أعلام العمل الخيري رجال
جارالله حسن الجارالله

المولد والنشأة
وُلد الأستاذ جارالله حسن الجارالله في حيِّ «الصالحية» بمدينة الكويت عام 1952م، بالقرب من مطافئ الهلالي ومقابل بنك التسليف.
ونشأ في أسرة كويتية أصيلة متشبِّعة بقيَم الدين والكرم وخدمة الناس، فقد كان والده واحداً من تلاميذ الشيخ عبد الله الخلف الدحيَّان، وعُرف بحُسن الخط، حتى إنَّ الملك عبد العزيز آل سعود حين زار الكويت استدعاه ليكتب بخطه البديع اللوحات الترحيبية.
هذا الإرث الأُسَري المجبول على حب الدين وخدمة المجتمع انعكس على شخصية جار الله منذ صغره، فشبَّ متعلِّقاً بالعلم والتربية وحب الخير.
كانت تربيته في بيئة يغلب عليها التواصل الاجتماعي، فقد كان بيتهم مجلساً يلتقي فيه أهل الحي، يزورهم كبار العلماء والأدباء؛ من أمثال: الشيخ يوسف بن عيسى القناعي، والشيخ عبد الوهاب الفارس، والشيخ عبد العزيز حمادة، والشيخ أحمد الخميس، وغيرهم من أعلام الكويت الذين شكَّلوا ملامح النهضة الفكرية والاجتماعية في منتصف القرن العشرين، كما تأثَّر بعمِّه الذي كان من المؤسِّسين لـ «جمعية الإرشاد الإسلامية»، وأحد رجالات «جمعية الإصلاح الاجتماعي».
هذا الإرث العائلي زرع في نفسه حب العمل التطوعي والتربوي، وجعل خدمة المجتمع جزءاً لا يتجزأ من شخصيته.
نشأ جار الله في زمن التحولات الكبرى بالكويت، إذْ شهدت البلاد بدايات النهضة العمرانية والتعليمية، وانتقال أبنائها من حياة البحر إلى النفط والعمران، وكان يرى والده وأبناء جيله كيف يؤسِّسون الجمعيات الأهلية، ويمهِّدون لدولة مؤسسات راسخة، فشبَّ وهو يحمل بين جنبيه روح العطاء والإيمان بأن الكويت تستحق أن يُضحَّى من أجلها بالغالي والنفيس، وهكذا بدأ مسيرته التي امتدَّت إلى ميادين التعليم والعمل العام والجانب الخيري والإنساني.
التعليم
بدأ جارالله حسن الجارالله تعليمه الأولي في «روضة المنصور» بمنطقة «الشويخ» في خمسينيات القرن الماضي، ثم التحق بالمرحلة الابتدائية في «مدرسة المثنى» التي كانت قائمة في موقع مجمع المثنى الحالي، وشهِدت تلك المدرسة على أولى خطواته التعليمية، حيث تعرَّف على زملاء جدد وأساتذة، كان لهم أثر في تشكيل شخصيته الطموحة.
واصل تعليمه المتوسِّط في مدرسة «الخليل بن أحمد» في منطقة «كيفان»، ثم أكمل المرحلة الثانوية في «ثانوية كيفان» أيضاً، ليغدو من أوائل شباب الحي الذين تابعوا تعليمهم حتى نهايات المراحل الدراسية، وكان التعليم في تلك الحقبة بمثابة البوابة الكبرى للمعرفة والنهضة، وقد حرصت الدولة على ابتعاث أبنائها المتفوقين إلى الخارج، فكان لجار الله نصيب من هذه الفرص، فواصل دراسته في جمهورية مصر العربية، وهناك انفتح على آفاق أوسع من الفكر والثقافة، وتعرَّف على تجارب تعليمية مختلفة صقَلت مداركه وزادت من وعيه.
ولم تكن إقامته في مصر مجرد دراسة أكاديمية، بل كانت تجربة حياتية كاملة، فقد عايش المجتمع المصري بتاريخه العريق وحراكه الثقافي، وتعرَّف على طلاب من مختلف الأقطار العربية، فتكوَّنت لديه شبكة واسعة من العلاقات الإنسانية والفكرية، وعاد إلى الكويت محمَّلاً بالطموحات، وبإيمان عميق بأن التعليم رسالة، وأن الإنسان المتعلِّم قادر على أن يخدم وطنه في كل الظروف.
هذا الإعداد العلمي والبيئة التي نشأ فيها مهَّد له الطريق لدخول ميادين العمل العام، فقد امتلك أدوات التفكير النقدي والقدرة على التنظيم والإدارة، وهو ما ظهر في حياته العملية؛ سواء أكان ذلك في القطاع الحكومي أم القطاع الخاص، وكذلك في عمله الخيري والتعاوني، وعليه فقد كان التعليم بالنسبة له بوابة العبور نحو خدمة المجتمع والوطن.
