تخطّي إلى المحتوى
المجلد الأول · إصدار ١٤٤٧هـEST. 1442 AHدولة الكويت
ويكي خير
موسوعة العمل الإنساني

أعلام العمل الخيري رجال

جاسم عبدالله جاسم الدبوس

جاسم عبدالله جاسم الدبوس.. أمير الفحيحيل الذي جمع بين حماية الناس وإكرامهم

بعض الرجال تقرأ سيرتهم فتجد من الصعب أن تفصل فيها بين العمل الوطني والعمل الاجتماعي والعمل الخيري؛ لأن الحياة عندهم لم تكن مقسمة إلى أبواب مستقلة. وكان جاسم بن عبدالله بن جاسم الدبوس من هؤلاء الرجال.

وُلد سنة 1856م في مدينة الكويت، في حي الشرق، وتحديدًا في فريج الزهاميل، ونشأ في أسرة غرست في أبنائها ما كان المجتمع الكويتي القديم يعدّه من أصول الرجولة: الفزعة، والكرم، والوفاء، والشجاعة، وحفظ الجار، والوقوف مع الناس عند الحاجة. ولم تكن هذه الصفات دروسًا تلقن، بل نمط حياة يراه الطفل كل يوم في بيته ومجتمعه، حتى يصبح جزءًا من تكوينه.

وحين كوّن جاسم الدبوس أسرته، حرص بدوره على أن تنتقل هذه الروح إلى أبنائه. تزوج ورُزق ذرية كبيرة، وظل حريصًا على تربيتهم على الأخلاق والمروءة وصنع المعروف، حتى امتدت آثار تلك التربية في أجيال الأسرة من بعده. فالمال يمكن أن يقسم بين الورثة وينتهي، أما الخُلق حين ينتقل إلى الأبناء فإنه يتكاثر.

عرف جاسم الدبوس بالشجاعة والكرم وحبه الشديد للكويت. وكان اجتماعيًا بطبعه، يدرك أن قوة المجتمع تبدأ من تماسك أفراده. وعندما انتقل إلى الفحيحيل بنى بيتًا واسعًا وألحق به براحة وديوانًا كبيرًا، لكنه لم يجعل ديوانه مكانًا مغلقًا على أهل البيت والخاصّة؛ فتحه للغريب والقريب، ولأهل البلدة، ولمن يريد المشورة أو اللقاء أو إصلاح أمر بين الناس. وهكذا تحول الديوان إلى مساحة من مساحات المجتمع؛ تُستقبل فيه الضيوف، وتُناقش الشؤون، وتتقوى فيه روابط المودة.

وكانت انتقالته إلى الفحيحيل نفسها فصلًا من فصول الوفاء الوطني. فقد طلب منه الشيخ مبارك الصباح أن ينتقل إليها للمساهمة في حماية المناطق الجنوبية من الأخطار والإغارات، فاستجاب للطلب، وانتقل عام 1897م مع أبنائه وإخوته، ثم عُيّن أميرًا على الفحيحيل. لم يكن المنصب عنده لقبًا للوجاهة، بل تكليفًا بحماية المكان وأهله. وقد شارك كذلك في معركة هدية سنة 1910م، في صورة تؤكد أن حضوره لم يكن إداريًا أو اجتماعيًا فقط، وإنما كان حاضرًا في ساعات الخطر أيضًا.

وقبل أن يرتبط اسمه بإمارة الفحيحيل، عرف البحر جاسم الدبوس وعرفه. كان من نواخذة السفر المشهورين، وامتلك عددًا من السفن، منها الجالبوت «مغيضة»، والشوعي «سمحان»، والبقارة «بنت البدو». والبحر في الكويت القديمة لم يكن مجرد مهنة؛ كان مدرسة قاسية تعلم قائد السفينة أن يتحمل مسؤولية الرجال الذين معه، وأن يوازن بين الربح وسلامتهم، وبين قوة القرار والرحمة.

