تخطّي إلى المحتوى
المجلد الأول · إصدار ١٤٤٧هـEST. 1442 AHدولة الكويت
ويكي خير
موسوعة العمل الإنساني

أعلام العمل الخيري رجال

عدنان عبدالله عبداللطيف العثمان

عدنان عبدالله عبداللطيف العثمان
عدنان عبدالله عبداللطيف العثمان

كانت مجرد دعوة عابرة لافتتاح مسجد، ومن دون أن يدرك أن هذا اليوم سيرسم توجهاً وطريقاً جديداً لحياته، وقف أمام مسجد والده المرحوم عبدالله عبداللطيف العثمان في النقرة، لكن ما رآه لم يكن كما تخيّل، المأذنة خافتة الأنوار، الجدران التي كانت مزيّنة بالآيات القرآنية طُليت بالأبيض، والمعالم التاريخية التي بُني عليها المسجد تغيّرت ملامحها، ثم وقعت عيناه على اللافتة الرخامية الكبيرة التي تعلن أن ترميم هذا المسجد تم بتبرع من أوقاف المسلمين.

خفق قلبه للحظة، مسجد والده؟ الرجل الذي خصص ثلث ثروته - الملايين من الدنانير - لخدمة الإسلام والمسلمين؟ يُرمّم من أموال الغير؟ تقدّم نحو معالي وزير الأوقاف آنذاك، وبصوت هادئ لكنه حازم طرح سؤالاً بسيطاً: لماذا التبرع من وقفيات المسلمين لمسجد له وقف بالملايين؟ استغرب الوزير من السؤال والتفت إلى وكيله طالباً التوضيح، فجاء الجواب: تقدمنا بطلب للجهة المختصة فاعتذروا عن المساهمة في الترميم، في تلك اللحظة بالذات، لم يكن المهندس عدنان يعلم أن حياته على وشك أن تنقسم إلى حياتين متباينتين: ما قبل هذه اللحظة، وما بعدها. عقد النذر في قلبه بحزم وإصرار: سأُكمل رسالة والدي في خدمة الإسلام والمسلمين، مهما كلّف الأمر، ومهما طال الطريق.

طفولة تشكّلت على قيم التواضع والرحمة

ولكي ندرك كيف استطاع المهندس عدنان أن يحمل هذا النذر الثقيل ويحوله من عهد شخصي إلى واقع ملموس يخدم مئات الآلاف سنوياً، علينا أن نعود إلى البداية، إلى طفل في الثامنة من عمره فقد والده مبكراً، لكنه لم يفقد الدروس التي زرعها ذلك الوالد في روحه دون أن ينطق بها، كانت المسافة من منزل العائلة إلى المسجد في منطقة النقرة لا تتجاوز نصف ميل، لكنها كانت رحلة مهيبة في عيني ذلك الطفل الصغير حين كان يمشي بجانب والده في صباح يوم عيد، وإليك المشهد، المحسن الكبير عبدالله العثمان يتقدم الموكب، تحيط به كوكبة من أبنائه وموظفيه وخدمه، الجميع يرتدون نفس الزي بنفس القماش ونفس اللون من نفس الخياط، في مشهد لم يكن مجرد موكب عائلي، بل كان درساً صامتاً في التواضع والمساواة يُحفر في ذاكرة طفل لن ينساه طوال حياته.

وفي رمضان، كان المشهد أكثر عمقاً وتأثيراً، لم يكن المرحوم عبدالله العثمان يُفطر مع زوجاته في بيته المريح، بل كان يفتح أبواب ديوانه على مصراعيها للفقراء والمساكين حتى يكتظ بهم المكان. وذات يوم، وقف عدنان الصغير بجانب والده منتظراً موعد الإفطار، فلمح شرطياً يقف خلفه بين الحضور، فما كان من الوالد إلا أن نهره قائلاً بحزم: قُم يا بني لعمك الشرطي وأفسح له المجال! لم يُفطر عدنان في ذلك اليوم، إذ ضاع جسده الصغير في زحام الضيوف ولم يجد لنفسه موضعاً، لكنه خرج بدرس أثمن من الطعام: احترام الكبير. ومرة أخرى بعد صلاة الجمعة، حيث كان الوالد يُوزّع ما حمله في جيبه من أموال على المحتاجين المحتشدين حول سيارته، تناول عدنان الصغير إحدى الرسائل التي قدمها أحد المتجمعين ورماها بعفوية طفولية من نافذة السيارة، فلمح الوالد - وهو من النوع شديد الانتباه - ما فعله ابنه، فنهره على الفور وأمره بالنزول لإرجاع الرسالة. استغرب الطفل من ردة الفعل هذه، فالوالد لم يقرأ الرسالة أصلاً، فلماذا كل هذا التوبيخ؟ لكنه فهم لاحقاً أن المسألة لم تكن في محتوى الرسالة، بل في الرسالة الأكبر التي أراد الوالد أن يغرسها في نفس ابنه: لا تكسر خاطر إنسان مهما كان، ولا تُهن كرامة محتاج مهما صغُر شأنه.

