أعلام العمل الخيري رجال
إبراهيم عبد الرزاق العدساني

المولد والنشأة
وُلد الدكتور إبراهيم عبد الرزاق العدساني في الكويت، تلك الأرض الطيبة التي عُرفت منذ القدم بأنها ميناء للتجار ومحطة للقوافل البحرية وملتقى للثقافات والشعوب.
نشأ في بيئة كويتية أصيلة تتَّسِم بالكرم والتسامح، وارتبط منذ صغره بروح مجتمعِه المُفعَمة بحب الخير والعطاء، وكان بيت أسرته يعكس صورة المجتمع الكويتي في ذلك الوقت: ديوانية مفتوحة للضيوف، ووالد حريص على غرس القيَم، وأم حنون تبذر في قلوب أبنائها البساطة وحب الناس، وفي تلك البيئة تعلَّم أن الإنسان لا يُقاس بماله أو نسبه، بل بأخلاقه وفعله وتأثيره في الآخرين.
كانت الكويت في طفولته مدينة نابضة بالحياة، حيث تختلط أصوات الباعة في الأسواق القديمة مع أصوات الأطفال في الأزقَّة، ويجتمع الناس في المساجد والديوانيات، يحْيون القيَم التي ورثوها عن الآباء والأجداد، وهذا الجو الاجتماعي والثقافي صاغ شخصية إبراهيم العدساني المبكِّرة، وفتح مداركه على عالم واسع، فصار شغوفاً بالتواصل مع الناس والتعرُّف على قصصهم وتجاربهم.
كان منذ صغره ميالاً إلى السؤال والبحث، محباً للعلم والقراءة، متابعاً لما يدور حوله من أحداث داخل الكويت وخارجها، ورأى كيف كان بلده نقطة تلاقٍ حضاري منذ قرون، وكيف اعتاد أهل الكويت استقبال الغرباء وإكرامهم دون تفرقة في دين أو لون أو لغة، وترسَّخت داخله قناعة بأن التعايش ليس شعاراً مرفوعاً، بل ممارسة يومية يعيشها الكويتي في بيته وديوانيته وسوقه ومسجده.
كبر إبراهيم وهو يحمل هذه الروح، فلم يتعصَّب لعِرق أو طائفة، بل أدرك أن رسالته في الحياة ستكون مدَّ الجسور مع الآخرين، وتقديم صورة مشرقة عن وطنه الذي يحبه. هذه النشأة الصافية جعَلَت من شخصيته مرآة صادقة لجوهر المجتمع الكويتي، وأهَّلتْه ليكون واحداً من أبرز الوجوه في مجال الحوار الحضاري والتواصل الثقافي مع الشعوب الأخرى.
التعليم
مع بلوغه مرحلة الشباب؛ اتَّجه إبراهيم العدساني نحو طلب العلم العالي، فكانت محطته الأولى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1987م، واختار تخصُّص «هندسة البترول»، ذلك التخصُّص المرتبط بنهضة الكويت الاقتصادية الحديثة، وشكَّلتْ رحلته الدراسية منعطفاً روحياً وفكرياً لشخصيته لعقود تالية.
في سنته الأولى، تعرَّف على الدكتور ماضي الخميس الذي كان له دور في توجيهه، والذي نصحه بأن يختار جامعة يوجد فيها مركز إسلامي نشِط، لأنه لمس فيه شغفاً بالعمل الدعوي والاجتماعي أكثر من كونه طالباً عادياً، وأخذ العدساني بالنصيحة، فاختار جامعة في ولاية «أوكلاهوما»، حيث تتوافر فيها تلك البيئة، ومنذ الأسابيع الأولى؛ انخرط في المركز الإسلامي، حتى أصبح أحد أئمته الخمسة وهو ما يزال في مقتبل العمر، فكان يؤم المصلين، ويلقي الكلمات، ويشارك في أنشطة الطلاب، وينظم لقاءات تعليمية باللغتين العربية والإنجليزية.
