الباحثون في العمل الخيري والتطوعي
عبدالرحمن أحمد طالب الملا الكندري
المثقف الذي عاش للكلمة ووثّق ذاكرة الكويت بمداد الوفاء
إعداد اللجنة الإعلامية - مركز الكويت لتوثيق العمل الإنساني - فنار :

وبرحيله تخسر الكويت واحداً من أبنائها الذين ارتبطوا بالثقافة والبحث والتوثيق ارتباطاً حقيقياً، وعاشوا منشغلين بحفظ الذاكرة الوطنية ورصد تفاصيل المجتمع الكويتي وتحولاته الإنسانية والوطنية والفكرية، إيماناً منه بأن الأمم التي تعرف تاريخها وتحفظه، هي الأقدر على بناء مستقبلها بثبات ووعي .
الكويت تودّع قامة ثقافية بارزة كرّست حياتها للكتاب والتأليف وتوثيق الذاكرة الوطنية بكل إخلاص
رحيل الباحث والمؤلف الكويتي الذي أفنى عمره في خدمة المعرفة ورصد تاريخ المجتمع وتوثيق تحولات الوطن
غياب أحد رواد التوثيق الثقافـي في الكويت بعد مسيرة طويلة من العطاء الفكري والإنتاج المعرفـي المتميز
أصدر له مركز فنار كتابين بعنوان معجم مؤلفات عن الغزو العراقي للكويت وموسوعة مؤلفات ودراسات وبحوث كويتية 
ومنذ سنواته المبكرة، كان عبدالرحمن الملا الكندري مختلفاً عن أقرانه؛ شديد التعلق بالكتاب، مولعاً بالقراءة، شغوفاً بالمعرفة، وكأن داخله مشروع باحث ومؤرخ ينتظر أن يكبر ليبدأ رحلته مع الحروف .
شغف لا يعرف التوقف
تلقى الراحل تعليمه في المدرسة الأحمدية، إحدى المدارس الكويتية العريقة، وكان وكيل المدرسة آنذاك المربي الفاضل محمد الفارس، غير أن طموحه لم يكن يكتفي بما يقدَّم له داخل الصفوف الدراسية التقليدية، فكان يواصل دراسته مساءً في مدرسة المتنبي، في مشهد يعكس حجم الإصرار الذي امتلكه منذ صغره .
كان يدرس نهاراً في الصف الرابع الابتدائي، ثم يتجه مساءً إلى دراسة المرحلة المتوسطة، في تجربة استثنائية تعكس تعطشه المبكر للعلم، قبل أن يكمل رحلته التعليمية في المدرسة المباركية ومدرسة عبدالله الدحيان وصلاح الدين الثانوية .
ولم تتوقف رحلته عند حدود التعليم المحلي، فالتحق بجامعة بيروت انتساباً، ثم انتقل إلى جامعة الإسكندرية بسبب ظروف الحرب، كما درس في معهد المعلمين بالكويت حتى حصل على دبلوم المعلمين، وكان ناظر المعهد آنذاك حمود الرومي، رئيس جمعية الإصلاح الاجتماعي السابق، وذلك قبل أن يواصل دراسته في كلية الشريعة بجامعة الكويت .
كانت المعرفة بالنسبة إليه أسلوب حياة، لا مجرد شهادة أو وظيفة، ولذلك ظل طوال عمره طالب علم وباحثاً وقارئاً لا يهدأ .
بين الوظيفة والثقافة
بدأ عبدالرحمن الملا حياته العملية مُحققاً في وزارة الداخلية، وتنقل بين إدارات التحقيقات وجُنح المرور لما يقارب عشر سنوات، ثم عمل مترجماً في وزارة الداخلية، مستفيداً من موهبته النادرة في تعلم اللغات، إذ كان يجيد نحو 21 لغة، وهو أمر استثنائي يعكس اتساع أفقه الثقافي واطلاعه المعرفي .
ولم يكن اهتمامه باللغات ترفاً ثقافياً، بل مشروعاً بحثياً وفكرياً حاول من خلاله اكتشاف الروابط المشتركة بين الشعوب والثقافات، فألّف عدداً من الكتب التي تناولت الكلمات المشتركة بين اللغة العربية واللغات الفارسية والتركية والإثيوبية والأوردو، في محاولة لتقريب الثقافات وإبراز الامتداد الحضاري للغة العربية .
واستمر في عمله الحكومي نحو خمسة وأربعين عاماً حتى تقاعد عام 2006، غير أن التقاعد بالنسبة إليه لم يكن نهاية العطاء، بل بداية تفرّغ أكبر للبحث والتأليف والتوثيق .
وطني يكتب بقلبه
إلى جانب عمله الرسمي، خاض الملا تجربة صحفية لافتة في صحيفة القبس الكويتية، حيث كتب فيها لمدة خمس سنوات، وتميزت مقالاته بالبعد الفكري والوجداني والوطني، وكانت كتاباته تعكس شخصية مثقف حقيقي يعيش هموم أمته ووطنه .
ومن أشهر مقالاته :
“هل يعيد التاريخ نفسه ويمنّ على المسلمين بصلاح الدين آخر؟”،
وهو المقال الذي أثار اهتماماً واسعاً آنذاك، حتى قيل إنه ساهم في رفع مبيعات الصحيفة إلى نحو أربعين ألف نسخة، وهو رقم كبير في تلك المرحلة .
