محسنون
عبدالله مطلق المسيلم الرشيدي
المولد والنشأة:

وكان مولده - رحمه الله - عام 1340هـ الموافق لعام 1921م، وهو عام موقعة الجهراء، وبعد مولده بثلاث سنوات، كانت الضربة القاصمة لظهر الأمة الإسلامية بإسقاط الخلافة على يد مصطفي كمال (الملقب بأتاتورك)، فأصبح المسلمون أمة متفرقة لا رابط يحميها، ولا قائد يقودها، وتداعت عليها الأيدي الآثمة كما تتداعى الأكلة على قصعتها.
عاش المحسن عبدالله المسيلم طفولته في قصر دسمان العامر، في كنف الشيخ الراحل أحمد الجابر الصباح لارتباط سمو الأمير يرحمه الله بوالده مطلق مفرج المسيلم، كونه صديقاً عزيزاً له لا يفارقه.
وكان له يرحمه الله العديد من أصدقاء الطفولة الذين ظل يعتز بهم وبصداقتهم طوال حياته، يثني عليهم، ويتذكر الأيام الخوالي معهم، يكرم حيَّهم ويترحم على ميتهم، يوقر كبيرهم ويعطف على صغيرهم، ومنهم: سمو الأمير الراحل الشيخ صباح السالم الصباح، وسمو الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح، وسمو الأمير الوالد الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح، وسمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الصباح، وسمو ولي العهد الشيخ نواف الأحمد الصباح، وسمو الشيخ ناصر المحمد الصباح رئيس الوزراء، والشيخ مشعل الأحمد الصباح، والشيخ خالد الأحمد الصباح، والشيخ مبارك عبدالله الأحمد الصباح، والشيخ جابر عبدالله الجابر الصباح، والشيخ سالم صباح السالم الصباح، والشيخ صالح الجراح الصباح.
أوجه الإحسان في حياته:
الإحسان أعلى درجة الإيمان، وهو في الجانب المادي، علامة على حسن صلة العبد بربه وثقته به، ودليل على رقة قلبه، وإحساسه بمعاناة الناس وحاجاتهم، وقد أدرك هذا كله المحسن عبدالله المسيلم رحمه الله، الذي كان يضع نصب عينيه حكمة طالما رددها: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً». فكان له الكثير من أفعال الخير في مجالات شتى، ومنها ما استطعنا حصره فيما يلي:
أولاً: عمارة المساجد:
المساجد بيوت الله تعالى في الأرض، إليها تهوى الأفئدة المؤمنة خمس مرات في اليوم والليلة، فتتطهر من الذنوب والمعاصي، وتناجي الله الكريم الوهاب، وتغتسل من الآثام كما يُغسل الثوب فيصير نقياً طاهراً. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ؟ قَالُوا لا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا، قَالَ فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّه بِهِ الْخَطَايَا» رواه البخاري. وقد أدرك المحسن الأمير عبدالله المسيلم يرحمه الله ذلك كله، فسارع إلى بناء بيوت الله تعالى، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، في داخل الكويت وخارجها كما يلي:
1- داخل الكويت:
ففي داخل الكويت بنى يرحمه الله مسجدين في منطقة سعد العبدالله الصباح، هما:
أ- مسجد أبو بكر الصديق رضي الله عنه:
تأسس على نفقة عبدالله المسيلم يرحمه الله عام 2003م في منطقة سعد العبدالله الصباح ويتميز بمساحته الكبيرة، ويقال إنه ثاني المساجد في الكويت (من ناحية المساحة) بعد مسجد الدولة الكبير. ويضم مصلى للنساء ومكتبة، ويتسع لأكثر من 3000 مصل، وكان يسعه يرحمه الله أن يطلق اسمه عليه إلا أنه أراد أن يخلد به اسم أول الخلفاء الراشدين t وأرضاه.
ب- مسجد عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
وقد تأسس أيضاً على نفقته يرحمه الله في المنطقة ذاتها (سعد العبدالله الصباح) عام 2003م، ومساحته حوالي 2400 متر مربع، ويضم أيضاً مكتبة ومصلى للنساء. وقد رغب أيضاً يرحمه الله أن يطلق عليه اسم ثاني الخلفاء الراشدين رضي الله عنه وأرضاه.
