بالنسبة إليه، لم تكن الرواتب أرقامًا في حسابات الشركة؛ وراء كل راتب بيت وأسرة والتزامات لا تعرف شيئًا عن أسباب التعطل المالي.
وفي الخير كان أكثر ميلًا إلى الخفاء. كان يفضّل تسجيل تبرعاته باسم «فاعل خير» أو «بوحسام»، بل كان يشترط في بعض معاملاته ألا يظهر اسمه على الشيك. وإذا دُعي إلى مناسبة لتكريمه على أعماله الخيرية، كثيرًا ما أناب عنه ابنه حسام.
وتكشف قصة برنامج «جسر الخير» التلفزيوني عن هذا الجانب بوضوح. كان البرنامج يعرض في رمضان حالات إنسانية محتاجة، وتأثر فوزي الخرافي بما شاهده، فكلف ابنه بتبني أكثر من اثنتي عشرة حالة، تنوعت احتياجاتها بين العلاج في الخارج والعمليات الجراحية والمساعدات المالية وشراء سيارات لذوي الإعاقة. وحين أراد البرنامج استضافته للحديث عما فعله رفض، ثم رفض حتى المشاركة الهاتفية، وأرسل مدير مكتبه فقط لشرح آلية مساعدة الحالات.
وكانت التفاصيل الصغيرة في حياته لا تقل دلالة عن المشروعات الكبيرة. حين غاب إمام المسجد الذي يصلي فيه بسبب تعطل سيارته، أمر باستئجار سيارة له على حسابه إلى أن تُصلح سيارته. وحين عاد الإمام من سفر فوجد شقته وقد غمرتها المياه وتلف أثاثها، تكفل فوزي الخرافي بإعادة فرشها وتجهيزها كاملة.
وكان يضع خريطة للعالم أمامه في مكتبه، وينظر إليها باحثًا عن مناطق جديدة يمكن أن تصل إليها مشروعات الخير. أما في الكويت فكان له برنامج عطاء شبه يومي؛ خمس جهات تصلها مساعداته بصورة مستمرة، من بينها جمعيات تخدم الصم والمكفوفين، وصندوق إعانة المرضى، وجهات تعليمية وخيرية. وعندما قرأ ذات يوم أن صندوق إعانة المرضى يحتاج تمويلًا عاجلًا لإجراء عمليات قلب، أصدر في اليوم نفسه شيكًا بنحو خمسة وخمسين ألف دينار.
واتسعت مشروعاته خارج الكويت بصورة يصعب حصرها في سيرة مختصرة. يذكر الكتاب أنه أسهم في بناء وإعمار أكثر من ثلاثين مسجدًا ومجمعًا إسلاميًا في دول مختلفة، إلى جانب المدارس ودور الأيتام ومراكز تحفيظ القرآن والمشروعات الصحية والمياه.
ومن أبرز النماذج مؤسسة «هدى القرآن» والمجمع الخدمي في محافظة المنيا بمصر، وهو مبنى متعدد الطوابق يجمع المسجد والحضانة والمستوصف الطبي ومركز تحفيظ القرآن ومشغلًا يساعد أمهات الأيتام والأرامل على تعلم الخياطة وكسب دخل. وفي مجال المياه أنشئت من عطائه «محطة الإيمان» لتنقية مياه الشرب في محافظة المنيا، ووصل نفعها، بحسب الكتاب، إلى نحو مئتي ألف شخص في قرى ونجوع متعددة.
وكان للأيتام نصيب واسع من إحسانه؛ كفل عشرات منهم، وأسهم في إنشاء دور ومرافق لرعايتهم في غانا ورواندا ومالي، ودعم أيتام غزة. وفي التعليم امتدت مشروعاته إلى مدارس ومجمعات وسكن طلاب في دول إفريقية وآسيوية.
أما الكويت فبقيت في قلب هذا كله. فبعد التحرير كان من أوائل العائدين إليها، ووجّه شركاته منذ عودته إلى المساهمة في إعادة إعمار المدارس والمستشفيات والمؤسسات المتضررة. وكان يخصص جانبًا كبيرًا من عطائه للأسر المتعففة والأرامل والأيتام والغارمين والمستشفيات والجمعيات داخل وطنه.
وفي آخر عامين من حياته اشتد عليه المرض، فزاد تعلقه بالعبادة والقرآن. وفي ليلة وفاته صلى العشاء على فراش المرض، وأتم ورده من القرآن، وكانت زوجته وأبناؤه حوله، فنظر إليهم ونطق بالشهادة، ثم توفي سنة 2021م.
رحل فوزي الخرافي، لكن أسرته واصلت كثيرًا من أبواب الخير التي أحبها. ولعل العبارة التي اختارها لنفسه في حياته تصلح عنوانًا لسيرته كلها: «فاعل خير»؛ كلمتان كان يريد أن تخفيا اسمه، فإذا بهما بعد رحيله تكشفان حقيقة الرجل.
المرجع:
كتاب محسنون من بلدي الجزء 14 د. عبدالمحسن الجار الله الخرافي