حياته العملية
مع عودته إلى الكويت، انخرط جار الله حسن الجار الله في سوق العمل، فبدأ في «شركة التمويل الكويتية»، التي كانت تتبع وزارة التجارة آنذاك، وهناك اكتسب خبرة في شؤون المال والإدارة والتنظيم، ثم انتقل في مطلع الثمانينيات إلى «شركة المخازن العمومية»، التي أصبحت -لاحقاً- من كبرى الشركات المعروفة، وشغل عضوية مجلس إدارتها، وأثبت كفاءة في الإدارة والتخطيط، مما أهَّله لعضويَّة مجالس إدارات شركات أخرى.
لكن روحه لم تكن ميَّالة للانغماس الكامل في الأعمال التجارية، فقد كان يرى في العمل الخاص وسيلة للرزق، ويرى فيه أيضاً فرصة للتفرُّغ لأعمال أوسع خدمة للوطن، لذلك قرَّر -بعد سنوات من العمل المؤسسي- التفرُّغ لنشاطه التجاري الخاص، مواصلاً مسيرة العائلة في الجمع بين الكسب الحلال وخدمة المجتمع.
ومكَّنته تجربته العملية من بناء شبكة واسعة من العلاقات مع رجال الأعمال والتجار الكويتيين، الذين كان لهم دور في دعم المبادرات الخيرية والإنسانية التي أشرف عليها، فقد عُرف عنه أنه كان همزة وصل بين العمل المؤسسي والعمل الأهلي، يجمع بين الانضباط الذي اكتسبه من المؤسسات الرسمية، وروح المبادرة التي تعلَّمَها من التجار والوجهاء الكويتيين.
كما تميَّز في العمل التعاوني، إذْ شغل مواقع مؤثِّرة في «جمعية ضاحية عبد الله السالم التعاونية» و «جمعية الصليبيخات التعاونية»، وكان له أثر بارز في تطوير العمل التعاوني كمفهوم أصيل في المجتمع الكويتي، يجمع بين خدمة الناس وتنظيم حياتهم الاقتصادية، وهذه الخبرة العملية الممزوجة بالتزام أخلاقي راسخ؛ شكَّلت قاعدة لمسيرته التطوعية اللاحقة، والتي برزت بشكل أوضح في الأزمات الكبرى التي مرت بها الكويت.
الجانب التطوعي والخيري
لم يقتصر نشاط جار الله على ميادين العمل الرسمي، بل كان قلبه متعلِّقاً بالعمل الخيري والتطوعي منذ شبابه، فقد شارك في جهود الإغاثة التي أطلقَها الكويتيون نحو إفريقيا في السبعينيات والثمانينيات، فتعاون مع الدكتور عبد الرحمن السميط -رحمه الله- واللجان الإغاثية التي عُرفت آنذاك، وكانت له إسهامات في دعم اللاجئين الأفغان بعد الغزو الروسي لأفغانستان، وكان جزءاً من «لجنة الدعوة الإسلامية» التي خصَّصت جهودها لرعاية اللاجئين.
كما ساهم في إنشاء «مستشفى الفوزان» لعلاج اللاجئين الأفغان، الذي تبرَّعت به عائلة الفوزان الكويتية، وظلَّ المستشفى قائماً يخدم مئات الآلاف، وكان يسافر في بعض الرحلات الإغاثية لمتابعة الأعمال وتقديم الدعم المباشر، رغم صعوبة الظروف وخطورة الأوضاع.
وقد تأثَّر بتراث والده وعمه في «جمعية الإصلاح الاجتماعي»، فشارك في أنشطتها، وحافظ على روح الدعوة والإرشاد والعمل التطوعي داخل الكويت وخارجها، وكان يرى في العمل الخيري امتداداً للقيم الإسلامية الأصيلة، وأنه واجب وطني وإنساني في الوقت نفسه.
هذه الخلفية جعلتْهُ أحد الشخصيات البارزة في الأعمال التطوعية والإغاثية، فكان حاضراً بقوة أثناء الغزو العراقي للكويت، حيث مثَّل العمل التعاوني والخيري خط الدفاع المدني الأول في خدمة المجتمع، وتوزيع المؤن، وحماية الأُسَر، والحفاظ على كرامة الناس، ولم يكن العمل التطوعي بالنسبة له مجرد نشاط جانبي؛ بل أسلوب حياة يترجمه بالجهد والوقت والتضحية.
دوره أثناء الغزو والتحرير
حين وقع الغزو العراقي الغاشم على الكويت في أغسطس 1990م، كان جارالله حسن الجارالله يشغل عضوية مجلس إدارة «جمعية ضاحية عبد الله السالم»، وبحكم غياب بعض الأعضاء؛ أصبح -عملياً- المسؤول الأول عن إدارة الجمعية في تلك الظروف العصيبة، ومنذ اللحظات الأولى أدرك أن عليه واجباً عظيماً، فتنادى مع شباب المنطقة وشكَّل فِرَقاً تطوعية لإدارة التموين والغاز وحراسة البيوت وتنظيم توزيع المواد الغذائية.
