تخطّي إلى المحتوى
المجلد الأول · إصدار ١٤٤٧هـEST. 1442 AHدولة الكويت
ويكي خير
موسوعة العمل الإنساني

أعلام العمل التطوعي رجال

خالد عبدالمحسن الحبشي

خالد عبدالمحسن الحبشي
خالد عبدالمحسن الحبشي

المولد والنشأة:

ولد الراحل خالد الحبشي في تاريخ: 6 ديسمبر 1981م الموافق 20 صفر 1402هـ، سمي خالدًا على إسم جده والد والدته، الذي توفاه الله وكانت أمه لم تولد بعد، وهو الطفل الثالث في الأسرة قبله سليمان ثم أمل، وبعده أحمد ثم ريم ثم عبدالله ثم محمد.

نشأ خالد في أسرة محافظة بفضل من الله تعالى، كان طفلًا هادئا مسالما، وظل محافظا على تلك الصفات حتى توفاه الله.

التحق مع شباب المسجد منذ أن كان ناشئاً، فكان يتردد على مسجد الحشاش القريụ من منزل أسرته في منطقة الخالدية، لأداء الصلوات الخمس، كان لأسرته الصغيرة معياران لا يمكن التنازل عنهما؛ الدين والعلم، فكان والده لا يدخر جهداً ولا مالًا إلا وبذله لتطوير أبنائه في هذين المجالي، وكان من فضل الله عليه أن شبوا جميعاً على حب طلب العلم وخاصة العلوم الشرعية.

انضم إلى شباب النشء والصحب العام لجمعية الإصلاح الاجتماعي والتزم ببرامجهم و أنشطتهم وسافر معهم إلى مختلف المناطق و الدول ؛ كان الهدف من ذلك؛ بناء شخصية المسلم القوي الذي يعيش في دنياه حاملًا هم آخرته، والذي يعرف رسالته في هذا الوجود، مستحضراً معه ذلك التساؤل: لم خلقني الله؟، متزوداً بعدة العلوم والمهارات والفنون ... ماشياً في طريق الدعوة إلى الله، متبعاً نهج الحبيب محمد عليه الصلاة والسلام، وظل يعتكف في العشر الأواخر من رمضان في المسجد منذ أن كان شاباً صغيراً وحتى وفاته، استمر على تلك العبادة ولم يقطعها، لا قطع الله له خيرا كان يفعله في دنياه.

الدراسة:

هدوءه الظاهر كان يخفي خلفه شاباً طموحاً، شغوفاً بالعلم والتعلم، يطرق الأبواب ويشق الدروب دون أن يبدي قطرة عجب واستكبار، يبحث عن الجدة في الأفكار، والابتكار في الآليات والوسائل، يتعلم كل ما هو جديد بما يخص التخطيط والتنمية والمهارات، جمع ما بي المناهج الأصيلة وفنونها وما بي المستجدات الحديثة.

كان طالباً مجتهداً، درس في كلية الشريعة في جامعة الكويت تخصص الفقه، وأكمل دراسة الماجستير، ثم أتم الدكتوراه في بريطانيا في مجال التمويل الإسلامي، حيث كان مبتعثاً من صندوق التمويل الإسلامي في كلية العلوم الإدارية، جامعة الكويت، على الرغم من أن تعليمه كان باللغة العربية في جميع مراحله الدراسية حتى الماجستير إلا أن اللغة لم تقف أمام طموحه فدرس اللغة الإنجليزية وبرع فيها حتى كتب فيها رسالة الدكتوراه وحاز على درجة رفيعة لم تمنحها الجامعة لبحث منذ أكثر من خمس سنوات. تخصص في هذا المجال وبرع فيه حتى صار مرجعاً يقصده الشرعيون والاقتصاديون لمعرفة آخر ما استجد في بابه، وكيف يسقط العلم النظري على واقع اليوم المعاصر، وقدم فيه برنامجاً في إذاعة القرآن الكريم كان ذا صدى واسع.