- خارج الكويت:
أما في خارج الكويت فقد بنى أيضاً يرحمه الله مسجدين في المملكة الأردنية الهاشمية هما:
أ- مسجد خالد بن الوليد:
وقد أسسه يرحمه الله عام 1988م في منطقة المقابلين في العاصمة الأردنية عمان، وأطلق عليه اسم مسجد خالد بن الوليد. لما علم بحاجة المسلمين هناك إلى هذا المسجد.
ب- مسجد في عّمان:
بعد ذلك بخمس سنوات، علم يرحمه الله بحاجة كثير من الإخوة المصلين في منطقة مرج الحمام بالعاصمة عمان إلى مسجد آخر، فلم يتردد يرحمه الله وأمر ببناء هذا المسجد وتجهيزه على نفقته بالكامل عام 2003م.
ثانياً: إنشاء أوقاف عديدة لله تعالى:
كان يرحمه الله حريصاً على عمل الخير في حياته، وترك أثره الخيري بعد وفاته، وكان مدركاً لأهمية الوقف في الإسلام، حافظاً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» رواه مسلم. لذا أوقف في سبيل الله ما يلي:
- مجمعاً استثمارياً في منطقة الفروانية:
وهو مجمع كبير تقدر قيمته حالياً بأكثر من أربعة ملايين دينار كويتي، ويقع في شارع الفروانية الرئيس، ومازال الوقف سارياً حتى الآن.
- وقف عمارة سكنية في منطقة الرقعي:
وهو الوقف المسجل برقم (23) في وزارة العدل بتاريخ 23 مايو 2006م، وهو عقار سكن استثماري بمنطقة الرقعي (قسيمة رقم 49)، ومساحته 1000م2، للصرف من ريعه واستثماره على الفقراء والمساكين وفي كافة وجوه الخير الأخرى.
وتقع هذه العمارة الوقف مقابل الطريق الدائري الرابع مباشرة بمنطقة الرقعي، وفيها مطاعم وأسواق معروفة بالمنطقة.
- بيتين في منطقة العارضية لحفظ القرآن:
وعندما رأى بعينه نشاط جمعية إحياء التراث فرع العارضية، سواء حلقة تحفيظ القرآن الكريم، أو لجنة الدعوة والإرشاد أو اللجنة النسائية، فرح بهذا العمل واشترى لهم بيتاً فجعله وقفاً على أعمال الخير. وكان يتابع بنفسه اللجان ويفرح عندما يشاهد الخير العميم ينطلق من هذه اللجنة المباركة. وعندما زاد نشاط اللجنة واتسع، نوى رحمه الله تعالى أن يشتري لهم بيتا آخر، لكن وافته المنية رحمه الله قبل أن يحقق هذه الأمنية.
ثالثاً: كفالة الأيتام:
أدرك المحسن الأمير عبدالله المسيلم الرشيدي يرحمه الله الأجر العظيم لكفالة الأيتام وثوابها عند الله تعالى، كما حرص يرحمه الله على أن يكون له شرف الصحبة مع الحبيب صلى الله عليه وسلم في الجنة، فكفل ليس يتيماً واحداً ولا عشرة بل كفل - بفضل الله - أكثر من 250 يتيماً، في عدد من دول آسيا وإفريقيا ، وذلك ابتغاء الأجر والثواب من الله تعالى الذي وعد به نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» رواه البخاري.
وتمت هذه الكفالات عن طريق عدد من لجان الجمعيات الخيرية العاملة في دولة الكويت وأهمها لجنة زكاة العارضية، ولجنة زكاة جليب الشيوخ. كما أنشأ يرحمه الله دار أيتام في مصر تضم مركزاً طبياً ومبرة خيرية، ويديرها وكيل له هناك.
رابعاً: كفالة الأسر المتعففة وإعانة الفقراء:
وعى المحسن عبدالله المسيلم يرحمه الله قول النبي صلى الله عليه وسلم: «السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، وَأَحْسِبُهُ قَالَ: «وَكَالْقَائِمِ لا يَفْتُرُ وَكَالصَّائِمِ لا يُفْطِرُ» رواه البخاري. فحرص رحمه الله على كفالة العديد من الأسر المتعففة بالكويت، وكانت - في الغالب أسراً معروفة له، وكانت تقدم في صورة مساعدات إنسانية ومادية.