كان قراره بإغلاق الجمعية مؤقتاً في الأيام الأولى قراراً جريئاً، إذْ أراد منْع الفوضى، وقَطَع الطريق على تجار الحروب الذين يستغلون حاجة الناس، ثم أعاد فتحها بعد تنظيم العمل وتشكيل فِرَق متطوعين، حتى صار معه أكثر من 50 متطوعاً يديرون أمور الناس.
وقد واجَهَ مخاطر جسيمة، فقد تعرَّض للاعتقال والتهديد بالإعدام أكثر من مرة، ورأى بعينيه كيف يُعذَّب شباب الكويت بسبب توزيع الطحين والغاز، ومع ذلك، واصل الليل بالنهار في خدمة الناس، حتى شهِد له مسؤول عراقي رفيع قائلاً: أراكم تعملون ليل نهار بلا راتب ولا مكافأة!
ولم يقتصر عمله على منطقته، بل ساعد في تموين خمس أو ست جمعيات أخرى، بالتنسيق مع تجار الكويت الذين سلَّموه مخازنهم وبضائعهم لتوزيعها على المحتاجين، كما ساهم مع آخرين في دعم الأسرى الكويتيين في بعقوبة وبغداد، ناقلاً الأموال والاحتياجات لهم، رغم خطورة المهمة.
وقد شكَّل مع شباب المنطقة فِرَقاً لرصد البيوت المهجورة لمنْع سرقتها، ونجحوا في التصدِّي لمحاولات السلْب، واستطاع أن يتحدث مع بعض قادة الجيش العراقي بعد أن عرفوا أنه مسؤول «جمعية الضاحية التعاونية» لتأمين المنطقة ومنع إطلاق النار قُرب المساجد، وهذه الجهود جعلت «جمعية الضاحية التعاونية» مركزاً للعمل الوطني والصمود طوال فترة الاحتلال، وكانت شاهداً على تضحياتٍ لا تُنسى.
ما بعد التحرير.. والإرث
مع فجر التحرير في فبراير 1991م، كان جار الله حسن الجار الله في قلب الأحداث، شاهداً على فرحة الكويتيين بعودة الوطن، فشارك في تنظيم الاحتفالات الشعبية التي عمَّت البلاد، وكان بيته وجمعيته مركزاً للتهاني والتلاقي.
وبعد التحرير، استدعاه سمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء الشيخ سعد العبد الله الصباح رحمه الله، في لقاءٍ مع مجموعة من المسؤولين عن العمل التعاوني، واستعرضوا احتياجات المرحلة المقبلة، خصوصاً توفير السلع الرمضانية بعد نفاد المخزون، وقد رحَّبَ بهم الشيخ سعد، ووجَّه بتقديم الدعم المباشر للتعاونيات، فكانت بداية مرحلة جديدة لإعادة بناء مؤسسات المجتمع.
ولاحقاً، تولَّى رئاسة «جمعية الصليبيخات التعاونية» بتعيين من وزارة الشؤون، وهناك قاد نهضة كبيرة، إذْ ضاعف أرباحها، وشيَّد أكبر سوق تعاونية في البلاد آنذاك، مما جعلها نموذجاً يُحتذى، وبقي في منصبه ست سنوات، عمل خلالها على تطوير الخدمات وتحقيق أرباح تشغيلية، بعيداً عن الاعتماد على الديون أو المساعدات.
وإلى جانب العمل التعاوني، ظلَّ قريباً من ملف الأسرى، يتابع أخبارهم، ويسعى لفكِّ كربهم، كما ساهم في أعمال اجتماعية عديدة داخل الكويت، وظلَّ يشارك في المبادرات التطوعية حتى في أزمات لاحقة مثل جائحة كورونا، وشهد أبناء الكويت استمرار روح الفزعة والتطوع التي تربَّى عليها جيْلُه.
لقد جسَّد الإرث الذي تركه جار الله حسن الجار الله معنى الوطنية الصادقة، كواحدٍ من أبناء الكويت الذين جعلوا من العمل التعاوني والخيري حصناً لأهاليهم في أحْلك الظروف، وستبقى سيرته نموذجاً للصورة المشرقة لجيل مبادرٍ لخدمة وطنه في شتى الميادين؛ سواء أكان ميدان التجارة أم العمل العام أم التطوع الإنساني.
وقد أثْبَتَ أن حب الكويت لا يُقاس بالكلام، بل بالفعل والتضحية، وأن العمل الخيري هو الركيزة التي حفظت الكويت عبر أزماتها المتلاحقة.