كان يكسوه الخلق والوقار، يختبئ خلف الأشخاص، لا يحب الظهور والتفاخر وهو صاحب الفكرة والتطبيق، وكان يرتحل إلى بعض الدول باغيا الخلوة لفهم ما استشكل عليه في باب علم، وطالبا لنوع جديد من العلوم أو الفنون.

بره بوالديه وأقاربه:

عندما رحل خالد؛ كان رحيله صعباً هز جميع أفراد أسرته، فوجوده بي أهله لم يكن عادياً؛ بل كان فذاً، رحمه الله ... كان يتفقد كلًا منهم على حده واصلًا لهم بحنان وسؤالٍ وخدمة، وود لم يكن له مثيل، وكان قريباً من القلب غير متكلف، يقوم بالواجب مع القريب والبعيد، وابتسامته لا تفارق محياه، لم يلحظ عليه يوماً صد أو عبوس رغم ازدياد أشغاله ومسؤولياته، بل كان ذلك الهي اللي، يحبه الصغار والكبار، عرف كيف يحاكي كل فرد بلغته التي يفهمها ويحبها.

وعلى الرغم من انشغالاته الكثيرة ما بين طلب العلم والإشراف عليه، ووظيفته، إلا أنه لم يفرط يوما في حقوق والديه عليه، من سؤال وزيارات وتلبية للحاجات، كان يتفنن في برهما ورعايتهما، وإدخال السرور على قلبيهما، كان أشد ما يحرص على موعده الأسبوعي مع والدته فيقضي معها ما تريد من أعمال أو يزور معها أحدث الأماكن... توفى خالد ووالده يردد: «لا يوجد كلام يفي ابني حقه، يكفي أنه لم يغضبني أو يحزنني يوما قط، لم أفقد ابني فقط بوفاته بل فقدت بفقده صديقاً وأخاً وأباً».

لم تكن مبادراته تقف عند أسرته بل امتد بره ليصل عائلته الممتدة فكان يحرص على الأنشطة الاجتماعية التي تجمعهم ففي كل عام يبادر ليجهز المخيم البري تجهيزا كاملا، ويقوم بترتيبات لأنشطة مختلفة مما يجمعهم ويسعدهم، وتفنن بإعداد السفرات الخارجية لمحارمه، وسافر معهم لمختلف الأماكن وخاضوا مختلف التجارب.

وكانت له مبادرة أسرية رائدة فقد ابتدأ فكرة في جمع الصدقات لمشروع وقفي يتشارك فيه جميع الأقارب فيجمعهم الأجر كما جمعهم الرحم ... ومنها تولدت فكرة «وقف الشاكرين» انطلاقا من الآية الكريمة «لئن شكرتم لأزيدنكم» فتشارك الكل في بناء المساجد ودور العلم وكفالة حفاظ القرآن وغيرها من أبواب الخير ذات الأجور العظيمة، في مختلف دول العالم.

حب الدعوة:

إن فقيدنـا الغالي نشأ على مكارم الأخلاق، متحليا بالاستقامة، يرجو لأمته العزة والكرامة، فسعى بهمة وإخلاص إلى أن يكون له أثر في نهضتها وإعادة عزها، فشمر عن ساعد الجد في العمل الخيري والدعوي مع مبرة المتميزين، وحلقات القرآن، والرفقة الصالحة، ثم أقبل على طلب العلم فنهل من حياضه، وأدرك أهميته في نهضة الأمة، فصار يحلم بمشروع خيري متميز في خدمة العلم، وسعى إلى تحويل حلمه إلى واقع، فأنشأ مع أخيه الأكبر فضيلة الدكتور ياسر عجيل النشمي مركزاً مُجَدِّداً، فكان بذرة رعاها بعطائه وإخلاصه نمت وسمت حتى صارت شجرة مثمرة، ثم ارتقت فصارت شجرة راسخة الجذور وارفة الظلال كثيرة الثمار، فكان أحد أهم مؤسسي (جمعية الراسخون في العلم) الخيرية التي كانت رسالتها هدفه الأسمى، وكان نجاحها وتميزها شغله الشاغل، يعطيها أكثر مما يأخذ منها، لا يكاد يمر عليه يوم إلا وهو فيها يقوم على إدارتها بهمة وإخلاص يتابع أعمالها ويرعى نهضتها، يتقرب بذلك إلى الله ويرجو الثواب يوم لقاه .