هذا الاحتكاك المبكِّر بالطلاب من شتى الجنسيات، وبالغربيين على وجه الخصوص، صقل شخصيته وزوَّده بخبرة عملية في الحوار والتفاهم والتواصل، وقد أدرك أن الخطاب الإسلامي -حين يُقدَّم بالإنجليزية وبأسلوب عقلاني- يكون له وقع مختلف على قلوب المستمعين، كما تعلَّم كيف يتحدث عن الصيام والعبادات بلغة يفهمها الآخرون، وكيف يشرح القيم الإسلامية في قالَب إنساني جامع.
واصل دراسته الأكاديمية حتى حصل على البكالوريوس ثم الماجستير ثم الدكتوراه في هندسة البترول من نفس الجامعة، وخلال هذه السنوات، لم ينفصل عن العمل الاجتماعي، بل كان مسؤولاً عن المركز الإسلامي لفترة طويلة، يشرف على نشاطاته، ويربط الطلاب المسلمين بالمجتمع المحيط، وعاش حياته الأسرية هناك أيضاً؛ فتزوَّج، وأنجب أبناءه، فصار ارتباطه بالمدينة الأمريكية عميقاً على المستوى الشخصي والعملي والروحي.
وهذه التجربة في أمريكا جعلت منه إنساناً يجمع بين التخصُّص العلمي الدقيق والانفتاح الثقافي الواسع، وبين روح الدين وحب الإنسان، وهي معادلة نادرة لا تتكرر كثيراً، وستكون لاحقاً الأساس الذي بُنيتْ عليه مسيرته في الكويت.
حياته العملية
عاد الدكتور إبراهيم العدساني إلى الكويت بعد سنوات طويلة من الدراسة، يحمل شهاداته العلمية وخبراته الإنسانية، والتحق بهيئة التدريس في كلية الدراسات التكنولوجية - قسم هندسة البترول، حيث مارس التعليم الجامعي بروح العالِم الذي لا يكتفي بالمعلومات النظرية، بل يسعى إلى ربط العلم بالحياة، وكان لطلابه مثالاً في الانضباط، والجدية، والانفتاح على الأفكار الجديدة، وكان قدوة تزرع فيهم حب البحث والجدية في العمل.
ولأنه اعتاد -في سنواته بأمريكا- حياة النشاط الدعوي والاجتماعي؛ فلم يكن التدريس وحده كافياً لإشباع روحه، وشعر أن هناك فراغاً لا بد أن يُملأ، فتواصل مع المهندس عبدالعزيز الدعيج (أحد أبرز الناشطين في لجنة التعريف بالإسلام) وعرض عليه أن يلقي خطب الجمعة باللغة الإنجليزية في «مسجد العثمان» (قُرب مجلس الأمة)، وهو المسجد الذي خُصِّص للجاليات الناطقة بغير العربية، وبالفعل صار خطيباً متطوعاً في فترات إجازاته داخل الكويت، مما أعاد إليه أجواء العمل الدعوي التي أحبها.
ومع مرور الوقت، طُرِحت فكرة إنشاء كيان جديد يختصُّ بالتواصل مع الغربيين في الكويت، فكانت ولادة «مركز الوعي لتطوير العلاقات العربية الغربية» عام 2003م، وحمل العدساني على عاتقه إدارة هذا المركز، ليكون واجهة حضارية تعكس الوجه المشرق للكويت أمام الأجانب المقيمين فيها أو الزائرين لها.
وفي إطار عمله بالمركز، اعتمد أسلوب التجربة المباشرة، فأقام زيارات للمعالم التاريخية؛ مثل: القصر الأحمر في الجهراء، وبوابات سور الكويت، وبيت ديكسن، ورحلات للبر، ومزارع الوفرة، وجلسات ديوانية في بيوت الكويتيين، وبهذه الأنشطة عاش الغربيون تجربة حقيقية للمجتمع الكويتي، فعادوا بانطباعات جديدة وجميلة عن المجتمع وعاداته.
