تخطّي إلى المحتوى
المجلد الأول · إصدار ١٤٤٧هـEST. 1442 AHدولة الكويت
ويكي خير
موسوعة العمل الإنساني

أعلام العمل الخيري رجال

خالد أحمد الصالح

خالد أحمد الصالح
خالد أحمد الصالح

المولد والنشأة

وُلِد الدكتور خالد أحمد الصالح في 27 أكتوبر 1953م، في حيّ «المرقاب» أحد الأحياء القديمة في قلب مدينة الكويت، حيث عاش أولى سنواته الست في كنف بيئة اجتماعية زاخرة بالأصالة والقيم الكويتية، ثم انتقل مع أسرته إلى منطقة «الفيحاء»، وهناك بدأت تتشكَّل ملامح شخصيته المبكرة بين جنبات الحيِّ والمدرسة، ففتح وعيه على حبّ الأدب والعلم منذ نعومة أظفاره.

نشأ في زمنٍ سابِقٍ على الطفرة الاقتصادية، وكان شاهداً على تحوُّلات الكويت من دولة بسيطة إلى مركز حضاري وإنساني عالمي.

تلقَّى تعليمه الابتدائي في مدرسة «ابن رشد»، ثم واصل دراسته المتوسطة والثانوية في «الفيحاء»، وظهرت بوادر نبوغه العلمي مبكراً، إذ جمع بين عشق الفيزياء وشغف الأدب، وتعلَّق باللغة العربية وتعبيراتها الراقية، حتى حفظ أقوال الجاحظ وتأثر بفكر المنفلوطي، مما زرع فيه بذور التوازن بين العقل والعاطفة، وبين التخصص والعطاء المجتمعي.

هذا الوعي المتفتح المقترن بالفضول العلمي، دفعه للتفكير في التخصص الطبي، مع إصرارٍ على أن يكون للطبيب دور يتجاوز العيادة إلى الميدان الثقافي والإنساني، وهو ما سيُشكِّل فلسفة حياته ومسارها المهني.

التعليم والتكوين العلمي

التحق الدكتور خالد الصالح بكلية الطب في «جامعة الإسكندرية» بعد أن حالت الظروف الجيوسياسية دون افتتاح كلية طب محلية في الكويت، وكانت دراسته هناك امتداداً لرحلة علمية صارمة، لكنها مشبعة بالحنين للهوية.

وتخرَّج عام 1981م، ثم انتقل إلى اليابان لاستكمال دورة متقدمة في العلاج الإشعاعي، ومن هناك بدأت رحلته التخصصية الدقيقة. التحق بمستشفى «ميدلسكس» في لندن بين 1986 و1989م ضمن برنامج الزمالة في الأشعة، قبل أن يسافر إلى بولندا عام 1992 للحصول على البورد البولندي في العلاج الإشعاعي والأورام (PES) من معهد «ماريا سكودوفسكا كوري»، ثم أكمل سلسلة من الدورات التدريبية المتقدمة في فرنسا وألمانيا وتركيا وأمريكا، شملت المسرعات الخطية، والعلاج الموضعي، والعلاج التلطيفي، والطوارئ الإشعاعية.

هذا المسار العلمي المتعدد الثقافات والأكاديميات صقل قدراته، وربط بين شغفه الفيزيائي والتطبيقي واهتمامه الإنساني في معالجة مرضى السرطان، حتى أصبح من أبرز استشاريي هذا التخصص في الكويت والخليج، وأكثرهم التزاماً بالتطوير الذاتي والتعليم المستمر.

ولأن التعليم كان بالنسبة له رسالة؛ انصرف إلى تدريس الأطباء الشباب، وتدريب الطواقم الطبية على الكشف المبكر والتعامل الإنساني مع المرضى، ليصبح قدوة تجمع بين العلم والأدب والرحمة في آنٍ واحد.