أحب فقيدنا العلم وسلك طريقه وترقى في مدارجه حتى حصل على الدكتوراه في التمويل والاقتصاد الإسلامي، وحرص على خدمة طلاب العلم وتذليل العلوم وتقريبها للراغبي بالتحصيل، فأسهم من خلال إشرافه المباشر على الجمعية بهذه الأعمال الجليلة التي تحقق هذا الهدف النبيل.

التطوير الذاتي:

كان دؤوب السعي لتطوير نفسه، وتعلم الجديد. وحرص على نقل ما تعلمه بصدق ودقة لكل من حوله، رغبة في مشاركتهم الخير، لم يكن يبخل بعلم أو مهارة أو معرفة.

أحب التجارب الجديدة والاستكشاف، كان للسفر معه متعه خاصة، فهي تجربة إيمانية استكشافية تربوية مختلفة، يختلط فيها بشعوب الدول ويزور أماكنهم المحلية ومساجدهم، يلتقي بأئمتهم ويقضي لهم ما استطاع من حوائج.

كان حنوناً قريباً، ملجأً لأهله وأصحابه، يدخل من الباب ويدخل معه الفرح، يمزح مع الصغير والكبير، وكأن صوته الآن في أذني أين القهوة والتمر؟

يتفقد أهله دائما، وكأنه يشعر بأحوالهم قبل أن ينطقوا بها، يحرص على اغتنام الفرص لإبهاجهم ومفاجأتهم بما يحبون.

شجع الأطفال والشباب على حفظ المتون، والترقي في المهارات العلمية، والفنية والتجارية، يدعمهم ويعطيهم المكافآت، أحب العلم والقراءة فلا تكاد تراه فارغاً أبداً إلا وفي يده كتاب ...خلّف رحمه الله بعده مكتبة فريدة متميزة، أسسها في بيت أهله احتوت على كتب شرعية وعلمية وأدبية، كلما فتحنا منها كتابا، وجدنا تعليقاته ومناقشاته عليها، كان عف اللسان شديد حسن الظن بالناس بلا سذاجة، لم يذكر شخصاً بسوء في غيابه، وإذا اغتيب عنده أحد صمت أو ترك المكان.

كان محبا لتعلم الهوايات والمهارات الجديدة دائما، يرى فيها توسيعا لأفق الإنسان ومداركه، فتعلم الفنون القتالية، والسباحة والغوص، والرماية، حضر عدداً لا يعد من الدورات التدريبية المتخصصة في مختلف المجالات، أحب التكنولوجيا واستغلها في العلم والدعوة... كان متعدد المواهب مجداً فيها لا يتركها حتى يتقنها.

أهم المواقف:

عاش حياة غنية بالتجارب وفريدة، ولكن الحديث عن أهم المواقف في حياته رحمه الله كان صعبا، ليس لأن حياته لم تحفل بالمواقف التي تستحق أن تروى، ولكن لأنه كان ممن يسمع عنه لا منه، تفنن في إخفاء آثاره العظيمة التي تركها في كل من التقى به ...

