أعلام العمل الخيري رجال
فاروق عبدالله العبيد

المولد والنشأة
في ١/٤/١٩٣٩م ولد فاروق عبدالله العبيد (أبوفؤاد)، ونشأ بين أهله وأصدقائه، وترعرع في أسرة تقدِّر العمل والاجتهاد، وتؤمن أن الخير زادٌ لا ينضب لمن سعى له بإخلاص.
ومنذ نعومة أظفاره ظهرت عليه ملامح الجدِّ والمثابرة، وبرزت في شخصيته سمات النبل والتواضع، وهي الصفات التي رافقته في مسيرته.
وكان محباً للمعرفة والاطلاع، واسع الأفق، يحمل بداخله شغفاً لخدمة الناس، وهو ما سيصوغ ملامح مسيرته المهنية والخيرية على السواء.
ولم يكن محصوراً في محيطه أو منغلقاً على ذاته، بل كان كثير التأمل في حال المجتمعات من حوله، مما جعله مستعداً للانخراط من البداية في ميادين العمل الرسمي، قبل أن يجد نفسه في العمل الخيري الإنساني.
وعلى الرغم من تواضعه الشديد؛ إلا أن بصمته امتدت إلى عشرات القرى والمجتمعات التي نالها خيره، دون أن يبحث عن ضوءٍ أو شهرة.
كانت النشأة الكويتية المحافظة التي غُرس فيها منذ الطفولة والمجتمع الدافئ الذي كبر فيه؛ هما مَنْ شكَّلا وجدانه الإنساني، وغذَّيا لديه شعور المسؤولية تجاه الآخرين، وأوقدا جذوة الرحمة في قلبه، ولم يكن يعلم أن هذه الجذوة ستتحول إلى وهج إنساني يعبر به القارات، ليكون واحداً من أنبل سفراء الكويت غير الرسميين في ساحات الخير والرحمة حول العالم.
التعليم
لم يكن فاروق عبدالله العبيد طالباً عادياً في مدرسته، بل كان متفوقاً في دراسته، رغم التحديات التي كانت تواجه جيله آنذاك، وقد أكمل دراسته الثانوية بتفوق ملحوظ، وهو ما أهَّله للانطلاق في ميادين العمل النظامي، وكان يحمل قناعة بأن العلم وسيلة لفهم الواقع وخدمة الناس، لا مجرد وسيلة للوظيفة.
وفي المدرسة تعلم الانضباط والدقة، وبرزت فيه منذ تلك المرحلة سمات القيادة والتحمل، وكان محل احترام أساتذته وزملائه على حد سواء، وكان ميَّالاً بطبيعته إلى الجوانب التطبيقية والعملية من العلوم، وهو ما جعله يختار الدراسة التجارية التي فتحت له أبواب العمل في مؤسسات الدولة الرسمية.
ورغم انشغاله بالعمل بعد التخرج؛ لم يتوقف أبداً عن تثقيف نفسه وتوسيع معارفه، فقد كان قارئاً نهماً ومتابعاً حريصاً على الأحداث، يطالع الصحف والمجلات العربية والعالمية، ويتابع البرامج الوثائقية والإنسانية التي تتناول قضايا الفقر والتنمية والعدالة الاجتماعية، وكان دائماً يربط بين ما يتعلمه وبين ما يشاهده خلال سفراته وزياراته الميدانية، مما صقل لديه عقلاً تحليلياً وقلباً ميدانياً في آنٍ معاً.
ولأن التعليم عنده لم يكن محصوراً في القاعات والكتب؛ فقد اعتبر رحلاته وسفراته مدارس متنقلة يتعلم فيها من الناس، ويتأمل في أحوال المجتمعات، مؤمناً أن أجمل الجامعات هي وجوه الفقراء، حين يعلمونك دروس الصبر والعزة والرضا، وهو مبدأ رسَّخه في نفسه وفي كل من رافقه في دروب العمل الخيري.
ورغم أن فاروق العبيد لم يتجه للتعليم الجامعي التقليدي؛ إلا أن ما حصَّله من خبرات ومعارف خلال عقود من العمل والسفر يفوق أثره كثيراً من المناهج الأكاديمية، فكان بحق مثقفاً بالفطرة، ودارساً للحياة من خلال الواقع، مسترشداً بقيم الدين والأخلاق، ومتحركاً برؤية إنسانية واضحة لا تعرف التردد.