وكانت هذه الأعمال تتم في الخفاء، ولم يعلم أولاده منها إلا القليل خاصة بعد وفاته، ومن ذلك ما يرويه ابنه سالم عن صاحب مكتب عقاري معروف في منطقة جليب الشيوخ، بأن رجلاً كان يخفي جزءاً كبيراً من وجهه بغترته كان يأتي شهرياً، ويوزع أموالاً على فقراء المنطقة بالقرب من المكتب. وحاولوا معرفة هوية هذا الرجل من العمال، فقالوا إنه أحد المحسنين، ولما تكرر الأمر كثيراً ذهب إليه صاحب المكتب ذات مرة لمعرفته وإذا به المرحوم عبدالله المسيلم الذي رجاه وطلب منه عدم ذكر اسمه لأحد، لحرصه على أن يكون هذا العمل خالصاً لوجه الله تعالى.
وفي خارج دولة الكويت كان يرحمه الله يكفل الكثير من الأسر، فيشهد ابنه سالم أيضاً أنه كان يسافر بصحبته سنوياً إلى فلسطين قبل احتلالها، لتوزيع تبرعات لبعض الأسر هناك، ولكن والده رحمه الله كان يحرص دائماً على أن يتركه بالسيارة ويذهب هو لدفع هذه الأموال بمفرده.
كما كان يتابع يرحمه الله أحوال الفقراء بنفسه، حريصاً على الذهاب إلى المحتاجين، وكان لا يرد سائلاً أبداً، ولا نذكر في يوم من الأيام أنه رد سائلاً في المسجد، وذلك اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان لا يرد سائلاً.
خامساً: تبرعاته وصدقاته:
كان المرحوم عبدالله المسيلم كثير الخروج في سبيل الدعوة إلى الله تعالى مع صحبة طيبة من أهل الكويت، وكان رفيقاه في العمل الخيري وفي رحلاته في سبيل الله تعالى هما الشيخ راشد الحقان والمرحوم فلاح البصمان، وكانا دائما ملازميْن له خاصة في رحلاته الخيرية في الفترة الأخيرة من حياته. وكانت دعوتهم من خلال مساعدة الآخرين وإغاثة المنكوبين، وتقديم المساعدات بكافة أشكالها لمن يحتاجها من المسلمين. وقد روى أولاده عنه رحمه الله أنه سافر إلى أوروبا وإفريقيا ودول جنوب شرق آسيا، ومن ذلك ما يلي:
- أنه لما سافر إلى بلجيكا عام 1976م ووجد الجالية الإسلامية هناك تجمع تبرعات لبناء مركز إسلامي يحتوي على كثر من الخدمات للطلبة والراغبين في تلقي العلم الشرعي، قرر أن يتحمل هو تكلفة تأسيس هذا المركز بالكامل.
- أنه أنفق الكثير مما أعطاه الله على حفر الآبار وبناء المستوصفات والمساكن في إفريقيا والمناطق المنكوبة في دول آسيا.
- أنه بعد أن هم للخروج في رحلة في سبيل الله تعالى مع جماعته، جاءه الخبر بأن ابنه سالماً أصيب في حادث دهس أمام منزله، فأمر بإخلاء سبيل الشخص الذي ارتكب هذا الحادث ولم يذهب للمخفر وقتها ليخرج في سبيل الله دون أن يرى ابنه ذا السنوات الأربع من عمره.
- بل إنه من كثرة رحلاته في سبيل الدعوة إلى الله تعالى وتواجده في مناطق الكوارث، والتي يكثر فيها نشاط الإغاثة، قال عنه الشيخ ناصر صباح الأحمد الصباح إنه يجد الأمير عبدالله المسيلم دائماً في أماكن لا يجد فيها الكويتيين في هذا الوقت عادة. ونقل عنه هذه الرواية ابنه طلال المسيلم.
