أعلام العمل الخيري رجال
عبدالرحمن عبدالله محمد العوضي

المولد والنشأة
وُلِد الدكتور عبدالرحمن عبدالله محمد العوضي في 18 ديسمبر 1936م في كنف أسرة كويتية أصيلة، تشرَّبت القيم الإسلامية ومبادئ العطاء منذ نعومة أظفارها، وفي بيئةٍ يغلب عليها الطابع البسيط، وتُقدَّر فيها الأخلاق والعلم.
نشأ عبدالرحمن بين أروقة التاريخ الكويتي الذي كان آنذاك يُبنى على أيدي رجالٍ لا يعرفون الكلل، فصار للطفل الموهوب عينٌ ترصد ملامح النهضة، وروحٌ تتطلع إلى خدمة الوطن، وتفتَّحت مداركه في ظلِّ مرحلة انتقالية مهمة من تاريخ الكويت، حيث كانت البلاد تشهد بدايات التأسيس الإداري الحديث، ومع ذلك لم يكن الطفل عبدالرحمن كسائر أقرانه؛ فقد أبدى منذ بداية حياته شغفاً بالمعرفة، والتزاماً غير عادي في تحمل المسؤولية، وشكَّل محيطه الأسري والمجتمعي بيئة محفِّزة له نحو العمل الدؤوب والتعلُّم الذاتي، وكان منذ صغره يشارك في أنشطة مجتمعية تطوعية بسيطة تعكس حُبًّاً فطريًّاً للعطاء.
لقد كان يرى في الحياة ساحة للجد والاجتهاد، وكان والده قدوة له في الانضباط والخلق والأعمال التطوعية والإنسانية، مما صقل فيه القيم التي ظلَّ يرددها طوال عمره: إن الحياة لا تكتمل إلا حين تُقدِّم فيها للناس، لا حين تَأخُذ منهم فقط.
وقد أكسبته طفولته في الكويت الهادئة آنذاك وعياً بالقضايا التي يعيشها مجتمعه، بدءاً من احتياجات الناس الصحية والمعيشية، وصولاً إلى إحساسه بأن الإنسان الحقيقي لا بد أن يربط بين مكانته العلمية وخدمته للناس، وهي الفكرة التي ستصبح عنواناً لمسيرته بأكملها، وكان من الطبيعي أن تتأثر هذه النشأة بحب الوطن، فتشكَّلت بدايات الحلم؛ بأن يكون للإنسان دورٌ فاعلٌ في نهضة مجتمعه، وذلك بالفعل والعمل والإيمان بأن كل من يعيش على هذه الأرض يجب أن تكون له رسالة إنسانية ينبغي أن يُحسن أداءها.
الدراسة وبدايات التكوين العلمي
شقَّ د. عبدالرحمن العوضي طريقه نحو التعليم الأكاديمي بخطى ثابتة وذهنية استثنائية، تؤمن أن النهضة تبدأ من الفكرة، وأن الفكرة تُصقل بالعلم، فتلقَّى تعليمه الأساسي في مدارس الكويت، حيث لمس فيه معلموه النبوغ المبكر والانضباط العالي، فكان من الطلاب المتفوقين الذين يسألون ويبحثون ويدوِّنون الملاحظات كما لو كانوا يستعدون ليومٍ يُطلب فيه العطاء لا التلقي فقط، وقد كان شغفه المبكر بالعلوم الطبية والإنسانية دافعاً له لاختيار مجال الطب، وهو الاختيار الذي سيحدد ملامح مسيرته، ويجمع بين المهنة والرسالة.
غادر العوضي الكويت في خمسينيات القرن العشرين، في وقتٍ كانت فيه البلاد تُشجع أبناءها على التحصيل العلمي خارجها، فتابع دراسته الجامعية في الخارج، وتنقَّل بين أروقة جامعات مرموقة في لبنان وبريطانيا والولايات المتحدة، متتبعاً نور المعرفة من مصدره، ومطَّلعاً على أنظمة الرعاية الصحية المتقدمة، ومستفيداً من التجارب العالمية في الإدارة والخدمة الطبية.
وخلال سنوات دراسته شارك في الجمعيات الطلابية، ونشط في تأسيس كيانات شعبية تطوعية حتى في المهجر، إدراكاً منه بأهمية العمل الجماعي في أي نهضة حقيقية، وكان يردد دوماً: «لا قيمة لعلم لا يعود نفعه على المجتمع».