وبين التدريس الأكاديمي والعمل الميداني؛ أصبح العدساني يجسِّد صورة الإنسان الذي يجمع بين العلم والعمل، بين التخصُّص والدعوة، وبين العقل والقلب، ولم يكتفِ أن يكون أستاذاً في القاعة، بل كان معلِّماً في الحياة كلها.
الجانب التطوعي والخيري
منذ شبابه، آمن الدكتور إبراهيم العدساني أن التطوع هو «روح الحياة»، وأن العطاء للآخرين هو الطريق الأجمل لاكتشاف الذات، وكان وجوده في المركز الإسلامي بأمريكا بداية قصة عشقه للعمل التطوعي، إذ أمضى سنواته الدراسية منخرطاً في التعليم والإمامة وتنظيم البرامج، وهناك تعلَّم أن خدمة الناس - مهما اختلفت ألوانهم وأديانهم - تعود على المرء براحة نفسية لا تضاهيها أي مكاسب مادية.
وعندما عاد إلى الكويت، واصل هذا النهج عبر مركز الوعي، وقد قاده إيمانه برسالة المركز إلى تخصيص وقت وجهد كبيرين، بعيداً عن عمله الأكاديمي، ومن خلال هذا المركز فتح الباب أمام كثيرٍ من الغربيين ليتعرَّفوا على الكويت وثقافتها، وأعطاهم صورة حقيقية عن الإسلام كدين رحمة وسلام، ولم يكن الهدف إجبارهم على اعتناق الدين، بل إزالة سوء الفهم، وإظهار الجانب الحضاري للمجتمع، وكما قال أحد رفقائه: «إذا عاش غربيٌّ في الكويت سنتين ورجع بفكرة سلبية؛ فهذا خطؤنا نحن».
وقد تجلَّت ثمرة هذا العمل في قصص إنسانية مؤثرة، منها قصة ذلك الأمريكي الذي عاد من العراق متشكِّكاً، فدخل المركز يسأل عن المرأة في الإسلام، ثم خرج مقتنعاً بأن ما سمعه عن اضطهادها محض افتراء، وذلك الشاب البريطاني الذي عاش تجربة ممتعة مع المركز، حتى اعتنق الإسلام وأدَّى العمرة وتزوج من مسلمة، وفتاة برتغالية دخلت المركز خائفة من الحجاب والقيود، فخرجت مسلمة مطمئنة بعدما فهمت أن الإيمان يبدأ بالتوحيد لا بالمظاهر.
كما نظَّم المركز مسابقات ثقافية؛ مثل: مسابقة أفضل مقال عن الكويت، شارك فيها أكثر من مئتي مقال، ونُشر منها ستون مقالاً في كتاب بعنوان «تجربة غربي في الكويت»، وأصبح مرجعاً يُوزَّع على الزوَّار، كذلك أُقيمت مسابقة للتصوير الفوتوغرافي بالشراكة مع المركز العلمي، لتوثيق جمال الكويت بعيون الغربيين.
لقد كان التطوع عند العدساني أسلوب حياة متكامل، يدمج فيه بين رسالته الإنسانية ودوره الأكاديمي، ليقدم نموذجاً يُحتذى لشباب الكويت.
التأثير ونقل التجربة
لم يتوقَّف نجاح مركز الوعي عند حدود الكويت، بل تعدَّى إلى آفاق أوسع، فقد زارتْهُ وفود من دول الخليج للاطلاع على التجربة ونقلها إلى بلدانهم، وجاء وفد من دبي بقيادة أبو عمر السركال، وقد أُعجِب بالفكرة ورفَعها إلى الشيخ محمد بن راشد، فكانت النتيجة إنشاء «مركز الشيخ محمد بن راشد لحوار الحضارات»، الذي استلهم الكثير من أنشطة مركز الوعي؛ مثل تعليم العربية وزيارات المساجد، كما زارت المركز وفود من قطر والسعودية والبحرين، وأخذوا منه خططاً كاملة لتطبيقها في مجتمعاتهم.