حياته العملية
بدأ فاروق عبدالله العبيد مسيرته العملية في سلك الشرطة، ثم انتقل للعمل في وزارة الدفاع قبل أن يلتحق بالسلك الدبلوماسي الكويتي، وهو المجال الذي وجد فيه رحابة الأفق واتساع الرؤية. تلك السنوات كانت حجر الأساس في تكوين شخصيته العامة، وقدرته على التعامل مع المجتمعات المتنوعة، وتنمية علاقاته الإنسانية والمهنية على حد سواء.
في عام 1963م بدأ أولى خطواته في العمل الدبلوماسي، وكانت أولى محطاته إيران، ثم عاد إلى الكويت لفترة قبل أن ينتقل إلى الوفد الكويتي الدائم لدى الأمم المتحدة في نيويورك، فاكتسب خبرة سياسية ودبلوماسية رفيعة في أحد أهم المراكز الدولية، وبعد نيويورك توالت محطاته إلى المغرب وفرنسا وسوريا وكينيا، ثم عاد إلى المغرب، ومن ثم إلى فرنسا مرة أخرى، قبل أن يستقر آخراً في الكويت حتى تقاعده.
كان هذا التنقل بين العواصم قد منحه معرفة واسعة بثقافات الشعوب وهموم الناس والواقع الميداني للدول النامية، وقد شكَّل انتقاله إلى كينيا نقطة تحول حاسمة، إذْ شهد لأول مرة واقع الفقر المدقع والمرض المستشري بين السكان، مما ترك أثراً عميقاً في نفسه، وكان البذرة التي أنبتت شجرة عطائه الإنساني، فمشاهداته هناك أيقظت فيه حافزاً داخلياً عظيماً ليكون سفيراً للرحمة لا سفيراً دبلوماسياً فحسب.
ورغم أن العمل الرسمي في وزارة الخارجية كان يتطلب التزاماً صارماً ومهاماً سياسية محددة؛ إلا أنه لم يفصل بين عمله المهني وبين إنسانيته، وكان دائماً يرى أن تمثيل الكويت الحقيقي لا يكون فقط في المحافل السياسية، بل في ميدان العمل الخيري الذي يعكس وجه الكويت الحقيقي كدولة محبة للسلام والخير.
وقد استمرت رحلته في العمل الدبلوماسي لأكثر من أربعة عقود، تدرج فيها في مهام عديدة، وتقلد مواقع مهمة حتى تقاعده الرسمي من وزارة الخارجية، وبعد التقاعد لم يركن إلى الراحة، بل اعتبر تلك المرحلة بداية الانطلاقة الحقيقية في مضمار العمل الخيري الذي ملأ حياته بعد أن ملأ قلبه.
الجانب التطوعي والخيري
منذ اللحظة التي وطأت فيها قدماه كينيا خلال عمله الدبلوماسي؛ كانت بداية رحلته الحقيقية في العمل الخيري، فمشَاهد الفقر المدقع والمرض المنتشر بين السكان -خصوصاً الأطفال والمسنين والمعاقين- هزَّت وجدانه، وأيقظت في قلبه صوتاً لا يهدأ، فكان قراره أن يكون للعطاء نصيب دائم في حياته لا يحده منصب ولا زمن.
وأولى خطواته كانت عبر تصوير بعض مشاهد الواقع المؤلم، وإرسالها إلى أصدقائه في الكويت لتحفيزهم على التبرع، فكان بذلك رسولاً للواقع ينقله إلى أهل الخير، ثم بدأ بتوزيع الصدقات والمواد الغذائية على الفقراء والمحتاجين، وسرعان ما تطورت جهوده إلى بناء مساجد، وحفر آبار مياه في المناطق النائية، وتوزيع الكراسي المتحركة والدرَّاجات للمعاقين، في مبادرات إنسانية غير رسمية لكنها عميقة الأثر.
وفي سريلانكا حفر عشرات الآبار اليدوية والارتوازية في القرى النائية، خاصة للمسلمين الذين يعانون من شح المياه، كما بنى عدداً من المساجد وأشرف على تشغيلها.
وامتدت أعماله إلى المغرب، حيث نفذ مشروعات واسعة لختان الأطفال (الطهور) في مدن مثل الرباط وسيدي قاسم ومراكش وتطوان، استفاد منها الآلاف، خاصة في المجتمعات الفقيرة التي تعجز عن تحمُّل تكاليف هذه العمليات.