وتخصَّص في مجالات الطب الوقائي والصحة العامة، فحصل على بكالوريوس العلوم من «الجامعة الأمريكية» - بيروت عام 1958م، ثم الدكتوراه في الطب من جامعة «أبردين» في المملكة المتحدة عام 1963م، ثم الماجستير في الصحة العامة عام 1965م من جامعة «هارفاد» بالولايات المتحدة الأمريكية، ونال عدداً من الدرجات الفخرية؛ أبرزها: الزمالة الفخرية من جامعة «سيجونغ- كوريا» عام 1977م، والزمالة الفخرية «للكلية الملكية للطب - أيرلندا» عام 1977م، والزمالة الفخرية من «الكلية الملكية للجراحين والأطباء (جلاسكو)» المملكة المتحدة عام 1982م، والزمالة الفخرية «للجمعية الأمريكية للصحة العامة» عام 1982م، وبدأ في التفكير بكيفية توطين العلوم الطبية باللغة العربية، وهو ما سيترسخ في جهوده بترجمة الكتب وتأسيس المراكز العلمية، وكان رائداً في بيئة ما تزال تضع لبناتها الأولى في النظام الصحي الحديث.
لقد كانت مرحلة الدراسة بالنسبة له أكثر من تحصيل أكاديمي؛ كانت ولادة لروح قائد، وتكويناً لوعي إصلاحي سيترجم في مبادرات ومؤسسات تركت بصمتها في كل شبر من الأرض التي مر بها.
الوظائف التي تقلدها
كان الدكتور عبدالرحمن عبدالله العوضي من الذين يصنعون الفرص، ساعياً لتوظيف كل موقع يشغله في خدمة مجتمعه، وبث روح المبادرة في مؤسسات الدولة، ومع عودته إلى الكويت حاملاً شهاداته العلمية وتجاربه الدولية؛ انطلق مباشرة في خدمة وطنه من بوابة وزارة الصحة، حيث بدأ العمل في مجالات الطب الوقائي والصحة العامة، مؤمناً أن الوقاية أهم من العلاج، وأن الإنسان السليم هو أساس التنمية.
وقد تقلد العديد من المناصب داخل الوزارة، فعمل طبيباً عاماً منذ عام ...... حتى عام 1965م، ثم طبيباً مسجلاً في مستشفيات وزارة الصحة حتى عام 1969م، ثم مديراً مساعداً لإدارة الخدمات الوقائية منذ عام 1969م، ثم وكيلاً مساعداً منذ عام 1970 إلى 1975م،ـ ثم دخل البرلمان ليكون عضواً بمجلس الأمة عام 1975م، واختير وزيراً للصحة حتى عام 1983م، ووزيراً للتخطيط والصحة منذ عام 1983 إلى عام 1986م، ليكون وزيرًا للصحة في مرحلة حساسة من تاريخ الكويت، وهي مرحلة البناء والتوسع في البنية التحتية الصحية، وتحت قيادته، شهد القطاع الصحي تطوراً نوعياً، فتم إنشاء مستشفيات كبرى ومراكز طبية متخصصة، وتوسعت الخدمات لتصل إلى المناطق البعيدة، مع تحسين في جودة التدريب والكوادر الطبية، ثم وزيراً للتخطيط من 1988 إلى 1990م، ثم وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء في الأعوام 1990 - 1991م، كما تقلَّد رئاسة مجلس حماية البيئة بدولة الكويت منذ عام 1980 إلى عام 1987م.
كان العوضي وزيراً من طراز نادر؛ فلم يكن يكتفي بالجلوس خلف المكتب، بل كان يزور المراكز، ويتابع المرضى، ويناقش الأطباء، ويبحث الحلول بواقعية وعلم، وكان يؤمن أن الوزارة لا تُدار بالأوامر فقط، بل بالفكرة والقدوة والهمّ الإنساني، ومن أبرز إنجازاته حينها: قيادة بعثة الحج الطبية الكويتية لبيت الله الحرام، وتنظيم العمل الصحي الميداني لحملات الحج، وهو ما ساهم في سنِّ تشريعات لتنظيم البعثات الطبية وتوفير الرعاية المباشرة للحجاج في مقارهم.
