تخطّي إلى المحتوى
المجلد الأول · إصدار ١٤٤٧هـEST. 1442 AHدولة الكويت
ويكي خير
موسوعة العمل الإنساني

أعلام العمل الخيري رجال

إبراهيم عبد الله محمد الحمادي

إبراهيم عبد الله محمد الحمادي
إبراهيم عبد الله محمد الحمادي

المولد والنشأة

وُلد الدكتور إبراهيم عبد الله محمد الحمادي في منطقة شرق بمدينة الكويت، في «فريج الماص» تحديداً، حيث عاشت أسرته في أجواء اجتماعية متماسكة اتَّسمت بروح التعاون والتكافل بين الجيران والأقارب، وفي تلك البيئة العريقة التي امتزجت فيها أصالة الماضي بعفوية الحياة اليومية؛ نشأ الطفل إبراهيم وهو يشاهد المواقف الصغيرة التي تغرس في قلب الناشئة حب الخير ومساعدة الآخرين، ومن المواقف التي أثَّرت في وجدانه أنه شاهد جارته ذات يوم تطلب من أهل البيت بعض الخضار البسيطة، كحبات الطماطم، فكان ذلك بالنسبة له درساً مبكِّراً في معاني المشاركة والعطاء، إذ أدرك أن فعل الخير لا يقتصر على الكبار وحدهم، بل يبدأ منذ نعومة الأظفار.

في طفولته التحق بمدرسة «النجاح الابتدائية»، وكانت قريبة من منزله، ثم انتقل إلى المراحل التعليمية المتوسطة والثانوية في «مدرسة صلاح الدين»، وعُرف بتفوُّقه العلمي ونشاطه الاجتماعي، وعلى الرغم من بساطة الحياة آنذاك؛ إلا أن روح التحدي والمثابرة التي اتَّسَم بها، جعلت زملاءه ومعلميه ينظرون إليه بإعجاب وتقدير.

ولم تكن نشأته محصورة على المدرسة فقط، بل كانت المساجد القريبة من منزله محطات تربوية مهمة شكَّلت جزءاً كبيراً من وعيه؛ مثل: مسجد سعد الناهض، ومسجد الرومي، ففيها تعلَّم القرآن الكريم، ومنها استقى قيَم الالتزام والانضباط، وقد انخرط أيضاً في الجماعات الدينية المدرسية، وفي أنشطة الكشافة التي أمدَّته بروح القيادة وحب العمل الجماعي، وكل تلك العوامل ساعدت في تكوين شخصية تحمل بذور العطاء منذ الطفولة، وجعلتْه جزءاً من التغيير، فكان حريصاً منذ صغره على المشاركة في الرحلات، والأنشطة، والتجمُّعات التي تزرع روح التعاون بين الشباب، وهذه البدايات أسَّستْ لمسيرة رجل وهب حياته لخدمة الناس، وبالأخصِّ كبار السن، لتصبح النشأة الطيِّبة والأجواء الأسرية الحافلة بالمحبة منبعاً صافياً لكل عطائه المستقبلي.

التعليم

بعد أن أنهى الدكتور إبراهيم الحمادي دراسته الثانوية في «مدرسة صلاح الدين»، كان شغفه بالعلم ورغبته في خدمة المجتمع دافعاً له لدخول كلية الطب في جامعة الكويت. ورغم أن مسيرته التعليمية تزامنت مع فترة حسَّاسة من تاريخ الكويت، وهي فترة الغزو العراقي عام 1990م، إلا أنه لم يتوقَّف عن المضي قُدماً في سبيل تحقيق حلمه بأن يكون طبيباً يعالج الناس ويخفف آلامهم، ومع أن الغزو حال دون تخرُّجه في موعده المقرر عام 1990م، إلا أنه استمر في دراسته، وتخرَّج عام 1991م، بعد أن عاش تجربة استثنائية كطبيب شبه متخرِّج يخدم أبناء وطنه في أحلك الظروف.

وهذه التجربة العملية عمَّقت داخله الإيمان برسالته الإنسانية، وزرعت فيه الصلابة والقدرة على تحمل المسؤولية، وبعد التخرُّج التحق بوزارة الصحة كطبيب في قسم الجراحة، إذْ وجد في هذا التخصص شغفاً حقيقياً، وكان يحب تفاصيله ودقته، ويستمتع بممارسته، غير أن طموحه لم يتوقَّف عند حدود غرفة العمليات؛ فقد كان يحمل داخله نزعة قيادية دفعته إلى البحث عن مسار يجمع بين الطب والإدارة، ومع مرور السنوات، التفت إلى مجال الصحة العامة، وهو ما فتح أمامه آفاقاً أوسع للعمل المجتمعي.

