أعلام العمل الخيري رجال
محمد جاسم السداح

المولد والنشأة
وُلد محمد جاسم السداح عام 1933 في حي «القِبلة» العريق، وتحديداً في فِريج السبت، وبالتحديد في براحة الفلاح، وترعرع في كنف أسرة كويتية عُرفت بالقيم الأصيلة والاهتمام بالعلم والدين، وكان للبيئة المحيطة أثر بالغ في تشكيل وعيه المبكر، إذ عايش بدايات تكوين الدولة الحديثة ومؤسساتها، وشهد تحولات المجتمع الكويتي من البساطة والاعتماد على البحر إلى بواكير النهضة الحديثة.
منذ طفولته، ظهر عليه حب العلم والتميُّز، فكان لافتاً بين أقرانه، حريصاً على تحصيل المعرفة، ومتشرباً لقيم الجد والاجتهاد.
نشأته في الأربعينيات من القرن الماضي جعلته شاهداً على صعوبات الحياة اليومية في ظل قلة الإمكانيات، فكان يقطع المسافات الطويلة مشياً على الأقدام من فِريج القِبلة إلى المدارس البعيدة عند مقر سكنه، في مشهد يعكس صلابة الجيل الكويتي الأول وشغفه بالعلم رغم قسوة الظروف. وقد أثَّرت هذه التجارب في تكوين شخصيته الصلبة ووعيه المبكر بالمسؤولية الوطنية والاجتماعية.
تربَّى السداح في بيت يُعلي من شأن الأخلاق الإسلامية والعربية، ومُحاطاً بأجواء تحفُّها المحبة والاحترام، مما زرع في داخله ميلاً فطرياً للانخراط في العمل العام والخيري منذ سنوات شبابه الأولى.
وفي أحضان هذا البيت الكويتي الأصيل؛ تفتَّحت مداركه على أهمية العطاء والانتماء، فغرس بداخله نواة رجل سيحمل همَّ الوطن والأمة في كل ميدان يدخل إليه لاحقاً؛ سواء أكان مجال التربية أم الثقافة أم السلك الدبلوماسي والعمل الإنساني.
التعليم
بدأ محمد جاسم السداح مشواره التعليمي في المدرسة الأحمدية، ثم التحق بالمدارس القِبلية والشَرقية، وأكمل تعليمه في المدرسة المباركية (أقدم المدارس النظامية في الكويت)، وقد شكَّلت هذه المرحلة حجر الأساس لتكوينه العلمي والثقافي، إذْ تلقى العلم على أيادي نخبة من المدرسين العرب، من فلسطين ومصر، ممَّن كان لهم الأثر في غرس القيم القومية والوعي العربي، إلى جانب ترسيخ القيم الإسلامية واللغة العربية.
كان السداح متفوقاً في دراسته، يُعرف بسرعة حفظه وتعلُّقه بالشعر واللغة، حتى أصبح من أكثر الطلبة تميزاً في قواعد اللغة العربية، وهو ما هيَّأه ليكون من المدافعين عنها في وجه موجات التغريب، وكانت مدرسته حاضنة ثقافية وليست فقط تعليمية، تَشَكَّل فيها وعيه الوطني والقومي من خلال الأناشيد والمسرحيات والأنشطة التي تتفاعل مع قضايا الأمة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
لم تكن رحلته مع التعليم محصورة في التلقِّي، فبعد تخرُّجه مباشرةً من الثانوية عمِل معلماً، فكان من أوائل الكويتيين الذين عملوا في سلك التدريس، إذْ بدأ التدريس في مدرسة النجاح عام 1949، وهو لم يبلغ السابعة عشرة من عمره، ليكتب رحلة عطاء علمي وتربوي مبكر، حمل فيها مشعل التنوير لجيل جديد من أبناء الكويت، واضعاً التعليم في مقدمة أولوياته، ومؤمناً بأن بناء الإنسان هو جوهر نهضة الوطن.