توفي المرحوم عبدالله العثمان عام 1965م، تاركاً وراءه ثلاث ثروات وتاريخاً عريضاً في خدمة الإسلام والمسلمين. الثروة الأولى كانت النصيب الشرعي الذي قُسّم بين الورثة حسب أحكام الشريعة الإسلامية، والثانية كانت وقفاً خيرياً ضخماً أسسه من خلال وصية محكمة خطّها بيده، أما الثالثة فكانت إرثاً فكرياً وتوثيقياً متمثلاً في كتاب شعر ومئات السجلات والمستندات والمراسلات، فقد كان هو ووالده وجده من المدوّنين الذين يُسجلون كل صغيرة وكبيرة. وبالطبيعة الإنسانية المتوقعة، انشغل الورثة ودائرة الأيتام - التي كانت الوصية الرسمية على قُصّره وثلث ماله - بتصفية التركة، أما الوقف فلم يأخذ الحيز الذي يستحقه من الاهتمام، وبدأ يُدار بطريقة تقليدية لا ترقى لطموح الواقف ولا لحجم الثروة الموقوفة. والمؤلم أكثر من ذلك أن مسجد الوالد - ذلك المعلم الذي بُني بعناية فائقة - أُهمل حتى طُفئت أنوار مأذنته وأُزيلت جدارياته القرآنية بطلائها باللون الأبيض السادة.

لكن عدنان - الذي كان وقتها قاصراً تحت رعاية دائرة الأيتام - لم يكن مجرد وريث ينتظر نصيبه، بل كان شاباً طموحاً يبحث عن معنى أكبر لحياته. كان يعلم أن الطريق إلى إكمال رسالة والده لا يبدأ من الاعتماد على ثروة الوالد، بل من بناء نفسه وصقل قدراته أولاً. فالعصامية، كما يردد دائماً، هي العمود الفقري للنجاح الحقيقي، والثروة الموروثة مجرد مكمّل وليست أساساً يُبنى عليه، شدّ الرحال بعد أن أنهى المرحلة الثانوية في منتصف السبعينات إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وإلى مدينة سيراكيوز تحديداً، حيث التحق بأروقة جامعة سيراكيوز وتخصص في الهندسة الصناعية، لينال شهادة البكالوريوس في عام 1979م، لم تكن الهندسة بالنسبة له مجرد تخصصٍ دراسي، إنما كانت منهجية تفكيرٍ ورؤية معمّقة وشاملة لازمته طوال حياته وفي كل مشروعٍ أو عملٍ استثماري يُقدم عليه، وكان طالباً متفوقاً، لكن التفوق الأكاديمي وحده لم يكن كافياً لتحقيق طموحه، فهو كان يبحث عن خبرة عملية حقيقية في إدارة المال والمؤسسات.

بناء الذات والخبرة في عالم المال والأعمال

بعد التخرج، عمل فترة قصيرة في وزارة النفط، لكنه سرعان ما انتقل إلى القطاع المصرفي حيث وجد ضالته وصُقلت مهاراته الإدارية والمالية الحقيقية، في فترة كانت فيها الكويت تمر بأحلك مراحلها المالية والسياسية: أزمة المناخ أولاً وانعكاسات الحرب العراقية الإيرانية على الاقتصاد الكويتي، ثم الغزو العراقي الغاشم الذي دمّر البلاد. وفي قلب هذه العواصف المتتالية، كان عدنان يُشكّل خبرته ويبني مستقبله.

أسس أول إدارة للمخاطر في تاريخ البنوك الكويتية، وتولى إدارة مجموعة المديونيات الصعبة، تلك الملفات المعقدة التي يتهرب منها الجميع والتي تحتاج إلى مهارات استثنائية في التفاوض وحل النزاعات وتعامل مع أصعب العملاء في أحلك الظروف المالية، وتعلّم كيف يُحوّل الأزمات إلى فرص والخسائر إلى دروس. وفي عام 1985م، وهو لم يتجاوز الثلاثين من عمره بعد، وهو يُعد بذلك من أصغر المدراء سناً في ذلك الوقت في القطاع المصرفي الكويتي، في إنجاز لم يكن مجرد ترقية وظيفية عابرة، بل كان إعلاناً واضحاً أن عدنان العثمان لم يعد مجرد ابن لثري معروف، بل أصبح رجلاً عصامياً قادراً على قيادة المؤسسات الكبرى في أصعب الظروف وأحلك الأزمات. وبعد أن بنى نفسه وأثبت جدارته في عالم المال والأعمال، وبعد أن جمع خبرة أربعة عقود في إدارة البنوك والأزمات المالية، عاد إلى السؤال الذي ظل يؤرقه منذ تلك اللحظة الفارقة أمام مسجد والده: كيف يُطبّق وصية والده كما خُطّت؟ وكيف يُعيد للوقف دوره الحقيقي في خدمة الإسلام والمسلمين؟

