تخطّي إلى المحتوى
المجلد الأول · إصدار ١٤٤٧هـEST. 1442 AHدولة الكويت
ويكي خير
موسوعة العمل الإنساني

أعلام العمل الخيري رجال

جمال عبد الخالق عبدالله النوري

جمال عبد الخالق عبدالله النوري
جمال عبد الخالق عبدالله النوري

المولد والنشأة

وُلِدَ المهندس جمال عبد الخالق عبدالله النوري في 1/7/ 1958م، في بيئةٍ كويتية محافظة، ونشأ على سيرة أسرةٍ كَرَّمها الله بالعلماء والدعاة وروَّاد الخير، وفي مقدمتهم الشيخ محمد النوري، ثم ابنه الشيخ عبد الله محمد النوري، ثم الشيخ نادر عبدالعزيز عبد الله محمد النوري، والذين شكَّلوا الإرث المعنوي للأسرة، ومصدر الإلهام لمسار حياة، يرون العمل العام رسالة قبل أن يكون وظيفة.

في هذه الأجواء تشكَّلت ملامح شخصيته: في الانضباط والعلاقات الاجتماعية وعمل الخير.

وقد أتاحتْ له طبيعة البيت وصداقات الأسرة ودوائرها أن يسمع كثيراً عن جدِّهم الشيخ محمد النوري ودوره الاجتماعي وتدريسه في المدرسة المباركية، وعن سيرة ابنه الشيخ عبدالله النوري؛ عِلمه ومؤلفاته الكثيرة وشعره وتدريسه وبرامجه في الإذاعة والتلفزيون وإجاباته عن أسئلة الناس بسماحة ووسطية، ورحلاته التي عزَّزت صلته بأحوال المسلمين في الشرق الأقصى وغيرها، وتبرعات المحسنين من أبناء الكويت لينفِّذ لهم مشاريع خيرية في تلك الدول، واحتكاكه مع الشيخ الدكتور نادر النوري الذي كان يدير الجمعية وينفِّذ برامجها ومشاريعها، وتأثُّره بزيارته له أثناء مرضه في لندن عام 2006م، وقبل وفاته، فقد كان لتلك الزيارة الأثر الكبير في تغيير مساره من العمل الوظيفي إلى العمل الخيري، إذْ حثَّه الشيخ نادر على التفرُّغ للعمل الخيري، وهو ما حدث فعلاً في عام 2009م، عندما استكمل ثلاثين عاماً في وظيفته بشركة النفط، فتقاعد ليتفرَّغ للعمل بجمعية الشيخ عبدالله النوري الخيرية، ويصبح رئيس مجلس إدارتها. هذا المخزون القيَمي والوجداني صنع لدى جمال النوري حِسَّاً عملياً بالمسؤولية.

وقد تفتَّحت عينه على معنى «الامتداد»؛ كيف انتقلت أمانات الراحل الكريم الشيخ عبدالله النوري لتكون نواةً لمؤسسة خيرية تحمل اسمه بعد وفاته عام 1981م (جمعية الشيخ عبدالله النوري الخيرية)، وكيف تحوَّل الحزن إلى طاقة بناء عبر جهد جماعي قاده ثُلُّة من رجالات الكويت ومحبِّي الشيخ وطُلَّابه، فقد أوصى الشيخ عبدالله النوري الشيخ يوسف جاسم الحجي بتنفيذ مشاريع خيرية من أموال المحسنين الذين تبرعوا له وأودع تبرعاتهم في أحد حساباته الشخصية بعد وفاته.

هذا الوعي بالامتداد التاريخي رسَّخ لديه أن العمل الخيري ليس هبَّات متفرِّقة، بل هو مسار مؤسسي متصل يبدأ من فكرة صادقة وينضج بخطط وفِرق وشراكات، ويُقاس أثره بما يُخلِّفه من تعليم وعقل راشد وإنسان قادر، ومن هنا نفهم كيف تعلَّم الإصغاء لاحتياجات الداخل والخارج، ومن ثم بنى - من خلال العاملين في جمعية الشيخ عبدالله النوري الخيرية - مشروعات تتسق مع طبائع المجتمعات التي تخدمها، فأحسن استثمار المكانة التي حازتها الكويت «مركز العمل الإنساني» في ترسيخ ثقافة العطاء المُنظَّم.

التعليم

درس جمال النوري الابتدائية والمتوسطة في «مدرسة الجيل الجديد الخاصة» بمنطقة «حولِّي»، ثم درسَ الثانوية في «ثانوية العديلية» التي تُسمَّى اليوم «ثانوية أحمد مشاري العدواني»، ثم اتجه للدراسة في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية في جامعة «سيراكيوز»، تخصُّص «الهندسة الصناعية» عام 1975م، وحصل على بكالوريوس في الهندسة الصناعية وبحوث العمليات عام 1978م، وتجلَّت ملامح التخصص لدى جمال النوري في اختياره المسار الهندسي.

