أعلام العمل الخيري رجال
غانم يوسف شاهين الغانم

المولد والنشأة
وُلِد المؤرخ الكويتي الراحل غانم يوسف شاهين الغانم عام ١٩٢٣م في منطقة «فريج الشويخ»، إحدى أحياء الكويت القديمة ذات النكهة الاجتماعية الأصيلة، التي احتضنت بواكير نشأته، وكانت مسرحاً لذكرياته الأولى، ونشأ في كنف أسرة كويتية معروفة بأعمالها التجارية ومبادراتها الإنسانية ومواقفها الوطنية، وكان من جيرانهم عدد من الشخصيات المرموقة من آل الصباح؛ مثل: الشيخ حمد المبارك الصباح، والشيخ عبدالله المبارك الصباح، والشيخ صالح الإبراهيم، وغيرهم من أبناء العائلات الكويتية العريقة، ومنذ نعومة أظفاره، كان محاطاً بمظاهر التدين والبساطة والكرم، وهي السمات التي ظلَّت ملازمة له طوال حياته.
والده التاجر المعروف يوسف شاهين الغانم، كان من رجال البحر الذين امتهنوا التجارة عبر السفن، ويملك عدداً من البواخر مثل «كاكا» و «أوشار»، ويجوب بها الهند وإفريقيا، وكان يتقن الهندية ويتعامل مع الأسواق الخارجية بحنكة وكرم، وقد تأثر الابن كثيراً بوالده الذي كان يحمل روحاً أدبية رفيعة، ويقتني كتباً لأعلام الفكر الإسلامي مثل أرسلان، كما عُرف عنه حرصه على أداء الأمانات، وحبه للفقراء، وتوزيعه لزكاة محصول النخيل من مزرعته في البصرة على بيوت الجيران والمحتاجين في الكويت.
أما والدته فقد كانت مثالاً للمرأة العصامية الواعية، ذات البصيرة التجارية والفطنة الاجتماعية، إذ مارست التجارة في الدهن العداني والذهب، وعُرفت بين النساء بقدرتها على إدارة شؤونها واستثمار أموالها في الوقت المناسب، ومن حر مالها اشترت لأبنائها الصغار بيتاً صغيراً بعد وفاة زوجها، وأدارت بيتها بحكمة واقتدار، وكان لها فضل كبير في بناء شخصية غانم الذي ورث عنها قوة الإرادة وبُعد النظر والالتزام بالصدق والعمل الصالح.
نشأ غانم بين نخبة من الرجال الذين أثْرَوا حياته وشكلوا وعيه، وكان محيطه الاجتماعي زاخراً بالنماذج الرفيعة من أهل البحر والعلم والدين، مما زرع في قلبه تقدير التراث الكويتي، والشغف بالبحث في تفاصيله التي لازمته في حياته.
التعليم
بدأ غانم يوسف شاهين الغانم تعليمه في الفترة من 192٨م - ١٩٣٩م، في واحدة من أبكر المدارس في الكويت، وتحديداً في مدرسة ابتدائية أهلية أشرف عليها سعد الشرهان، والذي كان يُعد من أبرز رجالات التعليم آنذاك، وكان مديراً وقوراً ومدرِّساً محنكاً، له مكانته لدى الجيل الأول من الكويتيين.
التحق الفتى الصغير مع أقرانه من فتيان الفريج بتلك المدرسة التي كانت أشبه بمحضن للعلم والقيم، وهناك بدأ رحلته مع القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم، وفي هذه المرحلة، تعلَّم غانم على يد أساتذة مثل عبدالمحسن الشرهان، وعبدالله التورة، وكان التعليم يتم في فترة واحدة يومياً حتى الساعة الثانية بعد الظهر، وكانت البيئة التعليمية مفعمة بالروح الجماعية والانضباط، فنبغَ وختم القرآن في سن صغيرة، وكان مولعاً بالقراءة، وهي العادة التي ظلَّت تلازمه طوال عمره.
وفي عام 1936م، انتقل غانم إلى «المدرسة المباركية»، التي كانت آنذاك منارة التعليم النموذجي في الكويت، وفيها تعلم الكتابة الصحيحة على يد المُلَّا عثمان، شقيق الأستاذ عبدالله العثمان، ودرس على يد نخبة من الأساتذة البارزين مثل عبدالملك الصالح، وحافظ وهبة، وعبدالعزيز الرشيد، وعبدالله العمر، ويوسف العمر، وقد ساهمت هذه النخبة في صقل لغته وفكره، وغرست فيه حب اللغة العربية وقيم الأصالة.