وبحكمة ورؤية استراتيجية، عمل عدنان على مدى سنوات طويلة على جمع شمل العائلة وبناء جسور الثقة مع الجهات المعنية، حتى تشكلت عام 2004م لجنة أوصياء رسمية تجمع بين ممثلي الهيئة العامة لشؤون القُصّر وممثلي الورثة، في نموذج فريد يوازن بين قوة القطاع الحكومي وكفاءة القطاع الخاص. ومن تلك اللحظة، انطلق عدنان في تحويل رؤيته إلى واقع ملموس، فأشرف على تأسيس دار العثمان عام 2004 كمركز مجتمعي متكامل يُجسد فلسفة الوصية في حماية الذرية ورعاية الأسرة، حيث قدمت الدار منحاً تعليمية دعمت الكثير من الطلبة من أفراد العائلة، ولا زالت، إضافة إلى دعم صحي شامل ودعم مالي للمعسرين، وفي خطوة رائدة لحفظ الروابط الأسرية، أسس شجرة الأسرة الشاملة التي لم تكن موجودة من قبل، والتي كان لها دور محوري في تنظيم المساعدات وصلة الرحم وحفظ تاريخ العائلة للأجيال القادمة، كما أسس نظام الدعم الأسري المتكامل الذي يضمن وصول الدعم لمستحقيه بكفاءة وعدالة، وأطلق مشروع شباب العثمان لإعداد جيل واعٍ ومسؤول من خلال إشراكهم في المشاريع الخيرية وتنمية روح البذل والعطاء لديهم، وأُطلقت جائزة المرحوم عبدالله عبداللطيف العثمان للتفوق العلمي إلى جانب دورة تحفيظ القرآن الكريم التي استمرت عشر سنوات واستفاد منها أكثر من ألف طالب، ومسابقة القرآن لذوي الاحتياجات الخاصة.

وأشرف المهندس عدنان عبدالله العثمان على تنفيذ مجمع البروميناد، الذي افتتح عام 2010م، وهو أحد أكبر المشاريع الوقفية في منطقة الشرق الأوسط، الذي يضم 160 محلاً تجارياً وأول صالة تزلج في الكويت، إضافة إلى مركز البروميناد الثقافي الذي يحتوي على 18 وحدة من منصة سوب بوكس لدعم ريادة الأعمال الشبابية. وقد حصل المجمع على الاعتماد الذهبي ضمن مبادرة «المجمعات المعززة للصحة» من وزارة الصحة الكويتية، كما حاز على المستوى الألماسي بنسبة 98% في مبادرة «معزز» لتعزيز الأنماط الصحية في المجمعات التجارية على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي، في إنجازٍ يعكس حرص الوقف على المسؤولية المجتمعية والصحية.

ولم يكن البروميناد مجرد مشروع استثماري يُدر الأرباح، بل حوّله إلى منصة ثقافية واجتماعية تخدم المجتمع من خلال برامج متنوعة تشمل الكتابة الإبداعية وعالم القُراء ومشروع خذ بيدي الذي يستهدف تطوير مهارات الأطفال والشباب والأمهات في جوانب متعددة من حياتهم، وفي عام 2013، كان للمهندس عدنان الشرف في استقبال المرحوم سمو الشيخ صباح الأحمد – أمير البلاد في ذلك التاريخ - لافتتاح متحف بيت العثمان، ذلك الصرح الثقافي الذي استقبل أكثر من مئة ألف زائر سنوياً منهم خمسون ألف طالب، وقد أُدرج رسمياً في منهاج اللغة العربية للمدارس الكويتية، ليصبح منارة ثقافية تحفظ التراث وتنقله للأجيال، وفي أكتوبر 2024م، وقّعت لجنة أوصياء الوقف مذكرة تفاهم استراتيجية مع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بشأن شراكة في مجال الاقتصاد الإبداعي لبيت العثمان التاريخي، تضمنت محاور التوثيق التاريخي والبحث الأكاديمي، وتطوير البيت ليصبح معلماً ثقافياً واقتصادياً إبداعياً يجمع بين التراث والحداثة، مع التزام واضح بمعايير الشفافية والاحترافية في الإدارة، في خطوة تؤكد استمرارية رؤية الوقف في خدمة الثقافة والتراث.

