أعلام العمل الخيري رجال
فيصل عبدالعزيز الزامل

المولد والنشأة
وُلِد الأستاذ فيصل عبدالعزيز الزامل عام 1952م في دولة الكويت، في بيت عُرِف بالتمسك بالقيم الإسلامية وروح المسؤولية الوطنية، ونشأ في بيئة اجتماعية نشيطة ومهتمة بالعلم والعمل، مما أسهم في تكوين شخصيته المتوازنة بين الجانب المهني والروحي، ومنذ صغره أبدى ميولاً واضحة نحو الشؤون المالية والاقتصادية، متأثراً بما كانت تشهده الكويت من تحولات اقتصادية سريعة ونهضة تنموية شاملة في تلك الحقبة.
كان والده من أصحاب البصيرة الذين غرسوا في أبنائهم حب الخير والاهتمام بالشأن العام، وهو ما تجلى في مسيرته الزاخرة بالعطاء المؤسسي والإنساني.
وعُرف منذ نعومة أظفاره بحبه للقراءة والاطلاع وسرعة استيعابه للقضايا العامة وحبِّه للمناقشات البنَّاءة والعمل الاجتماعي والتطوعي، مما أهَّله ليكون من الأصوات المتميزة لاحقاً في الصحافة والعمل العام والمبادرات الاجتماعية، وترعرع في أجواء تربوية حاضنة للقيم الإسلامية، وكان محيطه الاجتماعي يدفعه للتفوق والسعي نحو التميز.
هذه النشأة جعلته أكثر إدراكاً لأهمية الجمع بين النجاح الشخصي وخدمة المجتمع، ولذا لم يكن مُستغرباً أن تتجه اهتماماته لاحقاً نحو دعم العمل الخيري المؤسسي وتقديم المشورة للهيئات والمجالس الوطنية، جامعاً بذلك بين الريادة الاقتصادية والرسالة الإنسانية.
وقد حفظ الزامل هذا الرصيد من القيم ليحمله معه في مسيرته العلمية والمهنية، وظل طوال حياته وفياً لما تربى عليه، مؤمناً بأن الاستثمار في الإنسان هو الأساس لأي تنمية حقيقية، وبأن التمكين المعرفي والاقتصادي هو السبيل الأمثل لبناء المجتمعات المستقرة.
التعليم
بدأت رحلة الأستاذ فيصل الزامل التعليمية في مدارس الكويت، متنقلاً بين مدارسها، فقد كانت بداية تعليمه في «روضة المُهلَّب» عام 1956م، وفي المرحلة الابتدائية درس في «مدرسة الصباح» عام 1959م ثم «مدرسة النجاح» في عام 1962م، ثم «مدرسة الرشيد» 1964م، أما المرحلة المتوسطة فقد كانت في مدرسة «فلسطين» في منطقة «الدسمة»، وفي المرحلة الثانوية درس في «ثانوية كيفان» للأعوام من 1965 - 1968م ثم «ثانوية الدعية» عام 1969م، حيث تلقى تعليمه الأساسي والثانوي في ظل مناهج كانت تشجع على الانفتاح المعرفي والتفكير النقدي.
وقد أثبت منذ بداياته الدراسية تميزاً واضحاً في المواد العلمية والاقتصادية، مما أهلَّه للالتحاق بجامعة الكويت، التي حصل منها على درجة البكالوريوس في الإدارة المالية عام 1975م، وهي مرحلة أساسية صقلت مهاراته النظرية ومكَّنته من التفاعل مع القضايا الاقتصادية والمالية المتقدمة.
لم يتوقف طموحه العلمي عند هذا الحد، بل قرر أن يتوسع في دراسته ويطوِّر من أدواته، فسافر إلى الولايات المتحدة والتحق بجامعة «نيوهيفن» العريقة، وحصل منها على درجة الماجستير في التمويل عام 1979م.
هذه التجربة الدولية منحته أفقاً واسعاً واطلاعاً مباشراً على نماذج اقتصادية متنوعة، وساهمت في بناء قاعدة معرفية متينة، تأهلَّ بها ليتبَّوأ أدواراً قيادية في مؤسسات مصرفية وتنموية كبرى.
إلى جانب دراسته الأكاديمية؛ حرص الزامل على المشاركة في ورش العمل والدورات التدريبية المتخصصة، لا سيما في مجال المصارف الإسلامية، حتى أصبح من أبرز المتخصصين فيه، كما قام بتقديم العديد من المحاضرات والدورات التدريبية داخل الكويت وخارجها، مساهماً في نقل المعرفة وتعزيز الفهم المؤسسي للاقتصاد الإسلامي.