حياته العملية
امتدت مسيرة محمد جاسم السداح العملية لأكثر من ثلاثة عقود حافلة بالمسؤوليات والمناصب، تنقَّل فيها بين ميادين التعليم والثقافة والدبلوماسية، وبدأ مشواره العملي عام 1949 مدرساً في مدرسة النجاح، ثم تدرَّج ليصبح وكيلاً لمدرسة صلاح الدين عام 1959، قبل أن يُعيَّن ناظراً لمدرسة الفارابي في أوائل الستينيات، حين عُرف بإدارته الحازمة والمتزنة وحرصه على جودة التعليم.
وبموازاة عمله التربوي؛ انخرط في النشاط الوطني والثقافي، وكان من مؤسسي «النادي الثقافي القومي» عام 1952، الذي تولَّى رئاسته عام 1958، وكان هذا النادي من أبرز المنابر الفكرية في الكويت الداعمة للقضايا العربية، وقد أدَّى دوراً كبيراً في التنديد بالعدوان الثلاثي على مصر، ودعم كفاح الجزائر.
وفي عام 1961، انتقل إلى وزارة الخارجية، وترأس قسم الشؤون العربية، وكان ضمن الوفد الكويتي الذي حضر أول قمة عربية في القاهرة عام 1964، وفي عام 1966 بدأ مسيرته الدبلوماسية الخارجية بتعيينه سكرتيراً أول وقائماً بالأعمال في سفارة الكويت بالمغرب، ثم عُيِّن سفيراً للكويت في الأردن عام 1971 ولاحقاً مديراً للإدارة الاقتصادية في وزارة الخارجية حتى عام 1980، ليُعيَّن بعدها سفيراً للكويت في إسبانيا حتى عام 1982.
كان خلال عمله الدبلوماسي نموذجاً للسفير المثقف المبادر، يتجاوز المهام الرسمية إلى التعريف بثقافة الكويت وحضارتها، وقد أقام محاضرات في الجامعات، وزار المدن النائية في المغرب، ونسَّق لقاءات مهمة مع الملك حسين ملك المملكة الأردنية الهاشمية، وأسهم في توثيق العلاقات العربية، حتى اعتُبر من أبرز وجوه الدبلوماسية الكويتية الحديثة.
الجانب التطوعي والخيري في حياته
جسَّد محمد جاسم السداح صورة حية للعطاء الإنساني، فلم يقتصر عطاؤه على التعليم والدبلوماسية، بل امتد ليشمل العمل الخيري في أبعاده المختلفة، وهو من أبرز الذين كرَّسوا جزءاً كبيراً من حياتهم لإغاثة المحتاجين وبناء المساجد ودعم المراكز الطبية والتعليمية داخل الكويت وخارجها، وكان مؤمناً بأن بناء المساجد ونشر اللغة العربية من أنبل أعمال الخير، فأنشأ أكثر من 43 مسجداً في مختلف أنحاء العالم الإسلامي على نفقته الخاصة، منها ما سُمي على أسماء والدَيه وإخوته، عرفاناً بجميلهم ووفاءً لحقِّهم.
ومن أبرز مشاريعه: مسجد عمر بن الخطاب في حيدر آباد - الهند، ومساجد في الصين وألبانيا والسنغال ومصر وسوريا وتايلند وتونس، ومركز طبي في بوروندي، وآخر في تونس، ومدرسة في اليمن، ولم يكن يُعلِن عن هذه الأعمال أو يتفاخر بها، بل كان ينظر إليها على أنها واجب ديني وإنساني.