كان من زملائه في تلك المرحلة عدد من أبناء الأسر الكويتية البارزة؛ منهم: الشيخ سالم العلي، والشيخ سعد العبدالله، والشيخ جابر الأحمد، وهو ما أتاح له أن يعيش وسط بيئة نخبوية متميزة، تتشارك الحلم بنهضة الكويت.
وتميزت المدرسة المباركية بانفتاحها على العالم العربي، فقد شهدت استقبال معلمين فلسطينيين في عام 1936م، أرسلهم المفتي محمد أمين الحسيني، في اتفاق مع الشيخ عبدالله الجابر رئىس المعارف، وكان غانم ممن استقبلهم شخصياً في منطقة «المطلاع»، مما ترك في نفسه أثراً عميقاً حول أهمية الوحدة العربية والتعليم.
فقد كان غانم الشاهين عضواً نشيطاً في فريق الكشافة بالمدرسة المباركية، وحينما علِمتْ إدارة المدرسة بقدوم المدرسين الفلسطينيين من فلسطين براً عبر العراق؛ طلب الشيخ عبدالله الجابر من إدارة المدرسة استقبالهم، فخرجت مجموعة من المدرسين مع فريق الكشافة لاستقبالهم عند الجهراء. بهذا التكوين العلمي المبكِّر؛ تهيأت لغانم أرضية معرفية وثقافية جعلت منه شاهداً على التحولات التعليمية في الكويت، ومشاركاً مستقبلياً في رسم ملامحها من خلال كتاباته وسيرته.
حياته العملية
انطلقت المسيرة العملية لغانم يوسف شاهين الغانم بعد سنوات من التحصيل العلمي، حين قرر أن يخوض غمار البحر عام ١٩٤٠م، سائراً على خطى والده، تاجر البحر المعروف، وكانت أولى تجاربه البحرية مع النوخذة مبارك بن ناصر في العام 1945م، على سفينة «بوم بن ناصر»، وانطلق معهم من الكويت إلى البصرة لجلب التمر، ثم إلى الهند وعدن وزنجبار، في رحلة شاقة استغرقت أحد عشر شهراً، ولم يأخذ فيها أجراً، بل اعتبرها مرحلة تدريب واكتساب خبرة.
وفي الرحلة الثانية، عمل مساعداً لعمه النوخذة عبدالله شاهين الغانم، ثم أصبح لاحقاً نوخذة بنفسه على عدد من السفن، وقد برع في إدارة شؤون السفن والتجارة.
وبعد تركه البحر افتتح دكاناً في سوق «الغربللي» عام 1949م، يبيع فيه الحقائب والأحذية وبعض الكماليات، ويتعامل مع كبار التجار مثل عبدالله المطوع ومساعد الصالح، واستمر في هذا العمل حتى منتصف الستينيات، ثم اتجه إلى تجارة العقارات والأسهم، وأظهر حنكة تجارية ساعدته على تنمية موارده المالية.
وفي العام 1964م، انتقل إلى العمل الصحفي، فالتحق بجريدة «الرأي العام» نائباً لرئيس التحرير، إلى جانب خاله عبدالعزيز المساعيد، وقد كانت له زاوية ثابتة بعنوان «بين الأمس واليوم»، تناول فيها قضايا المجتمع الكويتي السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وكتب عن خطر المفاعلات الذرية الإيرانية، ما يدل على بصيرته السياسية ونزعته الإصلاحية، وكان رئيس تحرير جريدة «الديلي نيوز».
مارس الغانم أيضاً أدواراً اجتماعية متنوعة، فكان حاضراً في الحياة العامة بالكويت، مشاركاً في تأسيس جمعيات ومبادرات تطوعية، وبحكم تاريخه العريق ومكانته بين رجالات الكويت؛ أصبح مرجعاً في توثيق الأحداث، وشاهداً على التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي مرَّت بها البلاد في القرن العشرين.
الجانب التطوعي والخيري في حياته
تميَّز غانم يوسف شاهين الغانم منذ صغره بروح إنسانية نادرة، فكان شاهداً ومشاركاً في المشهد الخيري الكويتي الذي انبثق من قيم التراحم والتكافل المتجذِّرة في المجتمع، وترسَّخت في وجدانه مشاهد العطاء الشعبي، وتربَّى على مآثر الآباء الذين ساعدوا بعضهم في ترميم البيوت وإطعام الجائع وسداد الديون وبناء المساجد، فكانت تلك البيئة الأصيلة بمثابة محرِّك دائم له نحو العمل الخيري الذي اعتبره رسالة لا تنقطع.