التحق بجامعة الإسكندرية للحصول على درجة الماجستير في الصحة العامة، ونالها عام 2012م بتقدير امتياز، الأمر الذي أثبت جديَّته وكفاءته الأكاديمية، ولم تقتصر تجربته في مصر على الدراسة فقط، بل امتزجت بعمل تطوعي خالص، إذ كان يخرج بعد صلاة الفجر يتفقَّد الأسر الفقيرة، ويقدِّم لها ما تحتاج إليه، مدفوعاً برغبة داخلية في مساعدة الآخرين، ليؤكِّد أن التعليم عنده وسيلة لمدِّ جسور الخير والعطاء، وقد كانت تلك المرحلة مفصلية في حياته، إذ أهَّلته للانتقال إلى موقع إداري مهم في وزارة الصحة، وأمدَّته بأدوات القيادة العلمية والعملية، ليواصل مسيرته بوعي أشمل ورؤية أبعد نحو خدمة فئة كبار السن التي صارت فيما بعد محور جهوده وعطائه.

حياته العملية

عقب نيله الماجستير، بدأ الدكتور إبراهيم الحمادي مرحلة جديدة من حياته العملية في وزارة الصحة الكويتية، فانخرط في مجال الصحة العامة، ثم عُرض عليه أن يتولى مسؤولية قسم الخدمات الصحية لكبار السن، ولم يكن هذا القسم موجوداً من قبل، إذْ تأسَّس بقرار وزاري عام 2014م، ليتولى مهمة تنظيم ورعاية الخدمات الصحية المقدمة لكبار السن في الكويت، وقد وقع الاختيار على الدكتور الحمادي ليكون من أوائل من يقودون هذه الإدارة الجديدة، لما عُرف عنه من كفاءة وقدرة على التنسيق بين الجهات المختلفة، ومنذ توليه رئاسة القسم؛ أطلق سلسلة من المبادرات التي استهدفت رفع جودة الخدمات الطبية والاجتماعية المُقدمة لهذه الفئة، وبادر بالتنسيق مع الجمعيات التعاونية والخيرية والقطاع الخاص، ليُعدَّ منظومة متكاملة من الشراكات المجتمعية. ومن أبرز إنجازاته خلال أزمة جائحة كورونا؛ إشرافه على تحويل «مستشفى مبارك القديم» إلى مركز متخصص لإيواء كبار السن من طريحي الفراش، بالتعاون مع شركة نفط الكويت وإدارة مستشفى مبارك، وقد شكَّل ذلك إنقاذاً لعشرات المرضى من كبار السن، حيث تم توفير بيئة آمنة حالت دون إصابتهم بالفيروس، وإلى جانب ذلك، كان له دور بارز في إدخال مفهوم «التشيُّخ الصحي»، الذي يهدف إلى تمكين كبار السن من العيش باستقلالية وكرامة أطول فترة ممكنة، كما شارك في وضع الخطط الاستراتيجية بالتنسيق مع لجان وطنية تضم شخصيات بارزة؛ مثل: الدكتور عبدالمحسن الخرافي، والدكتور فيصل الصفي، وإلى جانب عمله المحلي، مثَّل الكويت في لجان خليجية وإقليمية وعالمية معنيَّة بصحة كبار السن، ما جعله صوتًا بارزاً ينقل تجربة الكويت في هذا المجال.

هذه المسيرة العملية كانت له رسالة حياة، إذ آمن بأن الطبيب لا يقف عند حد علاج المرضى، بل يمتد دوره إلى بناء سياسات ورؤى تضمن حياة أفضل للمجتمع ككل.

الجانب التطوعي والخيري

ارتبط اسم الدكتور إبراهيم الحمادي بالعمل التطوعي منذ فتوَّتِه، حين انخرط في الأنشطة المدرسية والدينية، وكان عضواً نشطاً في الجماعة الدينية بالمدرسة، كما شارك في الكشافة التي علَّمتْه الانضباط والقيادة وروح الفريق، ومع دخوله الجامعة، توسَّعت دائرة نشاطه التطوعي ليصبح رئيس رابطة طلبة الطب في الكويت عام 1985م، كما مثَّل بلاده في اتحاد طلاب الطب في العالم، بل ورَأَسَ اتحاد طلاب الطب للاَّجئين، وبرَزَ موقفه الشجاع عندما رفض مشاركة الوفد الصهيوني في أحد المؤتمرات، وأجبره على الاعتذار، معبِّراً بذلك عن الموقف الكويتي الأصيل الداعم للقضية الفلسطينية.

وهذه التجارب الطلابية صقَلت شخصيته القيادية، وأكسبتْه خِبرة في الدفاع عن القيم الإنسانية.

وفي مرحلة دراسته العليا بالإسكندرية، لم يمنعه انشغاله الأكاديمي من مواصلة عمل الخير، فقد كان يتفقَّد الأسر الفقيرة ويقدِّم لهم الدعم المادي، وشارك في ذبح الأضاحي وتوزيعها على المحتاجين، وعند عودته للكويت؛ توسَّعتْ مساهماته التطوعية لتشمل حملات التوعية الصحية في المساجد والدواوين، خصوصاً بالتعاون مع صندوق إعانة المرضى ووزارة الأوقاف، فألقى محاضرات حول «كيفية رعاية كبار السن» و «طرق الوقاية من الأمراض المزمنة»، كما اهتم بالبيئة بشكل لافت، إذ اعتاد عند خروجه إلى البَرِّ أن يجمع المخلَّفَات بنفسه، حتى صار قدوة لأصدقائه الذين تبنّوا هذه العادة الحسنة.