وعلى الصعيد الإقليمي والدولي؛ مثَّل الكويت في منظمة الصحة العالمية منذ عام 1964م، وأصبح رئيساً للجمعية العامة لمنظمة الصحة العالمية، وكانت مشاركته فاعلة في لجانها المتخصصة، وساهم في بلورة مفاهيم جديدة تتعلق بالصحة والبيئة، وتقدَّم بمبادرات خلًّاقة، من أبرزها الدعوة لعقد مؤتمر عالمي حول البيئة في ستوكهولم عام 1973م.
كما تقلَّد منصب الأمين التنفيذي للمنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية، وهي هيئة إقليمية تضم دول الخليج والعراق وإيران، عمل من خلالها على مكافحة التلوث البحري وتنظيم آليات الاستجابة لحوادث الانسكاب النفطي، إضافة إلى بناء منظومة بيئية متكاملة لحماية الخليج، وشغل منصب الأمين العام للمركز العربي للأدب الطبي، وكان عضواً في المجلس الاستشاري الإقليمي لمكافحة المخدرات، وتقلد منصب رئيس المكتب التنفيذي لمجلس وزراء العرب منذ عام 1976 إلى عام 1987م.
لقد جسَّد الدكتور عبدالرحمن العوضي من خلال وظائفه مفهوم «المسؤول المتطوع»، إذ لم يكن المنصب نهاية الطموح، بل وسيلة لتحقيق رسالة أكبر مفادها: النهوض بالإنسان الكويتي، وتعزيز مكانة الكويت في المحافل الصحية والبيئية الدولية.
العمل الخيري والتطوعي
كان العمل الخيري والتطوعي هو الميدان الأرحب الذي مارس فيه الدكتور عبدالرحمن عبدالله العوضي رسالته، متجاوزاً الحدود الرسمية، ومنفتحاً على حاجات الناس، ومؤمناً أن العطاء لا يحتاج منصباً، بل إرادة ومبادرة، فمنذ شبابه لم يكن يرى أن مهنته كطبيب أو منصبه كوزير تغنيه عن خدمة المجتمع، بل كان يعتبر ذلك أقل واجب يؤديه تجاه وطنه وأمته.
أسَّس العوضي أو شارك في تأسيس عددٍ كبير من الجمعيات الأهلية والخيرية، كان بعضها الأول من نوعه في الكويت والعالم العربي؛ من أبرزها: «جمعية الهلال الأحمر الكويتي»، والتي تفاعل معها منذ بداياتها كواحدة من المؤسسات الإنسانية الكبرى، وأسهم من خلالها في حملات إغاثية نوعية في فلسطين، والأردن، والجزائر، ولبنان، وغيرها من المناطق المنكوبة، حاملاً معه الشباب الكويتي المتطوع، الذين كانوا -كما يصفهم- وقود هذا العمل الإنساني.
كما قاد بعثات الحج الطبية كرئيس لها، والتي كانت عبارة عن منظومة متكاملة تضم: طبيباً وممرضاً ومرشداً دينياً ومسعفاً، وذلك في كل حملة كويتية، وهو ما شكَّل نواة تنظيم قانوني متكامل لبعثات الحج، تحت إشراف وزارة الأوقاف ووزارة الصحة.
لم يتوقف دوره عند حدود الطب والإغاثة، بل أسهم في تأسيس «الجمعية الكويتية لمكافحة التدخين والسرطان»، و «الجمعية الخيرية للتضامن الاجتماعي»، و «جمعية الخريجين»، و «جمعية اللاسلكي» التي ساعدت في التنسيق بين فرق الإغاثة والطوارئ،ـ وكان له دور كبير في دعم جهود المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية التي ناقشت أبرز القضايا الفقهية المعاصرة في الطب، كزراعة الأعضاء وتعريف الموت، وطفل الأنابيب، جامعاً كبار العلماء والأطباء في ندواتٍ رائدة ساهمت في رسم الخط الفقهي والصحي لهذه القضايا.
كما عمل على تعريب المناهج الطبية من خلال المركز العالمي للتأليف والترجمة في العلوم الصحية، إدراكاً منه لأهمية أن يدرس الطبيب العربي بلغته، ويفهم المريض بلغة قلبه لا لغةٍ مستعارة.
ورغم المهام الجسيمة؛ ظل العوضي قريباً من الشباب، يدعوهم للمبادرة ويشاركهم لقاءاتهم ويؤسس معهم الفرق التطوعية، محذراً من ثقافة الاتكالية، ومشجعاً على العمل الميداني، وكان يقول: «المجتمع الحي هو الذي يبادر ... وكل شاب لا يحمل رسالة هو جسد بلا روح».