وقد أسهم تكوينه العلمي في ترسيخ عقل منهجي يُحسن تعريف المشكلة قبل اقتراح الحل، ويؤمن أن الجودة ليست شعاراً بل دورة حياة كاملة تبدأ من التخطيط وتنتهي بالتقييم والتحسين المستمر.

هذا التكوين عكس نفسه على أدواته اليومية: بناء فِرق تعرف أدوارها، ووثائق عمل، ونماذج متابعة، ومؤشرات أداء تُقاس بوضوح، وثقافة مراجعة ذاتية لا تخشى النقد، وإيمان بأن كل مشروع جيد يبدأ بسؤال: كيف يستمر؟

وقد ترجم ذلك عملياً نحو معايير الحوكمة والجودة، وتوثيق الإجراءات، واستحداث آليات التدقيق الداخلي، ومواءمة متطلبات الجهات الرقابية داخل الكويت وخارجها.

حياته العملية

بعد عودته من الدراسة في الخارج، عمل في الشركات النفطية، وتدرَّج وشغل مسؤوليات كبرى في الشركات؛ منها: نائب رئيس مجلس إدارة «شركة البترول الكويتية العالمية» بين 1994-1996م، وتولَّى مدير الإمداد بين 1996-1999م، في ذات المؤسسة، ورئيس مجلس إدارتها بين 1999-2004م، وعضو منتدب للتسويق العالمي بين 2004-2007م، والعضو المنتدب للتخطيط بين 2007-2009م، و «شركة نفط الكويت» بين 2007-2011م، ورئيس مجلس إدارة «شركة البترول الوطنية الكويتية» بين 2016-2019م.

وقد بذل جهوداً كبيرة في أعماله الوظيفية والإشرافية في القطاع النفطي حتى عام 2009م، ثم مشاركاً في مجالس إدارات تلك الشركات.

الجانب التطوعي والخيري في حياته

تبلورتْ مسيرة جمال النوري العملية في الالتحاق بجمعية الشيخ عبدالله النوري الخيرية عام 2009م، ثم رئاسة مجلس إدارة الجمعية منذ العام 2014م، وجمع بين الإدارة اليومية الحسَّاسة والتمثل العام لجمعية ذات إرث عميق وحضور دولي.

وبدأ بإعادة قراءة ملفات البدايات: تأسيس الجمعية عام 1981م بعد أشهر من وفاة الشيخ عبدالله النوري، وتشكَّل مجلسها الأول، والاطلاع على المشروعات التي تم تنفيذها في إفريقيا (الصومال وجيبوتي وكينيا وملاوي)، وآسيا (الهند وبنغلاديش وإندونيسيا وتايلاند والفلبين وأستراليا).

واتخذ من الزيارات الميدانية وسيلة لاستعادة التاريخ من الواقع: مدارس ومساجد ومشروعات ما تزال شاهدة على عطاء الثمانينيات، ولوحات تأسيس تحمل اسم الجمعية أو أسماء متبرعين كويتيين، وألسنة مستفيدين تُكمل السيرة بما حفظته ذاكرتهم.

داخلياً؛ ساهم مع مجلس إدارة الجمعية والعاملين فيها على ترتيب البيت المؤسسي عبر لجان متخصصة واضحة التكليف: لجنة البعوث الطلابية التي ترعى طلبة من إفريقيا وآسيا يدرسون في المعهد الديني وجامعة الكويت والهيئة العامة للتعليم التطبيقي، تؤمِّن لهم برامج تربوية ورياضية واجتماعية، وتُقدِّم دروس الفقه بما يراعي مذاهب بلدانهم، وتؤهِّل نُخبة منهم في المهارات الإدارية ومشروعات الأثر، مع تمويل مدروس لمبادرات صيفية يعودون بها إلى مجتمعاتهم، و «لجنة التواصل الأسري»، التي ترعى حلقات التحفيظ للبنين والبنات، وتقيم حفلات التكريم السنوية للحفاظ، وتتيح للشباب إطاراً قيمياً منظماً للنشاط الاجتماعي والديني.

وإلى جانب ذلك تتولَّى الجمعية في الداخل كفالة الأيتام، ومساندة الأسر المحتاجة، وبرامج إفطار الصائم، وتوزيع الطرود الغذائية، وتنظيم الأضاحي.

وخارجياً؛ التوسُّع المدروس في حقول التعليم والدعوة بمدارس ريفية صغيرة من أربع قاعات بتكاليف محدودة لقرى في الهند وباكستان وبنغلاديش وإفريقيا، ومُجمَّعات تعليمية تضم فصولاً ومسجداً ومعاهد تدريب مهني ومدارس كبيرة؛ مثل: مدرسة في الصومال تتسع لألف طالب في منطقة «بيدوه»، مع تفكير مؤسسي في مشروع «جامعة بموريتانيا»، تُصاغ رؤيتها وتكاليفها (بحدود مليون دينار) بعناية قبل تسويقها.