التميز المؤسسي والامتداد الثقافي والإنساني

وفي نوفمبر 2025، حصل مسجد المرحوم عبدالله العثمان - بعد ترميم شامل أشرف عليه عدنان شخصياً - على جائزة التميز الخليجي والشهادة المبدئية LEED الذهبية من المجلس الأمريكي للمباني الخضراء، ليصبح أول مسجد في الكويت وأول مسجد تراثي في العالم بأسره يحصل على هذه الشهادة العالمية المرموقة. كانت تلك اللحظة تتويجاً لمسيرة ثلاثة عقود من العمل الدؤوب، حيث استعاد المسجد أنواره ونقوشه القرآنية ومعالمه التاريخية، بل وأصبح نموذجاً عالمياً يجمع بين الأصالة الإسلامية والمعاصرة البيئية.

ولم يتوقف عطاء المهندس عدنان عند حدود الكويت، بل امتد إشرافه من خلال الوقف على المشاريع الخيرية ليشمل عشر دول إسلامية عبر قارتين، حيث يكفل الوقف ستمئة يتيم في برامج متكاملة، ويستفيد مئة ألف شخص سنوياً من مشاريع الإغاثة الموسمية، وتم إنشاء مدارس نموذجية ومراكز طبية، وترميم عشرات المساجد. وفي المجموع، يصل عدد المستفيدين المباشرين من المشاريع التي يُشرف عليها إلى أكثر من مئة وخمسة وأربعين ألف مستفيد سنوياً. لكن الإنجاز الذي يفتخر به المهندس عدنان أكثر من الأرقام هو بناء منظومة حوكمة مؤسسية غير مسبوقة، فقد وضع تشريعات محكمة وقواعد محاسبية صارمة ومؤشرات أداء فاعلة ونظام إدارة مخاطر احترافي، مما أدى إلى حصول الوقف على إحدى عشرة شهادة أيزو، وقد لخّص المهندس عدنان هذه التجربة في كتيب بعنوان وصايا لا تموت، قدّمه كورقة عمل في منتدى الوقف العائلي بالدمام، ليكون نموذجاً يُحتذى به في إدارة الأوقاف العائلية.

ولم يكتفِ المهندس عدنان بالعمل الميداني، بل أراد أن يُوثّق التجربة ويُعلّم الأجيال القادمة، فأصدر سبعة كتب منها ديوان العثمان الذي أعاد فيه جمع ونشر أشعار والده المرحوم، ومدرسة العثمان الذي وثّق فيه تاريخ التعليم الخاص في الكويت من 1931 إلى 1946، ومتحف بيت العثمان بالعربية والإنجليزية كتوثيق معماري واجتماعي فريد، وسلسلة سوالفي التي وصلت إلى جزئها الثاني والثالث قيد النشر لحفظ التراث الشعبي الكويتي، ورحالة العلم والأدب في سيرة محمود توفيق الجراح، والحب طبيب كترجمة أدبية من الفرنسية. ويكتب المهندس عدنان عموداً أسبوعياً بعنوان مدونة مسافر في جريدة القبس منذ سنوات، ويرأس تحرير مجلة شكورا الفصلية الخيرية الثقافية التوعوية.

واليوم المهندس عدنان عبدالله عبداللطيف العثمان هو عضو لجنة أوصياء ثلث العثمان والمدير التنفيذي لوقف العثمان، وهو عضو مجلس إدارة بيت الزكاة ونائب الرئيس، والرئيس الفخري لمتاحف بيت العثمان، وكاتب ومؤرخ وصاحب عمود صحفي، وعضو في جمعية الصحفيين الكويتية وفي الاتحاد الدولي للصحفيي وفي الاتحاد العام للصحفيين العرب.

مسيرةٌ مليئة بالعطاء والخير، والفكر المستنير نستقي منها معنى الالتزام حين يتحول إلى عمل، ومعنى الوفاء حين يُترجم إلى مؤسسات باقية الأثر. هي مسيرة تعلّمنا أن الرسائل الكبرى لا تُحفظ بالشعارات، بل تُصان بالتخطيط والصبر وطول النفس، وأن الوقف ليس مبنى ولا رصيداً مالياً فحسب، بل رؤية تُدار بعقلٍ منظم وقلبٍ حاضر.

ومنها ندرك أن بناء الإنسان يسبق بناء المشاريع، وأن الحوكمة الرشيدة هي الضمان الحقيقي لاستمرار العطاء، وأن ما يُبذل بإخلاص اليوم يمكن أن يمتد أثره لأجيال قادمة.

هكذا تتجلى المسيرة: عهدٌ لم ينقطع، وعملٌ لم يتوقف، وطموحٌ ما زال يمضي بثبات نحو خدمة الدين والوطن والإنسان.

التصنيفات:

→ العودة إلى تصنيف «أعلام العمل الخيري رجال»