وقد أبلغه بذلك الشاعر الكبير أحمد مطر، الذي كان مسؤولاً عن صفحة “المنبر الحر” في صحيفة القبس، كما أجري معه لقاء صحفي خاص بسبب الأثر الذي أحدثه المقال .
وخلال فترة الاحتلال العراقي الغاشم للكويت، حمل عبدالرحمن الملا الكندري وطنه في قلبه وقلمه، فعمل في السفارة الكويتية بمملكة البحرين، وكتب في صحيفة “الأيام” البحرينية لمدة سبعة أشهر، موثقاً معاناة الكويتيين وآمالهم في التحرير، ومعبراً عن الألم الوطني الذي عاشته الكويت في تلك الفترة العصيبة .
مشروع عمر اسمه “الكتاب”
لم يكن عبدالرحمن الملا الكندري مؤلفاً عادياً يكتب من أجل الشهرة أو الحضور الإعلامي، بل كان عاشقاً حقيقياً للكتاب، مؤمناً بأن التوثيق مسؤولية أخلاقية ووطنية .
بدأ التأليف وهو في الحادية عشرة من عمره، واستمرت رحلته مع الكتابة حتى سنواته الأخيرة، فأصدر عشرات الكتب والدراسات والدواوين والمعاجم التي تنوعت بين التاريخ والأدب والفكر والدين والتوثيق والسير الذاتية واللغات .
ومن أبرز مؤلفاته
“ملحمة الغزو وتحرير دولة الكويت”،
“حرب الشعارات في الكويت”،
“حرب الكتابات”،
“عميد الرياضة الكويتية الشهيد فهد الأحمد الجابر الصباح”،
“عميد الصحافة الكويتية عبدالعزيز المساعيد”،
“ديوان الكنادرة”،
“حصاد القلم”،
“الكويت ديوان شعر”،
“معجم مكة المكرمة وما حولها”،
“معجم أسماء كتب الغزو وتحرير دولة الكويت”، من إصدار مركز فنار
“الكلمات المشتركة في اللغات العربية والتركية والفارسية”،
“الكلمات العربية والإثيوبية المشتركة”،
“الكويت بلد ملايين الكتب وآلاف الدكاترة والمهندسين”،
و”موسوعة المؤلفات والأبحاث والدراسات الكويتية” . من إصدار مركز فنار
كما كتب عدداً من المؤلفات باللغة الفارسية، من بينها :
“الله جل جلاله”،
“القرآن كلام الله”،
“حياة محمد ”،
“تاريخ فرامرزان”،
و”ديوان الملا” .
ينفق من ماله لأجل المعرفة
ومن أجمل ما يُروى عن عبدالرحمن الملا أنه لم يكن ينظر إلى الكتاب باعتباره مشروعاً تجارياً، بل رسالة يؤديها بإخلاص ومحبة . كان ينفق من ماله الخاص لطباعة مؤلفاته، ويوزع بعضها مجاناً، إيماناً منه بأن العلم يجب أن يصل إلى الناس دون مقابل .
ومن القصص التي تعبّر عن وفائه للمعرفة، عثوره على مخطوط قديم عن المذاهب الأربعة في أحد البيوت القديمة، وكانت الصفحة الأولى منه ممزقة، فقام بإكماله شعراً، ثم طبعه ووزع منه خمسمائة نسخة مجاناً لوجه الله .
كان يرى أن الكتاب أمانة، وأن الحفاظ على التراث مسؤولية لا تقل أهمية عن أي واجب وطني آخر .
عاش للكويت … وكتب لها
ظل حب الكويت حاضراً في معظم أعماله ومؤلفاته، فقد انشغل بتاريخها ورجالاتها وذاكرتها الوطنية، واهتم بشكل خاص بتوثيق مرحلة الغزو العراقي الغاشم، ورصد الكتابات والشعارات والنتاج الفكري المرتبط بتلك المرحلة، إدراكاً منه لأهمية حفظ الذاكرة الوطنية للأجيال القادمة .
كما اهتم بتوثيق الحركة الثقافية الكويتية، وإبراز أسماء الباحثين والمفكرين والمؤلفين الكويتيين، في مشروع موسوعي يعكس إيمانه العميق بأهمية المعرفة المحلية وحفظ الجهد الفكري الوطني .
“مركز فنار” يوثق إرثه الثقافي


وقد مثلت هذه الإصدارات إضافة نوعية للمكتبة الكويتية، لما تحمله من جهد توثيقي واسع يرصد النتاج الفكري الكويتي، خاصة في ما يتعلق بمرحلة الغزو العراقي وما خلّفته من حراك فكري وثقافي واسع .
وعلى الصعيد الاجتماعي، تزوج عبدالرحمن الملا عام 1975، ورُزق بتسعة أبناء وخمس بنات، وعُرف بين أهله ومحبيه بدماثة الخلق والتواضع والبساطة وحب الناس، وبانشغاله الدائم بالقراءة والكتابة والتأليف .
وبرحيله، تطوي الكويت صفحة رجل عاش وفياً للكلمة والكتاب والوطن، لكن أثره سيبقى حاضراً في كتبه ومؤلفاته وكل ما تركه من ذاكرة موثقة تحفظ جانباً مهماً من التاريخ الثقافي والفكري الكويتي .
رحم الله عبدالرحمن الملا الكندري رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه من علم ومعرفة وتوثيق في ميزان حسناته، وألهم أسرته ومحبيه الصبر والسلوان .
المحلية وحفظ الجهد الفكري الوطني .