الحياة العملية والمهنية

بدأ الدكتور خالد الصالح مسيرته المهنية في «مركز الكويت لمكافحة السرطان»، وتدرَّج في المناصب من طبيب مقيم إلى رئيس قسم العلاج الإشعاعي، وظلّ على مدى أكثر من ثلاثة عقود ركيزة من ركائز هذا الصرح الطبي، وتولَّى رئاسة مجموعة أورام الرأس والعنق والرئة، وأسهم في تطوير أدلة إرشادية للعلاج الإشعاعي على مستوى الخليج، وتعاون مع زملائه لإصدار مرجعية طبية موحَّدة في هذا المجال.

كذلك تولى مسؤولية تأسيس «مركز الرعاية التلطيفية» في الكويت، وكان له الدور الأول في اقتراحه وإنشائه، ثم ترأس لجنة تصميمه، وساهم في تأمين تمويله من الجهات الخيرية، إلى أن افتُتح رسمياً تحت رعاية سمو الأمير.

خاض الصالح تجارب عمل طبية وإنسانية في دول عديدة؛ مثل: اليابان وبولندا وبريطانيا وتركيا، لكنه ظل وفيًّاً للمركز الذي انطلق منه، محافظاً على علاقته بزملائه ومرضاه، وعلى إيمانه بأن الطب رسالة قبل أن يكون مهنة، كما قدَّم أكثر من أربعين بحثاً علمياً في مؤتمرات دولية، نُشرت في مجلات مرموقة مثل Journal of Clinical Oncology وMedical Principles and Practice، مما جعله علَمَاً مرجعياً في تخصصه، ووجهاً مشرفاً للكويت في المحافل العلمية العالمية، وأصبح استشاري الأورام ورئيس قسم العلاج الإشعاعي والأورام بوزارة الصحة. وتقاعد عن العمل عام 2021م، لكنه استمر في أداء رسالته الإنسانية وأعماله التطوعية في مجال تخصصه.

الجانب التطوعي والإنساني

امتزجت مسيرة الدكتور خالد الصالح المهنية بالعمل التطوعي منذ بداياتها، فكان عضواً ناشطاً في «الجمعية الكويتية لمكافحة التدخين والسرطان»، ثم اختير أميناً عاماً لها، وتدرَّج حتى أصبح رئيساً لمجلس إدارتها، وأطلق من خلالها الحملة الإعلامية الوطنية «وطن واعٍ بالسرطان (CAN)»، والتي حظيت برعاية سامية، وأسَّس صندوقاً خيرياً لمساعدة مرضى السرطان على العلاج وتغطية التكاليف الطبية والمعيشية خلال فترة توقف المريض عن العمل، كما اقترح فكرة إنشاء «مستشفى الرعاية التلطيفية»، وسعى إلى تنفيذها من خلال شراكات خيرية واسعة، وترأَّس «رابطة الأورام الكويتية» حتى مارس عام 2022م، ليصبح بعدها رئيساً فخرياً للرابطة، وبتنسيق مباشرٍ معه أنشأتْ «لجنة القدس» مستشفى الأشعة، وكذلك أسَّس «الاتحاد الخليجي لمكافحة السرطان» في 2002م، وتولى أمانته العامة حتى اليوم، وأصبح الأمين العام لـــــــ «الاتحاد العربي للوقاية من الإدمان»، والأمين العام المساعد لـــــ « رابطة الأطباء العرب لمكافحة السرطان (آماك)»، وأنشأ «المجلة الخليجية للأورام»، وهي أول مجلة مُحكَّمة في هذا التخصص على مستوى المنطقة، كما أطلق مبادرة «توعية بلا حدود»، التي جمعت بين أطباء وإعلاميين وعلماء شرعيين لتقديم خدمات ميدانية في التوعية والعلاج في اليمن والسودان وغيرها.

يؤمن الدكتور الصالح بأن الطبيب لا يحقق رسالته الحقيقية ما لم يخرج من عيادته إلى المجتمع، ومن خلف الميكروسكوب إلى الميدان، ولهذا صاغ مشروعه المهني كرسالة حياة متكاملة، تؤمن بأن المعرفة مسؤولية، والرحمة التزام، والتطوع ضرورة حضارية .