ولم ينسَ المعاقين، فقدَّم لهم الأدوية والمستلزمات والكراسي المتحركة، وراعى احتياجاتهم الفردية بإنسانية نادرة، كما أسهم في بناء بيوت للأسر المعدمة، وتبنَّى مشروع تزويج الشباب والشابات داخل دور الرعاية، وسعى لجمع المهور لهم من المحسنين.
وتميز أيضاً بمبادرة سنوية يعدُّها من أحب الأعمال إلى قلبه وهي «تنظيم رحلات عمرة مجانية للفقراء والعمال ومعتنقي الإسلام الجدد داخل الكويت»، فاستأجر باصات على نفقته، ووفَّر للمعتمرين كل شيء؛ من الإحرام إلى السكن والطعام والعناية الطبية، وكان يرافقهم أطباء ودعاة، لتكون الرحلة مزيجاً من العبادة والرعاية والتكريم.
وفي الحرم المكي أسَّس سفرة خيرية امتدت لأكثر من 15 سنة، برعاية محسنين وتحت إشرافه المباشر، وأشرف على مشروع الحج والعمرة بالإنابة، كذلك دعم مشاريع بناء المساجد في عدة دول، وساهم في توصيل الكهرباء لبعض المناطق النائية في كينيا بالتنسيق مع سفارة الكويت هناك.
ولم تقتصر رحلاته على إفريقيا والمغرب، بل سافر إلى نيبال وجبال الهمالايا والتبت وسيلان والهند، وكلها بدافع المعرفة، لكنها تحولت تلقائياً إلى رحلات خيرية حين رأى الاحتياج ماثلاً، وكان يأمل زيارة جزر القمر وآسيا الوسطى لمشروعات خيرية، إلا أن المرض أوقف بعضاً من أحلامه.
الصفات الشخصية والدروس المستفادة
إن المتأمل في سيرة العم فاروق عبدالله العبيد لا يملك إلا أن يتوقف طويلاً أمام سجاياه التي حباه الله بها، فشكَّلت جوهر شخصيته، وألهمت كل من حوله، وكان مثالاً نادراً في التواضع، لم يتحدث عن نفسه إلا مكرهاً، وكان دائماً يُرجِع الفضل إلى الله أولاً، ثم إلى المحسنين وأهل الخير، ويقلِّل من شأن عطائه، رغم أنه كان مدرسة في البذل والعطاء.
يتمتع أبو فؤاد بشخصية ميدانية لا تؤمن بالتنظير بقدر ما تسعى للفعل، فكان في تنقل دائم، يسافر بنفسه ويتفقد المواقع ويقابل الناس وجهاً لوجه، ويجمع الاحتياجات ويخطط بعناية، ثم يعود ليعرضها على أهل الخير في الكويت بأسلوب يسير ومؤثر، دون ضجيج إعلامي أو تفخيم.
وما يميَّز مسيرته أيضاً هي استقلاليته، فهو لا يرتبط بمؤسسة أو جهة، بل يُجري أعماله الخيرية فردياً، مدفوعاً بوازع ديني وضمير حيّ، وكان حريصاً على تغطية نفقاته الشخصية من ماله الخاص، سواء في السفر أو الإقامة أو الطعام، ولا يقبل من المحسنين سوى التبرعات المخصصة للمشروعات فقط، محافظاً على أمانته وشفافيته المطلقة.
تميَّز أيضاً بسعة صدره وحسن تعامله مع مختلف الثقافات والديانات، مما سهَّل له الوصول إلى الناس في المجتمعات المختلفة، ولم يكن يفرِّق بين معتنِق جديد للإسلام أو محتاج غير مسلم، فالجميع عنده يستحقون المساعدة والرحمة.
ومن أبرز ما تعلَّمه الناس منه: أن العمل الخيري ليس حكراً على المؤسسات، بل هو متاح لكل من يحمل قلباً حياً، وعلَّمهم أن العمر ليس عائقاً، فقد ازداد عطاؤه بعد التقاعد، ووجد في الحرية من الوظيفة انطلاقةً أوسع للخير، وغرس فيهم قيمة «الاستدامة»، إذ حرص أن تكون مشروعاته ذات أثر طويل لا مجرَّد إعانات مؤقتة؛ كالمساجد والآبار وتزويج الشباب وبناء البيوت، وكان يقول دائماً: «أنا لا أبحث عن الشكر، ولكن عن ابتسامة طفل أو دمعة فرح في عين أم»، وهذه العبارة تختصر سِرَّه، وتختزل فلسفة عطائه الممتدة لنصف قرن.