عنْ أَبِي  هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ صَائِمًا؟»  قَالَ  أَبُو  بَكْرٍ  رَضِيَ  لَّله  عَنْهُ:  أَنَا، قَالَ:  «فَمَنْ  تَبِعَ مِنْكُمْ  الْيَوْمَ  جَنَازَةً؟»  قَالَ  أَبُو  بَكْرٍ رَضِيَ  الَّله عَنْهُ: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مِسْكِينا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ الَّله عَنْهُ: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ عَادَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟» قَالَ  أَبُو  بَكْرٍ  رَضِيَ  الَّله  عَنْهُ:  أَنَا، فَقَالَ  رَسُول  الَِّله  صلى  الله عليه وسلم: «مَا اجْتَمَعْنَ فِي  امْرِئٍ  إِلَّا  دَخَلَ  الَْجنَّةَ».

كان خالد أشد ما يحرص على أن يعيش يوماً كأبي بكر الصديق رضي الله عنه فكان يخرج في كل جمعةٍ من رمضان (مالم يكن معتكفا في العشر الأواخر من رمضان في المسجد) صائماً، يتبع جنازة ويعود مريضا ويفطر صائماً، لم ندخل يوماً إلى مجمع تجاري أو مستشفى إلا وعرفه حراس الأمن ورجال النظافة، كان يحرص على ممازحتهم وسؤالهم عن أحوالهم وحفظ أسمائهم ... كان يتقرب إلى الله في إدخال السرور عليهم حبا لا تكلفا ولا شفقة، عاش تجربة في بداية حياته غيرت نظرته للدنيا والموت، كان معتكفاً في المدينة المنورة وحده، اختار جوار الحبيب صلى الله عليه وسلم وبركة المكان كي ينجز بحثاً شرعياً له، أصابته أزمة تنفس فأخذ دواء جديداً لم يجربه من قبل، وظهرت آثار التحسس عليه فدخل في غيبوبة بسببه، وعندما أفاق في المستشفى وجد شهادة الوفاة قد علقت على سريره، احتفظ بتلك الشهادة إلى يوم وفاته قريبة منه يذكر نفسه دائماً بأن الموت أقرب إلينا مما نظن، عاش ما بقي من حياته وهو يرى آخرته.

أهم المنجزات:

أنشأ رحمه الله (مشروع التعليم الشرعي الإلكتروني) الذي استفاد منه في عام واحد أكثر من خمسة آلاف طالب علم وطالبة من بلاد شتى من أقطار العالم.

✾ بحث الجودة في التدقيق الشرعي (مؤتمر التدقيق الشرعي في سلطنة عُمان) لشركة شورى في أكتوبر 2019م، ووافته المنية قبل المؤتمر بشهر وناب عنه في تقديم البحث الدكتور ياسر النشمي.

✾ أشرف على تصوير ثمانية سلاسل مرئية في شرح المتون العلمية الشرعية وتقريبها لطلاب العلم بأسلوب عصري.

✾ سعى لتحويل المتون العلمية الشرعية إلى تطبيقات للأجهزة الذكية وتم إصدار ست تطبيقات لاقت قبولًا وإقبالًا.

✾ أشرف على تأليف سبعة عشر كتاباً من الكتب العلمية التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتعرض الشرح المعاصر للمتن القديم مع تطبيقات مهمة وأسئلة متنوعة ثرية وتشجيرات مفيدة، كما أشرف على طباعتها بصورة عصرية مشرقة تجذب الأنظار كما أشرف على تحويل مناهج الجمعية (جمعية الراسخون في العلم الخيرية) إلى حقيبة تعليمية متكاملة تحوي المتن والشرح والتمارين، مع مشاهدة فيديو لشرح الدرس، وسماع المنظومات العلمية مضبوطة بدقة ومسجلة بصوت عذب، وذلك بواسطة تفعيل الباركود.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر:

الوفاء الصراح لتراجم رجال الإصلاح (دولة الكويت، المجموعة الخامسة). إعداد: عادل سعد العصفور؛ مراجعة: عبدالحميد جاسم البلالي. ط1، 2024.

الموقع الإلكتروني:

https://eslah.com/wafaa5.pdf

التصنيفات:

→ العودة إلى تصنيف «أعلام العمل التطوعي رجال»