تخطّي إلى المحتوى
المجلد الأول · إصدار ١٤٤٧هـEST. 1442 AHدولة الكويت
ويكي خير
موسوعة العمل الإنساني

أعلام العمل الخيري رجال

مهلهل جاسم إبراهيم المضف

مهلهل جاسم إبراهيم المضف
مهلهل جاسم إبراهيم المضف

المولد والنشأة

وُلِد السيد مهلهل جاسم إبراهيم المضف في الرابع عشر من أغسطس عام 1961م بدولة الكويت، في بيتٍ تغمره القيَم الكويتية الأصيلة من حب العمل، وروح العطاء. ونشأ في أسرة تجارية، فكان جدُّه إبراهيم المضف أحد رجالات الكويت الاقتصاديين، ورائد من رواد العمل الخيري، وكان يزرع النخيل في العراق وله مزرعة فيها، وزرعَ الحبوب والحنطة في جزيرة «فيلكا» الكويتية ومنطقة «العديلية»، وبعد وفاة جدِّه إبراهيم المضف قام والده جاسم المضف بمتابعة الأراضي الزراعية في العراق التي كانت تُنتج كميَّات من التمور، وفيها عدد من أصناف النخيل، فقد كان والده رحمه الله عاشقًا للنخلة، يتغنَّى بأسمائها وأصنافها، وهو من أوائل الذين أدخلوا فسائل النخيل للكويت يهديها لأقاربه وأصدقائه، ويغرس في أولاده حب النخيل والتعلُّق بها، حتى صارت جزءاً من وجدانهم وتفاصيل طفولتهم. ولم يكن الجوّ الأسري المتشبِّع بروح الزراعة والكرم وحده العامل المؤثر في نشأته؛ بل شكَّلت القيَم الإسلامية المتجذِّرة في المجتمع الكويتي حافزاً منذ الصغر نحو العمل الصالح وخدمة الناس، وما إن شبَّ مهلهل المضف عن الطوق حتى وجد نفسه مدفوعاً برغبة صادقة في أن يكون صاحب أثر، يربط بين العمل المهني والرسالة الإنسانية. وقد صار النخل عنده رمزاً للأمل والبركة، كما صار ركيزة من ركائز شخصيته، وهو يصِفُ علاقته مع النخيل بأنها ليست فقط مهنة أو تجارة، بل «هواية تحوَّلت إلى مشروع»، وهي شهادة تُجسِّد عُمق الارتباط الروحي بالأرض والنبتة والرسالة. كانت وفاة والده رحمه الله في عام 1990م، نقطة تحوُّل عاطفية وإنسانية في حياته، تزامنتْ مع أحداث الغزو العراقي للكويت، ليتحمَّل مسؤولية جسيمة أمام العمل والأسرة، فشقَّ طريقه نحو بناء مشروع متكامل يجمع بين الزراعة والتجارة والعمل الخيري، وبدَأ أثناء الغزو العراقي على دولة الكويت بشراء كمية من فسائل النخيل الممتاز من العراق وزَرَعَه في الكويت، ليكون بداية زراعة أنواع مميَّزة من النخيل.

التعليم

انطلق السيد مهلهل جاسم المضف في تعليمه المدرسي في مدارس الكويت، وتميَّز منذ صغره بتفوُّقه واهتمامه بمجالات التقنية الحديثة، وقد اختار أن يكمل تعليمه العالي في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث حصل على درجة البكالوريوس في هندسة الكمبيوتر من جامعة «الباسيفيك» بولاية كاليفورنيا، وهذا التخصص لم يكن بعيداً عن اهتماماته العملية لاحقاً، بل صار أداة أساسية في تطوير مشاريعه تكنولوجياً وتنظيمياً. وقد استفاد من هذا التكوين العلمي في عمله في الهيئة العامة للمعلومات المدنية، حيث بدأ عام 1983م مساعداً لمبرمج، ثم ارتقى إلى مبرمِج، ثم اختصاصي ومراقب قواعد بيانات، حتى شغل منصب مساعد مدير إدارة الكمبيوتر.