التكريمات والإرث الإنساني
رغم أن فاروق عبدالله العبيد لم يسعَ يوماً إلى شهرة أو تكريم، فإن أثره العميق في المجتمعات التي خدمها جعل الناس تذكره بالخير، وتتناقل سيرته كأنها قصة من قصص الرحمة التي تروى للأجيال، ولم ينل جوائز رسمية أو أوسمة فخرية، لكنه حاز أعظم وسام في قلوب الناس: دعاء اليتامى ودموع الأمهات وابتسامة العجائز ورضا رب كريم لا يضيع أجر المحسنين.
سيرته كانت بمثابة رسالة مفتوحة للعالم بأن العمل الخيري لا يحتاج لمناصب ولا يتطلب أجهزة ضخمة، بل يكفيه رجل يحمل نية صادقة وقلباً مفعماً بالرحمة.
وقد ترك وراءه إرثاً ممتداً من: المساجد والآبار والبيوت التي آوت الضعفاء، ووجبات الإفطار التي سدت جوع الصائمين، ومشروعات ختان الأطفال التي أعادت الكرامة للفقراء، ورحلات العمرة التي فتحت أبواب الحرم لمن لا طاقة لهم بها، وأداء فريضة الحج لمن عجز أو مات ولم يقم بأدائه، فكان ينفذ سنوياً مشروع الحج بالإنابة، ويختار مجموعة من طلبة العلم وحفظة القرآن في مكة المكرمة لأداء هذه الفريضة نيابة عمَّن لم يحج، وبتكاليف رمزية.
لم يكن «بو فؤاد» مجرد فاعل خير، بل كان نموذجاً إنسانياً متكاملاً، جسَّد ما يعنيه أن تكون الكويت مركزاً للعمل الإنساني، ليس بالشعارات، بل بالمواقف والمبادرات التي امتدت من الجبال الوعرة في تطوان وفاس، إلى القرى النائية في سريلانكا وكينيا، إلى أروقة الحرم المكي، من مياه الشرب إلى مساجد الصلاة إلى ابتسامات المحتاجين وأسِرّة المعاقين وصفوف الطلاب الأيتام.
وحتى حين تراجعت صحته في سنواته الأخيرة؛ لم يتوقف عن المتابعة والتنسيق، بل أنشأ شبكات من المتطوعين والمتعاونين في تلك الدول لمتابعة المشروعات وتلبية احتياجات المحتاجين، مؤمناً أن العمل الخيري يجب أن يُبنى مؤسسياً ولو كان فردي النواة، وكانت أمنيته أن يرى البنات والأبناء المكفولين في دور الرعاية بالمغرب وقد تزوجوا، فتكتمل فرحتهم بحياة كريمة، كما سعى مع محسنين لتحقيق هذا الحلم النبيل.
وبرغم تواضعه، ستظل قصة فاروق العبيد محفورة في ذاكرة العمل الإنساني الكويتي كأحد رواد العطاء الصامت الذي لم يطلب شيئاً، بل أعطى كل شيء، وستبقى دعواته الصادقة التي ختم بها لقاءاته رسالة متجددة لكل من أراد أن يسير على درب الخير: «اللهم اكتب لنا الأثر الباقي في كل بلدٍ زرناه، واكتب لنا رحمة جارية وعملاً يقرِّبنا إليك».
هكذا رحل فاروق العبيد عن الدنيا بذكراه الطيبة ووري الثرى يوم الجمعة الموافق ١١ فبراير عام ٢٠٢٢م، عن عمر ناهز ٨٣ عاماً قضاها في خدمة الكويت ومساعدة المحتاجين.
وها نحن نستذكر أعماله الإنسانية لتكون امتداداً لذكراه ولعمله الصالح.
وصدق الإمام الشافعي حين قال:
قد مات قوم وما ماتت فضائلهم ؛
وعاش قوم وهم في الناس أموات..!
وقال الشاعر أحمد شوقي:
دَقّاتُ قَلبِ المَرءِ قائِلَةٌ لَهُ
إِنَّ الحَياةَ دَقائِقٌ وَثَواني
فَاِرفَع لِنَفسِكَ بَعدَ مَوتِكَ ذِكرَها
فَالذِكرُ لِلإِنسانِ عُمرٌ ثاني