تخطّي إلى المحتوى
المجلد الأول · إصدار ١٤٤٧هـEST. 1442 AHدولة الكويت
ويكي خير
موسوعة العمل الإنساني

أعلام العمل الخيري رجال

عبد المحسن محمد صقر المعوشرجي

عبد المحسن محمد صقر المعوشرجي
عبد المحسن محمد صقر المعوشرجي

المولد والنشأة

وُلِد عبد المحسن محمد صقر المعوشرجي بتاريخ ٣/٣/١٩٥١م، في أحضان بيئة كويتية غنيَّة بقيم الخير والعطاء، تلك القيم التي أصبَحتْ محوراً لمسيرته الإنسانية المضيئة، فقد نشأ وسط أسرة تؤمن بأهمية التعليم والعمل الصالح، وتربَّى على مائدة من الأخلاق والالتزام، ما هيَّأه ليحمل على عاتقه همَّاً إنسانيَّاً يتجاوز حدود الوطن، ومنذ صغره أبدى ميولاً للمشاركة المجتمعية، وكان يجد لذَّته في خدمة من حوله، متأثراً بالمناخ الكويتي الداعم للعمل الخيري، سواء على المستوى الشعبي أو المؤسسي.

ولم تكن النشأة في الكويت مجرَّد مرحلة من مراحل التكوين فحسب، بل كانت مدرسة حقيقية فتحت عينيه على معاني التضامن الاجتماعي، وكانت لبيئة الكويت في الثمانينيات -تلك المرحلة التي شهدت تنامي الحراك الخيري- أثرٌ بالغ في صقل شخصيته وتشكيل وعيه تجاه العالَم من حوله، وكانت والدته -كما يذكر- من الشخصيات التي غرَست فيه بذور الرحمة والتعاطف مع المحتاجين، أما والده فهو أحد رجالات الدولة والعمل الخيري والإنساني والتطوعي في دولة الكويت.

امتلك عبد المحسن منذ سنوات شبابه الأولى عقلاً عمليَّاً وروحاً تطوعية، مما جعله يسلك مساراً يجمع بين التخطيط المالي والإحساس الإنساني، وهو ما انعكس عليه في جميع مشاريعه ومبادراته، وقد كان لهذه البذور الأولى فضل كبير بعد فضل الله في انطلاقته نحو مشاريع الريادة في العمل الخيري الكويتي.

التعليم

أدركَ عبد المحسن المعوشرجي منذ البداية أن العِلم هو السبيل لتحقيق أثر مستدام، فانطلق في دراسته بتفوُّق، حتى التحق بالمعهد التجاري (أصبح لاحقًا كلية الدراسات التجارية) وتخصَّص في المحاسبة، وتخرَّج عام 1980م حاصلاً على دبلوم المحاسبة، وقد شكَّلت هذه الدراسة حجر الأساس في مشروعه المهني والتنموي، إذ زوَّدته بالأدوات التي تتيح له إدارة المال بفكر رشيد ومنظور أخلاقي وإنساني.

وكان حريصاً على أن يربط دراسته بالواقع العملي؛ فقد كان يقرأ في مجالات الإدارة والتمويل التنموي، ويستوعب النظريات الاقتصادية الحديثة، ويقارن بينها وبين المبادئ الإسلامية التي نشأ عليها، وكان يرى أن الجانب المالي في أي مشروع خيري هو جزء لا يتجزأ من نجاحه أو إخفاقه، فحرص على تعميق فهمه للعمليات المحاسبية وتخطيط الموارد وإعداد الكوادر البشرية.

وقد أكسبته دراسته قدرة فريدة على تنظيم الأعمال وتطوير الأداء، وهي المهارات التي تجلَّت في أدواره القيادية في وزارة المالية، ثم في اللجان الخيرية والهيئات الإنسانية، ورغم انشغاله العملي؛ لم يتوقَّف يوماً عن التعلُّم الذاتي، بل بقي حريصاً على تطوير معرفته، خاصة في مجالات الإدارة الميدانية للأزمات والعمل الإغاثي، مما جعله مرجعاً في هذا المضمار.