امتدَّت هذه المسيرة لنحو 22 عاماً، صقلت فيها مهاراته التقنية والإدارية، وقد طلَبتْ منه الإدارة أن يتقلَّد مسؤولية إشرافية نائباً للمدير العام، لكنه أراد أن يتفرَّغ لعمله التجاري في عام 2005م. لقد منحته الهندسة المعلوماتية أدوات التفكير التحليلي والدقَّة في التخطيط، وهي صفات انعكست بوضوح في مسيرته المهنية والإنسانية، وتميَّز في الجمْع بين التخصص التقني وميوله الزراعية الفطرية، فاستطاع أن يخلق نموذجاً رائداً في التكامل بين التكنولوجيا والزراعة والعمل الإنساني، لا سيما من خلال إنشاء مركز للنخيل النسيجي، وتأسيس شركات تعمل بوسائل حديثة على إنتاج وتوزيع التمور. كما أن اطِّلاعه على أساليب التعليم الغربية، واحتكاكه بثقافات متعددة خلال دراسته؛ منحَه وعياً عالمياً بأهمية التنمية الذاتية والمجتمعية، وقد شكَّلت هذه التجربة ركيزة في شخصيته، انعكست لاحقاً في مشاريعه التنموية، إذْ يسعى لنقل المعارف الزراعية الحديثة إلى العالم الإسلامي، موقناً أن العلم هو السبيل لبناء مجتمعات قادرة على تحقيق الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي.

الحياة العملية

تنوَّعت مسيرة السيد مهلهل جاسم المضف العملية بين قطاع الدولة والقطاع الخاص، فبعد أن أمضى أكثر من عقديْن من الزمن في الهيئة العامة للمعلومات المدنية، أسَّس عدة شركات شكَّلت علامة فارقة في الزراعة والتجارة الغذائية في الكويت. بدأَت رحلته التجارية في أوائل التسعينيات، حين قرر أن يحوِّل هواية النخيل التي ورثها عن والده إلى مشروع حقيقي، فأسَّس عام 1991م شركة «نخيل الخليج للتجارة العامة والمقاولات»، التي حمَلت في قلبها حلماً زراعياً طموحاً، ثم تلا ذلك تأسيس «شركة البركة الدولية للمواد الغذائية» (تمور البركة) عام 2004م، لتكون ذراعاً متخصِّصة في تصنيع وتسويق التمور. واستثمر خبرته في تقنيات الزراعة النسيجية، فقام بإدخال أصناف نادرة من النخيل، واستوردها من أمريكا وفرنسا، وزرَعها في مزارع الوفرة والعبدلي، وبحلول عام 2002م، كان قد بلغ عدد النخيل المزروع أكثر من 9000 نخلة، ما جعله من أبرز المزارعين والمطوِّرين الزراعيين في الكويت. وقد شمل عمله الزراعي إلى جانب الإنتاج؛ دعم المزارعين وخدمة القطاع الزراعي عبر الاستشارات والمساهمة في تجهيز المزارع، فضلاً عن إدخال معايير فنية دقيقة في التعليب والتبريد والتسويق، مما أهَّله للحصول على المركز الأول في «جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر» من دولة الإمارات، في فئة الإنتاج عام 2013م، إذْ استطاع أن يزرع 13 صنفاً من أجود أنواع النخيل، وجعَلها في مُتناول المزارعين بأسعار مناسبة. وبالتوازي شغَلَ منصب المدير العام لشركة الألبان الوطنية منذ عام 1985م، وهي شركة متخصِّصة في تربية الأبقار وإنتاج الحليب، مما يعكس رؤيته المتكاملة للأمن الغذائي، ويدلُّ جمْعه بين الزراعة الحيوانية والنباتية في مشروع واحد على نظرة شمولية واعية للاقتصاد الزراعي، وقد بنى نموذجاً تجارياً يربط السوق بالخير، والإنتاج بالتكافل، وهو ما سنراه جلياً في جهوده الخيرية.