هذا التكوين العلمي المتين والمتوازن بين المحلي والدولي، النظري والتطبيقي؛ منح فيصل الزامل قدرة استثنائية على تحليل القضايا الاقتصادية من منظور إسلامي وعصري في آن واحد، وأهَّله ليكون أحد أعمدة الفكر التنموي والمصرفي في الكويت والعالم الإسلامي.
الحياة العملية
بدأ فيصل الزامل مسيرته المهنية في وزارة التربية بعد تخرجه عام 1975م، قبل أن ينتقل إلى المجال الذي أصبح لاحقاً ميدانه الأوسع وهو القطاع المصرفي والمالي، وانضم إلى «بيت التمويل الكويتي» عام 1981م، وعمل فيه حتى عام 1995م، وشارك خلال هذه الفترة في تطوير السياسات التشغيلية وتمكين تجربة المصارف الإسلامية على أرض الواقع.
وفي عام 1986م تم تعيينه عضواً في مجلس المديرين في «البنك الإسلامي للتنمية» بجدة، وهو المنصب الذي شغله حتى عام 2013م، مساهماً في وضع استراتيجيات البنك الذي يخدم 57 دولة، كما شارك في مجالس إدارات مؤسسات مالية بارزة؛ مثل: «بيت التمويل الكويتي - التركي» (1988-2004م)، و «بنك البركة التركي» (2005-2010م) ، و «بنك البحرين الإسلامي» (1999-2001م)، و «شركة التكافل البحرينية» (1999-2002م).
وشغل الزامل عضوية في عدد من المؤسسات التابعة للبنك الإسلامي للتنمية؛ منها: «المؤسسة الإسلامية لتأمين الاستثمار وائتمان الصادرات»، و «المؤسسة الإسلامية لتنمية القطاع الخاص»، و «المؤسسة الإسلامية لتمويل التجارة»، ومن خلالها أسهم في إطلاق مبادرات تمويلية وتجارية رائدة تستهدف دعم الاقتصادات الناشئة.
كما كان له دور بارز في عضوية «مجلس إدارة الهيئة العامة للاستثمار» بدولة الكويت (1997-2006م)، و «المجلس الأعلى للتخطيط»، و «المجلس الأعلى للإسكان»، و «اللجنة العليا للشريعة» التابعة للديوان الأميري، وعمل مستشاراً في «الأمانة العامة للأوقاف»، وعضواً في «المكتب الاستشاري» لسمو ولي العهد، ومن خلال هذه المناصب أسهم في صياغة السياسات الاقتصادية والخطط الاستراتيجية لدولة الكويت، وعمل على تعزيز الاقتصاد الأخلاقي ومبادئ التنمية المستدامة.
الجانب التطوعي والخيري
لا تقل مساهمات فيصل الزامل في العمل الخيري والتطوعي أهمية عن إنجازاته المهنية، فقد بدأ نشاطه في هذا المجال منذ عام 1981م، وكان عضواً مؤسساً وفاعلاً في عدد من الجمعيات الخيرية الكويتية، إذْ تولَّى مناصب قيادية بارزة، فشغل عضوية مجلس إدارة «جمعية العون المباشر» (لجنة مسلمي إفريقيا سابقاً) منذ عام 1997م وحتى الآن، وكان له دور رئيس في دعم مشاريعها التعليمية والصحية والإنمائية في أكثر من 30 دولة.
كما كان عضواً في مجلس إدارة «جمعية النجاة الخيرية» منذ عام 1996م، وتولى أمانة الصندوق فيها حتى 2021م، ثم رئيساً لمجلس إدارتها حتى عام 2025م، إضافة إلى رئاسته «لجنة التعريف بالإسلام» التابعة للجمعية منذ عام 2007م وحتى اليوم، ومن خلالها قاد جهود نشر المعرفة، والتعليم المهني، والارتقاء بالمهارات لدى المهتدين الجدد في عدد من الدول.
أسهم الزامل في التخطيط والإشراف على مشاريع تعليمية وتنموية نوعية؛ منها: إنشاء جامعات في إفريقيا، وتأسيس مجمعات خيرية في جيبوتي، وبناء المستشفيات ودور الأيتام في مناطق نائية، كما كان له دور محوري في تحويل العمل الخيري الكويتي من تقديم الإعانات الفورية إلى تبني مشاريع مستدامة؛ مثل حفر الآبار، وبناء المدارس، وتقديم التدريب المهني، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في المجتمعات النامية.
وتميز الزامل بفكر استراتيجي يجمع بين التخطيط المؤسسي والبعد الإنساني، فاستطاع أن يجعل من الجمعيات الخيرية منصات تنموية تعيد بناء المجتمعات من الداخل، وتحفظ كرامة الإنسان المحتاج، وتنقله من مرحلة الاستهلاك إلى الإنتاج.