الحياة العملية

بدأ عبد المحسن المعوشرجي مشواره المهني في وزارة المالية فور تخرُّجه، وهناك برزت كفاءته الإدارية والتنظيمية، فتم تعيينه رئيساً لقسم التوعية وتطوير الأداء عام 1983م، ثم مراقباً لمركز التدريب في الوزارة عام 1985م، وهي مناصب مكَّنته من الإشراف على إعداد البرامج وتدريب الكوادر الحكومية، ومن ثم الانتقال للعمل مؤقتاً في ديوان الموظفين العام (ديوان الخدمة المدنية لاحقاً) للإشراف على مركز التدريب فيه.

وكان منفتحاً على تطوير المؤسسات وتحسين أدائها، وأسهم في تأسيس مركز التدريب بالديوان وتفعيله، ثم استمر بالعمل فيه يوماً واحداً أسبوعياً لمدة ستة أشهر، وفي عام 1994م، قرَّر الاستقالة من وزارة المالية ليتفرَّغ للعمل الخيري، بعد أن اكتسب من وظيفته الرسمية رصيداً من الخبرة والتمكن الإداري، أهَّله لقيادة مبادرات إنسانية ضخمة.

وعلى مدار سنوات، عمل مستشاراً لعدد من الشركات التجارية في الكويت، وشارك في لجان تطوير المناهج، كما كان عضواً في «لجنة متابعة الخطة الإنمائية الخمسية»، وكان يؤمن بأن العمل التجاري إذا اقترن بالقيَم؛ يمكن أن يتحوَّل إلى أداة لخدمة المجتمع، وهو ما سعى إلى تحقيقه من خلال مزْج التجربة الإدارية مع الرؤية الإنسانية في مشاريعه المختلفة.

الجانب التطوعي والخيري

كان التحوًّل الأكبر في حياته عندما تمَّت إعارته إلى «اللجنة الكويتية المشتركة للإغاثة» عام 1988م، إذْ شغَل منصب الأمين العام، وانطلق في عمل إغاثي ميداني امتدَّ لأكثر من عقد من الزمن، شمل دولاً عديدة؛ مثل: السودان والصومال والبوسنة وكوسوفا وألبانيا وبنغلاديش، وعايش المجاعات والنكبات عن قُرب، ورافق طائرات سلاح الجو الكويتي التي كانت تنقل المساعدات، وشاهد معاناة الناس وهم ينتظرون لقمة العيش، وكان من أوائل من بادروا بتنظيم العمل الإغاثي على أُسُس إدارية متينة، فأسهم في توحيد جهود الجمعيات تحت مظلة اللجنة، ووضع أنظمة للتوزيع والتنسيق الميداني، وحرص على استشارة أبناء كل بلد لضمان نجاح العمليات، وقد أشرف على مكاتب اللجنة في مناطق النزاع، وأسهم في إنشاء مراكز إيواء وتغذية ومشاريع خدمية وتنموية، كما عمل سنة كاملة لدى «لجنة مسلمي إفريقيا» (جمعية العون المباشر حالياً) وأدار قسم الأيتام، ثم عمل مديراً لـ «لجنة الإغاثة الكويتية» التابعة للهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، قبل أن يصبح مستشاراً لها مع الاحتفاظ بمنصبه، وكان له دور فاعل في أزمة البوسنة، إذْ أسهم في نقل المساعدات وإنشاء مكاتب توزيع داخل ألبانيا، كما عمل على مشاريع تعليمية وصحية ومراكز تشغيلية ساعدت الآلاف، وكان له دور بارز في تأسيس «الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية»، برئاسة الراحل يوسف الحجي - رحمه الله، وكان من المستشارين الذين عملوا على تطوير هياكلها ومشاريعها، كما شارك في جهود تأسيس بنوك الفقراء، كنقلة جديدة في العمل الخيري الكويتي من الإغاثة إلى التنمية.