الجانب التطوعي والخيري

تجلَّت روح العطاء مبكِّراً في شخصية السيد مهلهل المضف، إذْ انطلق في مسيرته الخيرية في منتصف الثمانينيات، متطوعاً في لجنة مسلمي إفريقيا (جمعية العون المباشر حالياً) مع الدكتور عبدالرحمن السميط رحمه الله، ومع بدايات التسعينيات، تبلور لديه مشروع إنساني يتقاطَع مع تخصُّصه الزراعي، فبدأ بتزويد الجمعية بشتلات النخيل لزراعتها في إفريقيا، والنظر في إمكانية ملاءمة الأصناف المناخية. وقد أثمرت هذه المبادرة في حينها زراعة النخيل في كينيا، ودوَّن الدكتور السميط ذلك في كتاب موثَّق عام 1997م، لكن المشروع لم يستمر بسبب التصحُّر وقلة الماء والمجاعات في إفريقيا، أما داخل الكويت فقد كان يوزِّع إنتاج مزارع الوفرة والعبدلي من زكاة التمور وصدقاتها على الأسر المحتاجة داخل الكويت، بدءاً من جمعيات كويتية، ثم إلى سوريا ولبنان واليمن وإندونيسيا، في شراكة متواصلة وتنسيق مع الجمعيات الخيرية الكويتية. وتُوِّج هذا العطاء بمشروع «ولو بشق تمرة»، الذي أُطلِق عام 2012م بالتعاون مع جمعية الشيخ عبدالله النوري الخيرية، والرحمة العالمية، وجمعية السلام الخيرية، ثم جمعية الحياة الخيرية، وشكَّلَ هذا المشروع نقْلة نوعية في إغاثة الداخل السوري، فتم جمع أكثر من 700 طن في سنته الأولى، ثم تجاوز 1400 طن في العام الثاني، وشُحِنت جميعها عبر البحر إلى ميناء مرسين في تركيا، ومنه إلى الداخل السوري، بالتنسيق مع منظمات إنسانية كبرى، كما وصلت صدقات وزكاة التمور لإغاثة غزة المنكوبة، واليمن الجريح، والمخيمات الفلسطينية في الأردن ولبنان، وإلى كثير من الفقراء في الدول الإسلامية، وقد بلغ إجمالي التمور التي تم توزيعها في دول العالم العربي والإسلامي منذ عام 2012م إلى عام 2025م ما يقارب 8000 طن من التمور. كما أطلق مشروع «وقف البركة»، وهو تخصيص جزء من مزرعته لتكون وقفاً دائماً للتمور، تُوزَّع عوائده على المحتاجين في الداخل والخارج، كما تم غرْس كثير من فسائل النخيل في المساجد الكويتية، بإشراف أخيه فوزي جاسم المضف. وفي مُجمل عمله الخيري، جمعَ المضف بين روح العمل المهني الدقيق والعطاء السخي المتجرد، فأثبت أن التجارة قد تكون وسيلة للتنمية والرحمة معاً.