الكتابات والمؤلفات والإعلام
إلى جانب العمل المهني والخيري، برز فيصل الزامل كقلم فكري متميز، إذ التحق بالعمل الصحفي مبكِّراً، وكتب زاوية يومية في جريدة القبس بين 1984 و 1993م، ثم واصل الكتابة في جريدة الأنباء من 1993 إلى 2013م، وعُرف بأسلوبه المتزن والرصين، وطرح قضايا اقتصادية واجتماعية بروح نقدية بنَّاءه.
وأصدر عدداً من المؤلفات التي توثق تجربته الثرية؛ منها كتاب «البنك الإسلامي للتنمية- مسيرة ناجحة شاركت في تحقيقها 57 دولة»، والذي استعرض فيه قصة هذا الصرح المالي الرائد منذ التأسيس وحتى نضجه المؤسسي، كما كتب عن تجربته في بيت التمويل الكويتي خلال البدايات، وأصدر كتاباً باللغة الإنجليزية عن الخليفة عمر بن الخطاب بعنوان OOmar ibn Al-Khattab: The Inspired Leader » »، يقدم فيه صورة القائد العادل برؤية معاصرة، وأشرف على توثيق مسيرة جمعية النجاة الخيرية خلال 56 عاماً، ليُبرز دور العمل الإنساني والتنموي الكويتي.
وإلى جانب الصحافة الورقية، شارك الزامل في تقديم العديد من المحاضرات والدورات التدريبية المتخصصة في الصيرفة الإسلامية، وكان صوتاً حاضراً في المؤتمرات والندوات التي تناقش مفاهيم الاقتصاد الأخلاقي والتمويل التنموي، ساعياً إلى إبراز النموذج الإسلامي في التنمية العادلة والمستدامة.
واستطاع أن يوَّظف الإعلام في توثيق المشاريع الخيرية، واعتبره همزة وصل مهمة بين المتبرع والعمل الخيري، ودعا دائماً إلى الشفافية والمساءلة والاحترافية في توثيق العمل الإنساني، وكان يرى في الإعلام شريكاً حقيقياً في تعزيز الثقة المجتمعية، وتوسيع نطاق العمل التطوعي.
وله محاضرات عامة حول التنمية المجتمعية، وكان له دور بارز في تعزيز الأمن الاجتماعي أثناء الغزو العراقي لدولة الكويت في عام 1990م، حيث كان يتنقل بين مساجد الكويت مصلياً وملقياً للمحاضرات التي تُثبت المرابطين في الكويت وتدعوهم إلى الصبر والثقة بالله عز وجل وحسن الظن به، وأن تحرير البلاد سيكون حتماً وقريباً بإذن الله تعالى، واستمر في هذا المجال إلى يومنا هذا، فهو يقوم بتسجيل كلماته وتعليقاته على أحداث المجتمع والقضايا العامة ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي؛ إيماناً منه بأهمية التوعية العامة ونشر القيم والمبادئ الإنسانية.
رؤية تنموية متكاملة
تُجسِّد مسيرة فيصل الزامل رؤية تنموية متكاملة تجمع بين الفكر والتطبيق، تجمع بين البعد المالي والبعد الإنساني، فقد آمن أن التنمية ليست مجرد بنى تحتية أو قروض ميسرة، بل هي عملية شاملة تتطلب تعليماً وتأهيلاً وتمكيناً اقتصادياً واحتراماً لكرامة الإنسان.
ومن خلال عضويته في البنك الإسلامي للتنمية والصندوق الكويتي للتنمية وسائر الهيئات التي انتمى إليها؛ أسهم في تمويل مشاريع نوعية في أكثر من 100 دولة؛ أبرزها: مشروع «كنانة للسكر» في السودان، وتنمية جزر المالديف، وحفر الآبار في النيجر، وغيرها من المبادرات التي غيَّرت واقع مجتمعات كاملة.
وساهم بتقديم نموذج تنموي أخلاقي، يعتمد الشفافية، ويشجع الإنتاج، ويرفض الفوائد الربوية، ويؤكد أهمية تطبيق أنظمة الاقتصاد الإسلامي.
كما أنه يرى في التعليم وتطوير المهارات أدوات حقيقية لمكافحة الفقر والتطرف والجريمة، مؤكداً أن المجتمعات التي لا تملك فرص تنمية تُنتج مهاجرين، لا منتجين، ولذلك كان من أشد المدافعين عن الاستثمار في الإنسان، ونقل المعرفة، ودعم المشاريع الصغيرة والمؤسسات المستدامة.
إن فيصل الزامل لا يمثل مجرد سيرة مهنية ناجحة، بل يعكس مشروعاً فكرياً واقتصادياً وإنسانياً متكاملاً، جعل من الكويت نموذجاً عالمياً في العمل الخيري المؤسسي والتنمية العادلة، وترك بصمة واضحة في كل موقع خدم فيه.