وعلى مستوى الإدارة والامتثال؛ ساهم في الحصول على شهادات الجودة الإدارية (الآيزو)، بوصفها جزءاً من منظومة الحوكمة، إذْ تتمثَّل في: إجراءات ونماذج عمل وتدقيق خارجي وفق معايير وزارة الشؤون، واستحداث تدقيق داخلي دائم، وتمكين لجان التدقيق والتنفيذ، وتحديد العلاقة بين مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية بما يحفظ الفاعلية والشفافية.

وعلى خطٍ موازٍ؛ عملت جمعية الشيخ عبدالله النوري الخيرية على احتضان الفِرق التطوعية، لا سيما إبَّان المأساة السورية، إذْ رأت الحماس المتدفق عند الشباب، وأدركت أن الطريق إلى استدامته وإخراجه من المخاطر القانونية والاتهامات العالمية هو «المظلة المؤسسية»، فوفَّرت لهم الآلية السليمة المتمثلة في: حسابات تبرع قانونية، وتحويلات عبر قنوات معتمدة، وتجهيز طرود غذائية، وكسوة ومخيمات إيواء، وذلك بالتنسيق مع وزارة الخارجية والسفارات والجهات الموثوقة في الميدان، وتمكينهم من المتابعة الميدانية المُنظمة، مع لائحة عمل واضحة تضبط التوقعات والنتائج.

هكذا تحوَّل الحماس عند الشباب إلى أثر، وتحوَّلت الرغبة الفردية إلى إنجاز جماعي مصون بالحوكمة.

وفي الميدان الدولي رسخَّت الجمعية أولوية التعليم من المدارس الصفِّية الصغيرة الاقتصادية إلى الجامعات التعليمية المتكاملة، ومن المعاهد المهنية إلى التفكير الجامعي، وكل ذلك في بيئات متنوعة من آسيا إلى إفريقيا.

وحرصت على أن يكون لكل مشروع «هوية مستدامة»، تتمثل في: إدارة محلِّية، وتمويل مدروس، وبرامج قياس أثر.

أما الدعوة فكانت على نهج الوسطية التي نادى بها الشيخ عبدالله النوري، ومن بعده الشيخ نادر النوري- رحمهم الله، واعتمدوا: خطاباً يبتعد عن التطرُّف، ويدعو الناس بلغتهم وثقافتهم، ويُقيم الحجة بالعلم والعمل.

وفي الداخل ظلَّت الجمعية بيتاً دافئاً لليتيم والأسرة المحتاجة، ومائدة رحمة في رمضان، ومنصة تنشئة قرآنية، تُخرِّج حفاظاً يتقدمون للمسابقات الوطنية.

ونظراً لعلاقات السيد جمال النوري الواسعة وشراكاته المتنوعة مع الجمعيات الخيرية الكويتية؛ فقد تم ترشيحه ليكون عضو مجلس إدارة كلٍ من: «جمعية النجاة الخيرية» منذ 2010م، و «الجمعية الكويتية للإغاثة» منذ 2016م، كما كان أمين سر مجلس إدارة «الجمعية الكويتية للتواصل الحضاري» منذ 2015م، وعضو مجلس إدارة «اللجنة العليا للإغاثة» بين 2014 و2016م، ليُعطي من خبراته الإدارية والعملية الواسعة لمؤسسات العمل الخيري، وآخراً تم اختياره رئيساً لمجلس إدارة الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، وذلك بتاريخ 9 ديسمبر 2025.

القيادة المؤسسية والحوكمة والجودة

لا يرى جمال النوري الحوكمة ترفاً إدارياً، بل يعدها شرطاً أخلاقياً ومهنياً لاستمرار الثقة، ومن هنا جاء اندفاعه لترسيخ معايير الجودة الإدارية (الآيزو) داخل الجمعية، فحوَّلها إلى «ثقافة عمل»؛ مسارها: كل إجراءٍ موثًّق، وكل مهمة لها نموذجها، وكل مسار يمر من بوابة «التدقيق الداخلي»، وذلك قبل أن يزوره المدقق الخارجي، وتُحدَّد العلاقة بين مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية بوضوح، يضمن سرعة القرار مع سلامته، وتعمل لجان التدقيق والتنفيذ وفق اختصاصات مكتوبة، ويُفعَّل نظام الشكاوى وخدمات المتبرعين، وتُحفظ السجلات بما يتفق ومتطلبات وزارة الشؤون والأنظمة الدولية ذات الصلة.

وقد جعل للجمعية مساراً متِّزناً، وجعل له أسلوب قيادة يُشرِك فيه الفريق، ويصغي للخبراء، ويحتكم إلى الدليل، ويُبقي باب التطوير مفتوحاً على الدوام.

وقد منحته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لقب «رائد العطاء»، وذلك تقديراً لالتزامه بدعم القضايا الإنسانية، وجاء هذا التكريم خلال انعقاد المنتدى العالمي للاجئين، وبحضور المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين «فيليبو غراندي»، في مقر المفوضية الرئيسي في جنيف.

التصنيفات:

→ العودة إلى تصنيف «أعلام العمل الخيري رجال»