الجوائز والتكريمات

لم تكن الجوائز هدفاً في مسيرة الدكتور خالد الصالح، لكنها كانت شاهداً على أثره البالغ في مجاله، فقد حصل على «جائزة منظمة الصحة العالمية لإقليم شرق المتوسط» عن مجهوداته في مكافحة السرطان وأمراض القلب والسكري، ونال «جائزة الشيخ صباح الأحمد للتميز الطبي»، و «جائزة التميز الخليجي» من «جمعية الإمارات للأورام»، و «جائزة الاتحاد العربي للوقاية من الإدمان» عام 1995م، و «جائزة أطباء الأورام المتميزين» من «رابطة الأطباء العرب لمكافحة السرطان» عام 2009م، و «جائزة الكويت للتطوع الأولى» عن فئة الجهود التوعوية والخدمات المجتمعية والمبادرات الاجتماعية عام 2009م، و «جائزة منظمة الصحة العالمية - المكتب الإقليمي لشرق المتوسط» عام 2013م.

كما تم تكريمه من الأمانة العامة للأوقاف ومن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تقديراً لعطائه في الخدمات الصحية والاجتماعية عام 2012م، وأُدرج اسمه كخبير في منظمة الصحة العالمية، واختير ممثلاً للكويت في «الاتحاد الدولي لمكافحة السرطان»، وعضواً مراقباً في لجان الصحة الإقليمية والدولية، وتُوِّجت جهوده بتكريم من اتحاد وزراء الشؤون الاجتماعية في دول الخليج عن «مشروع صندوق مرضى السرطان»، وجوائز أخرى متنوعة في مجال مكافحة مرضى السرطان.لقد كانت هذه الجوائز انعكاساً لالتزامه الجاد بالطب والتوعية والخدمة المجتمعية، ورسائل شكر من مؤسسات محلية ودولية لأحد أبناء الكويت المخلصين الذين حملوا همَّ الأمة، وعملوا بصمت، وبذلوا في صمت، وتركوا في كل محطة أثراً لا يُمحى.

الاهتمامات الثقافية والبحثية والأدبية

في موازاة إنجازاته الطبية والإنسانية؛ ظلَّ الدكتور خالد الصالح وفيًّاً لشغفه القديم بالأدب والثقافة، فألَّف أربع مجموعات قصصية قصيرة نُشرت في مجلة البيان التابعة لرابطة الأدباء الكويتيين، وكتب مقالات توعوية وثقافية في صحيفة «الراي» ضمن زاويته الأسبوعية «من خميس إلى خميس»، ورأى في القصة القصيرة شكلاً أدبياً مستقلاً لا يقل أهمية عن الرواية، واعتبر الكتابة وسيلة لطرح قضايا مجتمعية بعمق إنساني، وترجم كتاباً طبياً مرجعياً من اللغة الإنجليزية إلى العربية بعنوان «محاضرات في الأورام السريرية»، وألَّف كتباً توعوية مثل: «الإدمان مرض هذا العصر»، و «الطب التلطيفي».

وآمن بأن اللغة العربية قادرة على التعبير عن أعقد المفاهيم الطبية، وسعى إلى أن تكون لغة الطب لغة تواصل ووعي في العالم العربي، وترأَّس تحرير مجلة «حياتنا» ومجلة «الأورام الخليجية». أما على مستوى البحث العلمي؛ فقد قدَّم أكثر من أربعين ورقة بحثية، نُشِرت في مجلات دولية مرموقة، تناولت أمراض الرئة والغدة الدرقية والرأس والعنق وتأثيرات العلاجات المختلفة، فكان بذلك صوتاً علمياً مبدعاً، وريشةً أدبية صادقة، وطبيباً تجاوز حدود التخصص إلى آفاق الفكر والوعي، ما جعله أحد روَّاد الطب والإنسانية في الكويت والمنطقة.

التصنيفات:

→ العودة إلى تصنيف «أعلام العمل الخيري رجال»