وقد كان لتطوعه في فريق الكشافة بالمدرسة المباركية الأثر البارز في حبه للعمل التطوعي ومساعدة الآخرين، إذْ شارك فريق الكشافة بالمدرسة في حمْلة جمع التبرعات لفلسطين أثناء الثورة الكبرى بفلسطين، وحينها تم تشكيل لجان تطوعية وفرق من الكشافة للمرور على التجار في الأسواق لجمع التبرعات، وكان الطلاب يدورون بصناديق خشبية لجمع الدعم، مما كان له أبرز الأثر في صقل مواهبه وتعزيز العطاء في وجدانه وفكره.
وفي الأربعينيات والخمسينيات برز بدور فاعل في التبرع والإغاثة، خصوصاً في قضية فلسطين التي اعتنقها بقلبه وقلمه، ففي عام 1956م، ومع اشتداد الصقيع على اللاجئين الفلسطينيين؛ اقترح على زملائه في «جمعية الإرشاد الإسلامي» تنظيم حملة تبرعات، فتوجه مع وفد شبابي يضم كلاً من: عبدالعزيز الوزان، وعبدالله سلطان الكليب، وسعود السميط، وعبدالله علي عبدالوهاب المطوع، وعبدالعزيز عبدالوهاب المطوع، لمقابلة الشيخ عبدالله السالم الصباح أمير دولة الكويت آنذاك، فاستجاب لهم بتبرع سخي بلغ (عشرة آلاف روبية)، كان له الأثر في فتح الباب أمام تبرعات أخرى بلغت عشرات الآلاف.
ورفض غانم وزملاؤه تسليم التبرعات لأي جهة وسيطة، وأصرّوا على توزيعها بأنفسهم، مما يعكس نزاهتهم وحرصهم على إيصال الخير مباشرة للمحتاجين، فعبروا الطريق البري الطويل من الكويت إلى فلسطين عبر العراق وسوريا ولبنان، حاملين معهم البطانيات والملابس والأموال، ووزعوها في مخيمات اللاجئين في عدة مناطق بفلسطين؛ منها: أريحا والخليل وبيت لحم ورام الله وجنين وقلقيلية، وغيرها، واستُقبلوا بحفاوة من مفتي القدس الشيخ محمد أمين الحسيني، وتلقّوا مئات البرقيات من الأهالي التي تشكر الكويت وشعبها.
فقد كان له نشاط بارز في عضوية جمعية الإرشاد الإسلامي خلال الأنشطة والبرامج والمشاريع المتنوعة التي كانوا ينفذونها في ذلك الزمان، وكان متطوعاً للتدريس في مدرسة الإرشاد.
ومن المواقف المؤثرة التي سجلها الغانم في الذاكرة الشعبية الكويتية؛ قصص إسقاط الديون عن الفقراء بعد نكسة اللؤلؤ الصناعي، إذْ تحرَّك مع رجالات الخير أمثال هلال فجحان المطيري، الذي بادر بحرق الصكوك والسندات ممن يطالبهم بالديون، مما أنقذ عشرات الأسر الفقيرة من التشرد، وأطلق حراكاً تضامنياً غير مسبوق، جسَّد أصالة الكويتيين.
وظل غانم صوتاً أميناً ينقل نبض العمل الخيري الشعبي في الكويت من خلال لقاءاته وكتاباته ومشاركاته في الندوات، مؤكداً أن الكويت لم تصل إلى لقب «مركز للعمل الإنساني» إلا بفضل هذا الإرث العميق الذي صنعه أبناؤها بجهدهم وتكافلهم.
التأليف والإنجازات الفكرية
عقب تقاعده من العمل الصحفي عام 1972م، أطلق غانم يوسف شاهين الغانم العنان لقلمه ومكتبته العامرة، مُنكباً على توثيق التراث الكويتي بمختلف أبعاده، واعتبر الكتابة مسؤولية وطنية، ورسالة أمانة لأجيال لم تعاصر حياة الأمس، وقد تجلَّت ريادته في أن كتبه لم تكن مجرَّد استعراض للماضي، بل انبثقت من معايشة حقيقية، ونبض أصيل خرج من صميم البيئة الكويتية، فاستحق عن جدارة لقب «شيخ المؤرخين».