وتظهر هذه الروح بوضوح في قصة أحد بحارته، الشاعر تومي بن جمعان العازمي. كان البحارة في عرض البحر واقترب موسم العودة، فاشتاق الرجل إلى أهله ودياره، وعبّر عن حنينه بأبيات شعرية سمعها النوخذة جاسم الدبوس. فما كان منه إلا أن أمر بإنهاء الرحلة والعودة قبل الموعد، مكتفيًا بما رزقهم الله به في ذلك الموسم. في ذلك القرار البسيط تختصر فلسفة كاملة في القيادة: البحار ليس يدًا تعمل فقط؛ وراءه قلب يشتاق، وأسرة تنتظر. وقدّم الدبوس خاطر رجاله على بضعة أيام إضافية من المكسب.

أما في الفحيحيل، فقد أخذ عطاؤه أشكالًا مختلفة، تجمع بين الدين والاجتماع والرزق. أمر ببناء مسجد الدبوس ليكون بيتًا للصلاة وأحد معالم البلدة، ثم جاء الأبناء من بعده فوسعوه وأعادوا بناءه، ليبقى الأثر ممتدًا بين الأجيال. كما ظل ديوانه مفتوحًا طوال العام، يعيش فيه معنى الضيافة الكويتية كما ينبغي أن تكون: طعام ومجلس وسؤال عن الأحوال ونجدة عند الحاجة.

وكان «مسكر الدبوس» صورة أخرى شديدة البساطة والعمق في الوقت نفسه. فالمسكر منشأة ساحلية تُحتجز فيها الأسماك مع انحسار الماء، وكان في الإمكان أن يصبح مصدرًا تجاريًا خاصًا، لكن جاسم الدبوس جعله مباحًا لأهل الفحيحيل ولكل من يريد أن يأخذ منه السمك بلا ثمن. لم يكن الأمر صدقة موسمية، وإنما موردًا متجددًا يستطيع المحتاج أن يأتي إليه ويأخذ رزقه دون سؤال أو حرج.

وتبرز رؤيته للمسؤولية بصورة أوضح في قصة سور الدبوس. فبعد أحداث الجهراء سنة 1920 ووصول مخاوف من احتمال تعرض الكويت للخطر من الجنوب، طرح فكرة إقامة سور يحمي الفحيحيل. لم ينتظر أن يقوم الآخرون بالمهمة، بل تبرع بجزء كبير من ماله، وأرسل ابنه سلطان إلى الشيخ سالم المبارك طلبًا للمساندة، فجاء الدعم بالأخشاب والأبواب ومستلزمات البناء، وشارك أهل الفحيحيل وغيرهم بالمال والجهد حتى اكتمل السور قرابة عام 1921م. كان سورًا حقيقيًا ببوابتين وستة أبراج، لكنه كان في معناه الأكبر سورًا من التضامن؛ بناه الناس عندما شعروا أن أمن الواحد منهم هو أمن الجميع.

ولم تكن الشجاعة عند جاسم الدبوس منفصلة عن الكرم. فقد حفظ الشعر الشعبي صورته في الذاكرة، ووصفه أحد البحارة بأنه «راعي صحون»، في إشارة إلى سخائه، ووصف أبناءه بالشجاعة. وهكذا بقيت صورته عند من عاشوا معه مزيجًا من الهيبة والسماحة؛ رجلًا يستطيع أن يتقدم وقت الخطر، وأن يفتح بيته وقت الرخاء.

توفي جاسم عبدالله الدبوس سنة 1935م، بعد حياة جمعت البحر بالإمارة، والسور بالمسجد، والقيادة بالرحمة، والكرم بالوطنية.

وربما كان أجمل ما بقي منه أن آثاره لم تكن صامتة: مسجد يرتفع فيه الأذان، وسور ظل عقودًا في ذاكرة الفحيحيل، ومسكر ارتبط بالرزق المجاني، وديوان عُرف بالضيافة، وقصص يرويها الأبناء عن أمير لم يفهم الإمارة بوصفها سلطة على الناس، وإنما مسؤولية عن الناس.

المرجع:

كتاب محسنون من بلدي الجزء 14 د. عبدالمحسن الجار الله الخرافي

https://ajkharafi.com/files/5117/7969/0964/-__14.pdf

التصنيفات:

→ العودة إلى تصنيف «أعلام العمل الخيري رجال»