وهذه الممارسات الصغيرة والكبيرة عكست إيمانه بأن العمل التطوعي لا يقتصر على المناسبات الرسمية، بل هو سلوك يومي يعبِّر عن أصالة الإنسان، ولذلك كان دائماً يقول: إن التربية الأسرية وغرْس القيَم منذ الصغر هما السبيل لتنشئة جيل متطوع ينهض بمسؤولياته تجاه المجتمع.

إن مسيرة الدكتور الحمادي في العمل التطوعي؛ تجسيد حي لفكرة أن الطبيب الحقيقي هو الذي يجمع بين مداواة الأجساد ورعاية الأرواح، وبين خدمة المرضى في المستشفى وخدمة المجتمع في ميادينه المختلفة.

التكريمات والإنجازات

نال الدكتور إبراهيم الحمادي في عام 2021م «جائزة التميز في العمل التطوعي» من «مبرة إبراهيم طاهر البغلي للابن البار»، اعترافاً بجهوده في تطوير الخدمات الصحية لكبار السن، وبإسهاماته التطوعية المتنوعة، وجاء هذا التكريم تتويجاً لسنوات من العطاء، فقد استطاع أن يجسِّد نموذجاً فريداً للمسؤول الحكومي الذي لا يكتفي بإطار الميزانية الرسمية، بل يفتح الأبواب أمام شراكات أوسع مع المجتمع المدني والقطاع الخاص.

ومن أبرز إنجازاته التي لاقت استحساناً واسعاً؛ تأسيس عيادات متخصصة لكبار السن في منطقة «بيان»، بالتعاون مع «جمعية بيان التعاونية»، فقد وفَّر عيادات للتمريض وأماكن انتظار منفصلة للرجال والنساء، إلى جانب تدريب الأطباء والممرضين على أعلى مستوى، كما أسَّس برامج توعية خاصة بمرضى الزهايمر وأُسرِهم، وكانت هذه البرامج الأولى من نوعها في الكويت، وإلى جانب عمله الإداري؛ مثَّل الكويت في لجان الصحة الخليجية والعربية والدولية، وكان عضواً في منظمة الصحة العالمية فيما يتعلق بصحة كبار السن، مما جعل صوته مسموعاً في المحافل الدولية.

وقد أثنى عليه زملاؤه بوصفه قائداً عملياً قادراً على تحقيق المعادلة الصعبة بين قِلَّة الموارد وكثرة الاحتياجات، فنجح في استقطاب الدعم وتوظيفه لخدمة الفئات الأكثر احتياجاً.

وكان تكريمه رسالة اعتزاز من المجتمع بجهوده، ورسالة إلهام للأجيال القادمة بأن العطاء هو الطريق نحو الخلود في قلوب الناس.

رؤاه وطموحاته

كان الدكتور إبراهيم الحمادي صاحب رؤية استراتيجية تتجاوز حدود الحاضر، فقد دعا مراراً إلى أن يبدأ الاهتمام بصحة الإنسان منذ سن الأربعين، عبر منظومة متكاملة تشمل الفحص المبكر، والتغذية السليمة، والنشاط البدني، والدعم النفسي والاجتماعي، ليصل الفرد إلى مرحلة الشيخوخة متمتعاً بما أسماه «التشيُّخ الصحي»، وقد طالب بإنشاء هيئات وطنية مستقلة تُعنى بكبار السن، تضم الوزارات والقطاع الخاص والجمعيات الخيرية، لتعمل بشكل تكاملي على وضع وتنفيذ خطط وطنية طويلة الأمد. وكان يؤمن بأن كبار السن ليسوا عبئاً على المجتمع، بل طاقة كامنة يمكن أن تسهم في التنمية إذا ما أُحسِن استثمار خبراتهم وتجاربهم، ولم يكن طموحه مجرد نظريات، بل خطط عملية ترجَمَها في مشاريع واقعية؛ مثل: مراكز الرعاية المتكاملة في المحافظات، والدورات التدريبية لأُسَر كبار السن، والمبادرات البيئية التي جعلها جزءاً من ثقافة العمل التطوعي.

وفاته

في 19 يونيو 2025م، تلقّى المجتمع الكويتي خبر وفاته أثناء تلقِّيه العلاج خارج البلاد، وقد نعى الأطباء وزملاؤه وطلابه رحيله ببالغ الحزن والأسى، مؤكِّدين أنه ترك إرثاً لا يُمحى في سِجِلِّ العمل الصحي والتطوعي في الكويت.

ولم يكن رحيله نهاية لمسيرته بل بداية لمرحلة جديدة من استذكار عطائه، وسيظل اسمه حاضراً كلما ذُكِرت إنجازات الكويت في مجال رعاية كبار السن والعمل التطوعي.

نسأل الله أن يتغمَّده بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدَّمه في ميزان حسناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان.

التصنيفات:

→ العودة إلى تصنيف «أعلام العمل الخيري رجال»