ألَّف 18 كتاباً، تنوَّعت بين التاريخ الاجتماعي والعادات والمهن واللهجة والعمارة الكويتية، وغيرها من مفردات الحياة التي شكلت الهوية الوطنية؛ ومن أشهر كتبه:
الكويتيون وفرجانهم ومهنهم
كويتنا جوهرتنا
سيرة طفل الأمس
الكويتيون ولهجتهم الجميلة
الكويتيون ومنازلهم القديمة
الكويت والماضي العريق
أصالة الكويتيين
الوطن والعلم والتراث
الكويت وصمودهم للمكاره
وطن ووطنية
الكويت برها وبحرها
المرأة وجوهر الكلمات
الكويتية قبل العشرينات وبعدها
آثار الرعيل
الكويتيون وجواهر الكلمات
الكويتيون وحياة الأمس
الكويتيون وعاداتهم الجميلة
وغيرها من العناوين التي أضحت مرجعاً للباحثين والمهتمين والمحبين لتاريخ الكويت الأصيل.
وقد تميَّز أسلوبه بالسرد القصصي واللغة الحية والوفاء للتفاصيل، وهو ما جعل كتبه مقروءة من مختلف الشرائح كباراً وصغاراً، ولم يتحدث عن الماضي بنظرة رومانسية فحسب، بل أراده حافزاً للبناء ومصدر إلهام للأجيال.
ولم تقتصر جهوده على التأليف وحده؛ بل كان حاضراً في اللقاءات الوثائقية والندوات الثقافية والتغطيات الإعلامية، يسرد بذاكرته المتقدة حكايات الكويت، ويسلط الضوء على مراحلها المفصلية، من سنوات ما قبل النفط، إلى الطفرة المالية، وحتى استحقاقها لمكانة «مركز العمل الإنساني».
كما ساهم في توثيق السرديات الشفوية التي توشك على الاندثار، مستنداً إلى مشاهداته الشخصية، وحفظه للتفاصيل الدقيقة في الأسواق والمساجد والدواوين والسفن وبيوت الفرجان، وقدَّم من خلال كتبه وأحاديثه صوتاً حياً لأجيال الآباء المؤسسين، ليكون صدى الماضي ممتداً في وجدان الحاضر.
الوفاء والرحيل
ظلَّ غانم يوسف شاهين الغانم وفياً للكويت حتى آخر لحظات حياته، فكان يرى في وطنه جوهرة نادرة تستحق التوثيق والاحتفاء، ولذلك نذر قلمه لتخليد ملامحها، وأفنى عمره في نقل صوتها الشعبي وهمس أزقتها ونبض أسواقها القديمة، ولم يكن يكتب للتفاخر أو الظهور، بل كان مدفوعاً بنداء داخلي يرنو لحفظ الذاكرة الوطنية، ولإحياء صور من زمن الطيبين، بأسلوب أصيل يلامس وجدان القارئ.
تميز الغانم بروح وطنية صافية، لا تنفصل عن إيمانه العميق وقيمه الإنسانية، وكان يرى أن حب الوطن لا يكتمل إلا بالبذل والعطاء، والالتزام بالأمانة، والارتقاء بالوعي الجمعي، وفي أحاديثه الإعلامية المتعددة؛ ظل يدعو إلى الحفاظ على القيم الكويتية الأصيلة، ويحث الأجيال الجديدة على التمسك بالهوية، والتعلم من سيَر الرعيل الأول، وكان يكرِّر أن الكويت لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا بتضحيات وجهود رجالٍ آمنوا بالخير وأخلصوا في البناء.
رحل «شيخ المؤرخين» في 4 أبريل 2023م عن عمر ناهز 94 عاماً، بعد أن ترك إرثاً ضخماً يشهد له بالفضل والريادة، ونعاه الكويتيون كباراً وصغاراً، وذكروا بصماته في التوثيق والذاكرة الوطنية، وأشادوا بمؤلفاته التي تُعد ثروة ثقافية لا تُقدَّر بثمن. ولعل من أجمل ما قيل فيه أنه «رجلٌ كتب الكويت كما لم يكتبها أحد»، فهو لم يُسطِّر تاريخها فحسب، بل رسم ملامحها، واستحضر أرواح ناسها، واستعاد أيامها التي خطَّت مجدها على الرمال والبحر.
ترك خلفه مِن الأبناء والبنات والأحفاد مَن يحمل اسمه، لكنه أيضاً ترك للكويت أبناءً من قرَّائه، ممن تشرَّبوا من صفحاته حب الكويت، وتعرَّفوا من خلالها على قصة وطن صغير، لكنه عظيم بمبادئه وأبنائه.
وهكذا تنطوي صفحات حياة رجلٍ جمع البحر والقلم، والميدان والسطر، والوفاء والذاكرة، فكان غانم يوسف شاهين الغانم صوتاً خالداً في سجلِّ الكويت الذهبي.