لقد جعل الدكتور العوضي من حياته لوحة إنسانية حافلة بالبذل والتضحية، لا يُفرِّق فيها بين محليٍّ وإقليميٍّ ودوليٍّ، بل كان يرى أن الحاجة الإنسانية واحدة، وأن الواجب لا يتجزأ.
التكريمات والإنجازات
لم يكن الدكتور عبدالرحمن عبدالله العوضي يوماً ساعياً وراء التكريم، فقد كان يعتبر أن ثمرة العمل هي في أثره، وفي دعوة صادقة من مريض نجا، أو دمعة امتنان من لاجئ وجد سقفاً يقيه، أو شاب أُلهم ليكون فاعلاً في مجتمعه، ومع ذلك فإن الإنجاز إذا وُجد فإن التقدير لا يتأخر.
نال الدكتور العوضي خلال مسيرته الطويلة عدداً من أرفع الأوسمة وأعلى مظاهر التكريم محلياً وعربياً ودولياً؛ منها: تكريم الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير الكويت الراحل رحمه الله في عام 2011 ضمن مجموعة الأطباء الذين خدموا الكويت 30 عاماً.
وفي الكويت يُذكر اسمه بفخر في الأوساط الطبية والتطوعية، فهو أحد أوائل وزراء الصحة الذين أحدثوا نقلة نوعية في البنية التحتية الصحية، وقد ارتبط اسمه بتأسيس مستشفيات كبرى وبنشر ثقافة الطب الوقائي، كما نُظر إليه دائماً على أنه نموذج للمسؤول الذي يجمع بين العلم والضمير، وبين العمل المؤسسي والمبادرة الفردية.
وعلى المستوى الخليجي؛ كان له دور بارز في تأسيس المجالس والهيئات الصحية المشتركة ضمن منظومة مجلس التعاون الخليجي، وقد شارك في تنظيم برامج مكافحة الأمراض، وتوحيد الجهود الدوائية، والتخطيط لبعثات الإغاثة الخليجية، وكان صوته حاضراً بقوة في كل نقاش يتعلق بتوحيد المواقف الصحية أو البيئية أو الإغاثية بين دول المجلس.
وحصل على جائزة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم الطبية عام 2008م.
أما عربياً؛ فقد برز اسمه كأحد مؤسسي «اتحاد الأطباء العرب»، و «المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية»، وله مواقف ومبادرات في قضايا كبرى؛ مثل: زراعة الأعضاء وتعريف الموت من منظور فقهي وطبي، وهي ملفات شائكة تصدَّى لها بكل شجاعة، فجمع حولها كبار العلماء والأطباء، وأطلق من خلالها وثائق مرجعية لا تزال تُعتمد حتى اليوم في العالم الإسلامي.
وحصل على جائزة «إنجازات العمر» من المنتدى العربي للبيئة والتنمية التابع للجامعة العربية عام 2016م.
كما تم تكريمه في مناسبات دولية، وكان ضيفاً دائماً في مؤتمرات منظمة الصحة العالمية، وشارك في صياغة وثائق بيئية مهمة؛ من بينها: «برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)» الذي انطلقت فكرته من مؤتمر ستوكهولم عام 1973م، وكان من أوائل العرب المشاركين في تأسيس المنظمات البيئية العالمية، مثل «المنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية (ROPME)»، التي اتخذت من الكويت مقراً لها، وحققت إنجازات ملموسة في حماية الخليج من التلوث النفطي والبحري.
ولم تغب قضايا الترجمة الطبية عن اهتمامه، فقد أسَّس المركز العالمي للتأليف والترجمة في العلوم الصحية، الذي عمل على تعريب المناهج والكتب الطبية الجامعية، في مسعى نبيل لجعل العلم في متناول الطالب العربي بلغته الأم.
وقد استمر عطاؤه في ميادين كثيرة، وكانت لديه طموحات كبيرة، لكن الأجل وافاه عن عمر يناهز 83 عاماً قضاها في العمل المستمر والجاد، وارتحل إلى الحياة الآخرة في 6 يوليو 2019، سائلين المولى عز وجل أن يلقى جزاء أعماله الإنسانية والتطوعية عند رب كريم يجازي الإحسان بالإحسان.