المشروعات التنموية والمبادرات

يسعى السيد مهلهل المضف لرؤية بعيدة المدى نحو تحقيق الأمن الغذائي، لا سيما في العالم الإسلامي، وهي رؤية جسَّدها في مشروع حمل عنوان «أقوات»، طرح فيه تصوراً شاملاً لزراعة الأصناف الاستراتيجية من المحاصيل «كالتمر والقمح والشعير والزيتون» في بلدان العالم الإسلامي، بما يحقق الاكتفاء الذاتي ويقلِّل الاعتماد على الاستيراد، وحثّ المحسنين لإيصال الغذاء للدول المحتاجة. وهو حُلمٌ يتمنى أن يصل إليه في يوم من الأيام، وهو حديثه الدائم مع الجمعيات الخيرية ومحبِّي الخير، ورغم أن المشروع لم يُطبَّق بعد على النطاق الذي يحلم به؛ فقد بدَأت مؤسسات وأفراد في تبنِّي ملامحه، مثل مبادرة الدكتور وليد العنجري في غزة، والتي نجحت في زراعة عشرات الآلاف من النخيل والأشجار المثمِرة كخطوة ريادية. كما يؤمن المضف بضرورة دعم الجمعيات الخيرية لتطوير مشاريع مشابهة، مستنداً إلى فكرة الوقف الإنتاجي، حيث تكون المزرعة وقفية، تُدار بعقلية تجارية، وتعود أرباحها إلى الأعمال الإنسانية، وهو لا يرى في التعاون بين الجمعيات نوعاً من التنافس، بل يعدُّه تكاملاً يُثري التجربة ويعمِّق الأثر. وإلى جانب ذلك، يسعى المضف إلى ترسيخ الوعي بزكاة وصدقات التمور، فقد أطلق مع شركائه حملات توعوية لبيان أهمية إخراج الزكاة والصدقات من هذا المُنتج المبارك، خاصة في ظل ازدهار زراعة النخيل في الكويت، وقد بيَّن في لقاءاته أن عدداً من المزارعين يغفلون هذا الواجب، ما يحرمهم من الأجر والثواب. هذه المبادرات تُظهِر أن السيد مهلهل المضف لم يكن مجرد رجل أعمال، بل صاحب رسالة إصلاحية تنموية تُحاول بناء الإنسان والبيئة معاً، من خلال العمل الجاد والتخطيط المُمنهج.

الرسالة والإرث

في نهاية المطاف، تُلِخّص تجربة السيد مهلهل المضف نموذجاً متميزاً لرجلٍ جَمَع بين الفكر والعمل، بين الخبرة والتجربة، بين الشغف والرسالة، ولذلك كان نجاحه ثمرة رؤية عميقة ورغبة مُلِحَّه واستعداد دائم لتسخير الإمكانيات التجارية والمعلوماتية لخدمة الإنسان. وقد آمن أن البركة تكمن في العطاء، وأن التجارة إذا ارتبطت بالنية الطيبة والهدف السامي، فإنها تصبح عبادة ومصدراً للخير العام.

ورسالته في الحياة أن يسدَّ ثغرة من ثغور الأمة، ويربط العمل بالمبدأ، والنخيل بالخير، والمزرعة بالأوقاف، والتمر بالغذاء والإغاثة. ترك المضف أثراً واضحاً ليس فقط في حقول النخيل، بل في قلوب المزارعين، وفي مشاريع الجمعيات الخيرية، وفي دفء وجبةٍ وصلت إلى مخيم لاجئ، وكان حضوره في كل نخلة زرعها، وكل ثمرة كبَسها، وكل كيس تمر أرسله لطفل محتاج أو أسرة فقيرة في دول النكبات والمجاعات.

وهو يحث أبناءه على السير معه في هذا الطريق، وبالفعل يشاركونه في هذا المجال الإنساني والخيري، ليستمر العطاء جيلاً بعد جيل، كما قال الشاعر:

وفي كل هذا، يوجِّه دعوة لمن حوله بأن يقدِّموا «زكاة خبراتهم»، ليكون العطاء ليس فقط من المال، بل من العلم، والجهد، والتخصص، وهذه هي الرسالة التي أراد أن يخلِّدها: أن لكل إنسان بصمة، ولكل مهنة تخصُّص وطريق إلى الخير، وأن شِقَّ التمرة الصغير قد يُنبِت أملاً كبيراً.

التصنيفات:

→ العودة إلى تصنيف «أعلام العمل الخيري رجال»