المؤلفات والمشروعات

من أبرز إنجازاته الفكرية كتابه القيِّم «الإدارة في العمل الإغاثي»، الذي دوَّن فيه خلاصة تجاربه الميدانية والإدارية في ساحات الإغاثة، ليسهم في تأهيل الكوادر الجديدة وتفادي تجارب وملاحظات الماضي، وقد تميَّز الكتاب بواقعيته وبتناوله مواقف ميدانية حقيقية، تُرشِد العاملين في هذا المجال إلى أساليب أكثر فاعلية في تنظيم الفِرَق وإدارة الموارد والتخطيط للمساعدات، وعمل على إعداد كتابه الجديد بعنوان «مِنْ كَسْب يدي»، والذي سعى من خلاله إلى بناء فلسفة عملية للتكامل بين المتبرِّع والمحتاج، كي تنتقل الأُسَر من الحاجة إلى الإنتاج، وذلك من خلال قروض مُيسَّرة تُفضي إلى مشاريع تنموية مستدامة، تحقِّق الكفاية والكرامة في آنٍ واحد، ولرغبته في أن تشمل الكتب القائمة على فكرة الإنتاج والقروض المُيسَّرة؛ أضاف له آفاقاً أوسع، ليكون الكتاب بعنوان «بنوك الفقراء» ليكون نموذجاً للعاملين في هذا المجال.

أما أبرز مبادراته الحالية، فهي تأسيس وإدارة بنك الفقراء في جمهورية الصومال، و بنك الفقراء في جمهورية مقدونيا، والذي يجمع بين التمويل الإسلامي والمشاريع الاجتماعية، عبر قروض صغيرة مُيسَّرة تُمنح للأُسَر الفقيرة لتأسيس مشاريع صغيرة؛ مثل: الخياطة، والحِرَف، أو الزراعة، وفقاً لاحتياجات كل بلد، وقد اعتمد آليات رقابة صارمة، وضوابط «ترجيح» لاختيار المستفيدين الأكفأ من الناحية الاجتماعية والإنتاجية.

وكانت له رؤية استراتيجية واضحة، تمثَّلت في دعوته لإنشاء اتحاد لبنوك الفقراء، على غرار «اللجنة المشتركة للإغاثة»، يضم الجمعيات الخيرية ويوحِّد جهودها في التمويل التنموي.

الرسالة والرؤية

يحمل عبد المحسن المعوشرجي رسالة إنسانية تنبض بالواقعية والتجديد، وتجمع بين فقه الواقع واستشراف المستقبل، ولا يرى في الفقير عالة على المجتمع، بل مشروعاً منتجاً، وقد يكون مُعطَّلاً لأنه بحاجة إلى دفعة صادقة.

كما يؤمن بأن الفقر لا يُعالَج بالمِنَح وحدها، بل بالتمكين والتأهيل، وهو ما قاده لتأسيس نموذج «بنوك الفقراء» الإسلامية القائمة على مبدأ «التكافل المنتِج»، لا «الإحسان العابر».

ويطمح في المرحلة القادمة إلى توسيع هذا النموذج، ودعوة القطاع الخاص للتعاون في بنائه، وإنشاء ورَش عمل لتدريب الكوادر، وضَمان الرقابة الشرعية والإدارية على هذه البنوك، كما يدعو إلى إشراك الحكومات عبر وزارات الشؤون والخارجية، لتأمين غطاء قانوني ومؤسسي يدعم الشفافية ويشجع المانحين.

إن تجربة عبد المحسن المعوشرجي تمثِّل تحوُّلاً في مسار العمل الخيري الكويتي من الإغاثة إلى التنمية، ومن المساعدات اللحظية إلى بناء الإنسان، وهي دعوة مفتوحة لكل من يملك مالاً أو فكراً أو وقتاً أن يكون جزءاً من مشروع الخير المستدام.

التصنيفات:

→ العودة إلى تصنيف «أعلام العمل الخيري رجال»