كما أسهم في تأسيس المركز الإسلامي في البرتغال، وجمع أكثر من 420 ألف دينار كويتي لإنشائه من تبرعات أهل الخير، وهو إنجاز يُحسب له في ظل مهامه الدبلوماسية، ففي حينه عُرضت عليه فكرة بناء مركز إسلامي للجالية المسلمة من مسؤولين في البرتغال، بعد أن أُعجبوا بأخلاقه وسماته، وقد تم ذلك بفضل الله ثم بجهوده وسعيه، وكان له دور في تقديم الدعم للشعوب المنكوبة، وجمع التبرعات للأشقاء في فلسطين والجزائر وغيرها، كما عُرف بدعمه للجمعيات الإسلامية مثل لجنة مسلمي إفريقيا وآسيا.امتاز السداح بوفائه للغة العربية، فترأس مجلس أمناء «جمعية جود الخيرية» التي تهتم بتعليم اللغة العربية داخل وخارج الكويت والخليج، وكان محباً للغة، قوياً في النحو، حافظاً للشعر، يجيد إلقاءه وتمثُّله، ويرى في العربية روح الأمة وهويتها.
مؤلفاته ومشروعه الثقافي
ترك محمد جاسم السداح إرثاً أدبياً وثقافياً ثرياً من خلال مجموعة من الكتب التي وثَّق فيها رحلته بين التعليم والدبلوماسية والعمل الوطني، وقد صدرت مؤلفاته عن «دار ذات السلاسل» الكويتية؛ وهي:
«الطريق.. بعض من ذكرياتي» (2012): يروي فيه رحلته من المدرسة الأحمدية إلى الخارجية، وما بينهما من محطات في مدارس الكويت وميدان الدبلوماسية.
«من الأحمدية إلى الخارجية» (2020): يسلِّط فيه الضوء على مسيرته التعليمية والأنشطة الوطنية والمواقف القومية وتفاصيل العمل الرسمي.
«وقفات في ذاكرة الأيام» (2023): يستعرض فيه محطات متعددة من حياته من خلال ومضات صادقة وعميقة، تحمل بُعداً توثيقياً وإنسانياً.
«تحديات... في طريق النجاح» (2025): يستعرض فيه التحديات التي واجهها في حياته، وينقل فيه دروساً للأجيال القادمة، عبر فصول صريحة ومواقف مؤثرة.
تميَّزت كتبه بالبساطة والصدق، وحرصت على تسجيل الذاكرة الكويتية الفردية والجماعية، وعبَّرت عن وجدان كويتي أصيل لم تنل منه المناصب أو الوجاهات، بل بقي صوتاً ينتمي للناس ويكتب للناس، وقد أظهرت مؤلفاته حرصه على التوثيق، وميله إلى سرد التاريخ من زاوية عابرة للمؤسسات، إذ كان يرى أن الحكاية الصادقة أقوى من الأرقام والمراسيم.
الإرث والرسالة
لا يمكن الحديث عن محمد جاسم السداح دون التوقف أمام إرثه التربوي والدبلوماسي والإنساني، الذي تجلَّى في كل مرحلة من مراحل حياته، فقد جمع بين قوة العقل وحرارة القلب، بين الموقف والمبدأ، بين الانفتاح الثقافي والثبات الوطني.
أسَّس مدرسة الكويت الإنجليزية عام 1979، واستمر في إدارتها حتى بعد تقاعده عام 1983، مجسِّداً بذلك إيمانه العميق بالتعليم كطريق وحيد للتقدم.
يُعتبر السداح من الرعيل الأول الذي آمن بأن الكويت ليست دولة غنية فقط، بل دولة ذات رسالة، وموقعها في العالم مرتبط بقدرتها على التأثير الإيجابي، وهو ما جسَّده في عمله الخارجي، وقد ظل طوال حياته وفياً للكويت، أميناً على صورتها، ساعياً لإعلاء شأنها بالكلمة الطيبة والعمل الصادق.
لقد زرع في الأجيال حب اللغة، وغرس في الدبلوماسيين روح المبادرة، وعلَّم التربويين أن التعليم أمانة، وفي العمل الخيري؛ خلَّد اسمه على منابر 43 مسجداً، ومراكز طبية وتعليمية في بلدان قد لا يعرف بعضها غيره، لكنه عرف أن الإنسان أخو الإنسان أينما كان.
محمد جاسم السداح هو مثال للكويتي الذي لم تغيِّره المناصب، ولم تُطفئه السنون، بل بقي شعلة تنير الطريق، واسماً في سجلِّ الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.