آمن إبراهيم العدساني أن العمل الخيري مِلْكُ الجميع، وأن التجارب الناجحة يجب أن تُنشر لا أن تُحتكر، لذلك لم يتردَّد في تزويد الزائرين بكل التفاصيل، من البرامج التعليمية إلى طرق إدارة الرحلات، ليطبِّقوها حيث شاؤوا، شعاره: أن الهدف هو خدمة الإنسان وإبراز الصورة الصحيحة للإسلام والكويت، لا أن يُقال هذا المركز سبَّاق أو ذاك. وعلى الصعيد الداخلي، توسَّع المركز حتى صار قاعدة بيانات تضم آلاف الغربيين المقيمين في الكويت، وتجاوز عددهم خمسة آلاف متابع للأنشطةـ، وأنشأ المركز موقعاً إلكترونياً وحسابات على تويتر وإنستغرام، ونسَّق مع المدارس الأجنبية والفنادق والسفارات لإيصال رسالته، كما جذَب متطوعين كويتيين شباباً أسهموا بخبراتهم في التصوير والترجمة وتنظيم البرامج، فصار المركز ورشة جماعية تعكس روح الكويت المتعاونة.
وتحوَّلت التجارب التي خرجت من المركز إلى قصص دفاع عن الإسلام في الغرب، فقد عادت إحدى الكنديات لتروي أنها قضت الصيف كله تردُّ على من يهاجم الإسلام في بلدها، بعدما عاشت تجربة الكويت، وأرسلت إحدى الأمريكيات رسالة إلى عضو مجلس الشيوخ في بلدها، تصف فيها المجتمع الكويتي بأنه متحضِّر ومليء بالقيم، وتكذِّب ما يُروَّج في الإعلام الغربي.
وبهذا، لم يعد مركز الوعي مجرد مؤسسة محلية، بل جسراً عالمياً يربط الكويت بالعالم، وينقل تجربتها في التعايش والإنسانية إلى آفاق أبعد.
كما تطوَّع الدكتور إبراهيم العدساني ليكون عضو مجلس إدارة في جمعية النجاة الخيرية، إحدى أكبر الجمعيات الخيرية، والتي تأسَّست عام 1979م، وقد توسَّعت في لجانها ومشاريعها الخيرية داخل الكويت وخارجها، ليقدِّم خبراته واستشاراته، وحصلت الجمعية على جائزة الإبداع المُستدام- فئة التميز في العمل الخيري، كأفضل جمعية خيرية في تحقيق الأهداف المُستدامة، وذلك في أكتوبر 2025م، من خلال ملتقى الكويت لحلول الاستدامة في نسخته الثانية.
الخاتمة: رسالة إلى الشباب الكويتي
في ختام مسيرة الدكتور إبراهيم العدساني، تتجلَّى صورة الإنسان الذي جمع بين العلم والدين والثقافة والعمل التطوعي، فقد استفاد من دراسته في أمريكا بما عاد عليه في حياته الدعوية والتطوعية والعلمية والعملية وحتى الشخصية، أُضيفت إلى أصالته الكويتية، وإيمانه ووعيه بمبادئ وقيَم ومنهج الدين الحنيف، ليصوغ من كل ذلك تجربة فريدة تخدم وطنه وتخدم الإنسانية.
وحين يتحدث عن التطوع؛ يختصر الفكرة في جملة مؤثرة: «التطوع حياة»، فهو يرى أن الشاب الذي يخصِّص جزءاً من وقته لعمل خيري أو ثقافي أو اجتماعي، إنما يبني شخصيته ويكتشف قدراته ويصنع أثراً يبقى بعد رحيله، ولذلك ظل الباب مفتوحاً في مركز الوعي أمام الشباب الكويتيين، لمن يريد أن يطوِّر لغته، أو يصقل موهبته في التصوير، أو يتعلم التخطيط والتنظيم؛ فإنه يجد في المركز بيئة خصبة تمنحه التجربة والخبرة.
لقد أثبت د. إبراهيم العدساني أن الكويت مركز إنساني عالمي، بشهادة الأمم المتحدة وبشهادة كل من عاش فيها ورأى تسامح شعبها،