أعلام العمل الخيري رجال
زيد سعود سعد البسيس

تبدأ سيرة زيد سعود سعد البسيس بمحنة كان يمكن أن تغيّر مسار حياة أي إنسان. وُلد في البادية، في صحراء الصابرية شمال الكويت، ولم يمض على حياته سوى خمس سنوات حتى أصيب بمرض الجدري، ففقد بصره. كان طفلًا صغيرًا حين أغلقت الدنيا أمام عينيه، لكن السنوات اللاحقة كشفت أن فقد البصر لم يغلق أمامه أبواب الحياة؛ فقد عُرف بحدة الذكاء وقوة الذاكرة ونفاذ البصيرة، حتى أصبحت قصته واحدة من تلك السير التي تذكّر بأن الإنسان قد يفقد أداة من أدواته، لكنه لا يفقد بالضرورة قدرته على أن يصنع أثرًا.
منذ صغره ارتبط بالمسجد والصلاة، وكان حريصًا على أداء الفرائض في جماعة رغم ما يواجهه من مشقة في الحركة. ولم يمنعه فقد البصر من طلب العلم؛ حفظ القرآن الكريم وتعلم أحكامه على عدد من المشايخ، منهم الشيخ العوهلي والشيخ حمد الهيلم والشيخ هاشم. صار القرآن له نافذة أخرى يرى بها العالم، ورافقه طوال حياته مصدرًا للسكينة والاتزان.
تنقلت حياته بين الدمنة، التي أصبحت تعرف لاحقًا بالسالمية، ثم البدع والراس، إلى أن استقر في منطقة سلوى. وكوّن أسرة كبيرة، وربّى أبناءه وبناته مع زوجته على الدين وتحمل المسؤولية. ولم تكن إعاقته سببًا في أن يعتمد على الآخرين؛ على العكس، تولى شؤون أسرته وأعماله، وأصبح بمرور الوقت واحدًا من الشخصيات الاجتماعية المعروفة بين أهله وجيرانه.
كان مجلسه اليومي بعد صلاة العصر صورة واضحة لمكانته. يجتمع فيه الأقارب والجيران والأصدقاء ووجهاء الحي، ويدخله عابر السبيل وصاحب الحاجة. لم يكن الناس يقصدون الديوان من أجل الطعام والضيافة وحدهما، بل لأنهم وجدوا عند صاحبه صدرًا يتسع لهم، وأذنًا تسمع، ورأيًا يطلب عند الخلاف أو الشدة. وهكذا تشكلت زعامته الاجتماعية من الخدمة أكثر مما تشكلت من اللقب أو المكانة.
وقد حفظ من عرفوه عنه قدرات لافتة رغم فقدانه البصر؛ كان يتعرف إلى الأشخاص من أول كلمة، ويميز طبيعة الأرض حين يلمسها، ويتعرف إلى نباتات الربيع باللمس أو الشم، ويسير في الطرق الوعرة بقدرة أدهشت من حوله. لكنه لم يجعل من هذه القدرات مادة للاستعراض، بل استثمر استقلاليته وثقته بنفسه في العمل والحياة.
عمل بالتجارة، وأدار شؤون ممتلكات الأسرة، وكانت له ثروة من الإبل، كما اتجه إلى تجارة العقار، وشارك في النشاط الزراعي ودعم الإنتاج المحلي حتى حصل على شهادة شكر وتقدير تقديرًا لمساهماته في هذا المجال. وبذلك لم تكن حياته قائمة على انتظار من يعينه؛ كان هو نفسه مصدر عون للآخرين.
ولعل إحدى أكثر صفحات سيرته تعبيرًا عن شخصيته تأسيسه حملة البسيس للحج عام 1961م، التي استمرت في خدمة الحجاج حتى عام 1976م وأصبحت من الحملات المعروفة في الكويت. المفارقة المدهشة أن الرجل الذي لا يرى الطريق بعينيه كان يجلس في مقدمة القافلة مرشدًا وموجهًا، يعرف مسار السفر، ويتابع أحوال من معه، كبارًا وصغارًا، ويوفر للحجاج ما يحتاجون إليه من وسائل النقل وتجهيزات المخيمات.