سادساً: وصيته (وقف ربع التركة):
ولإدراكه يرحمه الله أهمية الوقف وعظم أجره وثوابه عند الله تعالى، فقد أوصى بعدد من الأوقاف تستثمر وينفق منها في سبيل العمل الخيري، لتكون صدقة جارية له بعد وفاته أن شاء الله تعالى، وقد أوضحنا جانباً منها فيما سبق، بالإضافة إلى الوقف الذي سجله يرحمه الله بوزارة العدل في يوم 22 يناير عام 2001م، وأوقف فيه الحساب الجاري الخاص به في بيت التمويل الكويتي، بالإضافة إلى العقار المملوك له بمنطقة الفروانية (قسيمة رقم 26)، لمدة خمس سنوات وأربعة أشهر تقريباً، ثم أبطل يرحمه الله هذا الوقف في 22 مايو عام 2006م.
ولم يكتف رحمه الله بالأوقاف التي أوقفها في حياته بل أوصى قبيل وفاته بوقف ربع تركته لعمل الخير، وهو الوقف المسجل برقم (91) في وزارة العدل بتاريخ 27 مايو 2006م، ومن ضمنها العقار المملوك له في منطقة العارضية (قسيمة رقم 253) قطعة 2 ومساحته 750 م2، ويخصص ريعه للإنفاق في وجوه الخيرات والمبرات وعمل الإحسان داخل الكويت وخارجها.
وهناك نظار للوقف من أولاده يقومون بتوجيه الإنفاق وتلقي الحالات وتقدير الاحتياجات وتوزيع المساعدات عليها، وبعدما تم حصر التركة يجري حالياً تنظيم العمل والبحث عن الأعمال والمشاريع الخيرية المناسبة لتنفيذها بما يتناسب مع الطريقة التي كان يعمل بها والدهم رحمه الله قبل وفاته.
مرضه ووفاته:
مرض يرحمه الله واشتد به المرض قبل شهور من وفاته، وكان يفقد وعيه أحيانا، إلا أنه لا يفتر لسانه عن ذكر الله تعالى، فكان يردد كلمة «الحمد لله» كثيراً، كما روى ذلك عنه أحمد براك الهيفي، وكان يسأل عن أهل المسجد. وكان يتحسر على عدم الصلاة جماعة في المسجد. وعندما خرج من المستشفى، وكان ملازما للكرسي المتحرك، فوجئنا به يحافظ على الصلاة في المسجد، ويحضر مبكراً كعادته رغم كبر سنه وتداعي الأمراض عليه.
ويضيف الهيفي: «كنا نتعجب من صبره وجلده، والأعجب من ذلك أنه إذا أقيمت الصلاة صلى واقفاً رغم عجزه وضعفه ومرضه، وفي شهر رمضان الأخير كان يحافظ على الصلوات وصلاة التراويح بل وصلاة القيام. ويحدثني أحد الإخوة أنه صلى في الصف الثاني في صلاة القيام رحمه الله وكان يتحين الفرصة لكي يتقدم إلى الصف الأول على الرغم من أنه على كرسي متحرك. والشيء الذي لم نتوقعه وتعجب منه جميع أهل المسجد، أنه لم يترك عادته كل سنة، فاعتكف في المسجد على الرغم من اشتداد المرض به. وقد نصحه الكثيرون أن يرتاح في بيته وكان يرد عليهم: جزاكم الله خيراً. وكأني به يقول في نفسه: لعل هذا آخر رمضان في عمري، والأجل مكتوب، فليكن آخر عمل في هذه الدنيا الاعتكاف في بيت الله؛ اقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم».
وقد كان للمحسن عبدالله المسيلم ما أراد، فخرج من المسجد ليلة 27 الساعة 11 مساء إلى المستشفى، وتوفي رحمه الله تعالى يوم الثلاثين (آخر يوم من شهر رمضان المبارك) عام 1427هـ الموافق 22 أكتوبر 2006م. فيا لها من خاتمة مباركة يتوق إليها المؤمنون أجمعون.
وقد كانت أمنيته أن يصلى بأحد المساجد التي بناها لله تعالى، إلا أن قدر الله تعالى كان أسرع من أمنيته.
الكلمات الدالة:
محسنون من الكويت - عمارة المساجد - الأعمال الخيرية والإنسانية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر:
بيت الزكاة. إدارة العلاقات العامة والإعلام. محســـــــــنون من بلـــــــدي (سلسلة تشمل السير العطرة للمحسنين الكويتيين)، ج8، 2008.
الموقع الإلكتروني:
https://www.zakathouse.org.kw/pdfencyclopedia/محسنون%20من%20بلدي%208.pdf