لقد كان يقود بالبصيرة والخبرة والثبات. وحج معه على مدى السنين كثير من أهالي الدمنة والسالمية والبدع والراس وغيرها، حتى اكتسبت حملته ثقة الناس. وتظهر وثيقة مؤرخة سنة 1972 أن العمل داخل الحملة لم يكن عشوائيًا؛ كان هناك تنظيم ومخاطبات رسمية وبيانات للحجاج، وكان ابنه علي يمثل الذراع الإداري لوالده. وهذا يكشف أن خدمة الحجيج عنده جمعت بين النية الخيرة وحسن الإدارة.
ومثلما اتسعت حياته العملية، اتسعت أبواب إحسانه. كانت له وقفية خيرية ثابتة ينفق من ريعها في أبواب متعددة، وأقام إفطار الصائم، وأطعم الفقراء والأرامل والأيتام، وساعد المحتاجين في الكويت وخارجها، وأسهم في بناء ستة مساجد خارج البلاد، ومنها مساجد في الهند وبنغلاديش.
ومن أكثر مواقفه دلالة على نقاء نفسه أنه كان يقرض الناس قروضًا حسنة، ويسجل أسماء المدينين في دفتر. وفي أواخر حياته أوصى أبناءه بإتلاف الدفتر كله، وألا يطالبوا أحدًا بشيء مما فيه، وأن تُحتسب الديون جميعًا صدقات عنه. لم يحتج إلى أن يجمع المدينين ويخبرهم أنه عفا عنهم؛ أراد فقط أن تنتهي الديون كما لو أنها لم تكن، وأن يلقى الله وقد رفع عن الناس حملًا كان يستطيع أن يطالبهم به.
وامتد تفكيره إلى ما بعد حياته، فأنشأ وقفًا عقاريًا في الدمام بالمملكة العربية السعودية، وخصص ريعه لمجموعة من أبواب الخير، منها الأضاحي، والمواد التموينية للفقراء في رمضان، وإقامة موائد إفطار الصائم، إلى جانب إتاحة السكن فيه مجانًا لغير القادرين من أبنائه وأقاربه. جمع الوقف بذلك بين حق الفقير وصلة الرحم.
وفي سلوى شيّد سنة 2004م مسجدًا على أرض يملكها، عرف باسم مسجد زيد سعود البسيس، وتكفل بنفقات بنائه كاملة. ولم يجعله مكانًا للصلاة فحسب؛ ضم مصلى للنساء ومكتبة إسلامية لخدمة طلبة العلم والقراء، واستمر فيه مشروع إفطار الصائم من ريع الوقف.
وحين تعرضت الكويت للاحتلال العراقي، ظهر جانب آخر من تربيته لأبنائه؛ حثهم جميعًا على التطوع لخدمة وطنهم بالمال والنفس، وشارك ابنه محمد في تقديم خدمات حيوية خلال المحنة. كان مفهوم الوطن عنده امتدادًا لمفهوم المسؤولية الذي عاش به طوال حياته.
وكرمته الكويت بإطلاق اسمه على أحد الشوارع الرئيسية في منطقة سلوى، حيث بقي الاسم في المكان كما بقي المعروف في الذاكرة. توفي في يناير 2008م في سلوى، لكن موته لم يطوِ صفحته؛ بقي المسجد، وبقي الوقف، واستمرت موائد الإفطار، واستمر الخير في ذريته، وصولًا إلى العمل المؤسسي الذي حملته «مبرة العوازم الخيرية».
هكذا تبدو سيرة زيد البسيس في معناها الأعمق: طفل فقد نور العين في الخامسة، لكنه أمضى حياته كلها يفتح للآخرين طرقًا إلى النور؛ حاجًّا يقود قافلة، وفقيرًا يجد عونه، ومدينًا يستيقظ ذات يوم وقد سقط عنه الدين، ومصلّيًا يدخل مسجدًا ما زال يحمل اسمه.
المرجع:
كتاب محسنون من بلدي الجزء 14 د. عبدالمحسن الجار الله الخرافي