تخطّي إلى المحتوى
المجلد الأول · إصدار ١٤٤٧هـEST. 1442 AHدولة الكويت
ويكي خير
موسوعة العمل الإنساني

أعلام العمل الخيري رجال

عبدالإله محمد رفيع حسين معرفي

عبدالإله محمد رفيع حسين معرفي
عبدالإله محمد رفيع حسين معرفي

المولد والنشأة

وُلِد السيد/ عبدالإله محمد رفيع حسين معرفي في الكويت بتاريخ 6 إبريل 1954م، ونشأ في حي الوسط بمنطقة «شرق»، حيث كانت بيوت الأسرَة متجاورة قريبة من مسجد الخليفة ووزارة التخطيط (حالياً) وقصر السيف، وعلى تماس مباشر مع البحر، وهذا القرب من الساحل شكّل وعيه المبكِّر، وأكْسَبه علاقة حيَّة بالأفُق المفتوح والبيئة البحرية التي عُرِفت بها الكويت قديماً، والمتمثِّلة في السباحة والصيد ومتابعة حركة السفن، وفي أجواء رمضان القديمة كان ينتظر وإخوته مدفع الإفطار عند البحر، ثم يركضون دقائق معدودة عائدين إلى البيت للاجتماع على مائدة الأب، في مشهد أُسَري يغذِّي قيمة الأُلفة والانضباط والالتزام بوقت الأُسْرَة.

ينتمي السيد/ عبدالإله معرفي إلى أسرة تجارية كويتية عريقة طبعت حضوراً بارزاً في التجارة والنقل البحري والخدمة الاجتماعية، يتقدَّمُها الوالد محمد رفيع حسين معرفي (مواليد 1909م)، أحد رجال العمل الخيري، وأحد رجال الأعمال المعروفين بدورهم في النقل البحري والتبادل التجاري مع الهند وأوروبا.

في طفولته تعلَّم عبدالإله أبجديات السوق والعمل الميداني من والده وإخوته؛ فكان يتردَّد على «الدكان» في السوق الداخلي، ويقوم مع شقيقه عبد الفتاح بجمع «التحصيل» الأسبوعي من المحلات التي تعاملت مع الوالد في الساعات والبضائع، ثم يسلِّمَان الإيرادات للوالد، كما أحبَّ في صغره التصوير والتوثيق وحفظ الوثائق والمستندات والتاريخ.

ومع تقدمه في السنِّ، توالتْ أدواره داخل الديوان والأُسْرَة؛ فـ «ديوان آل معرفي» كان وما يزال مدرسة يومية للتواصل بالمجتمع والضيوف والتشاور في الشأن العام، وقد شهِد عبر أجيال الأُسْرَة تطوُّراً كبيراً، حتى أُنشئ مقرُّه الحالي عام 2008م، استمراراً لنهج الدواوين الكويتية، وهذا الإرث العائلي والاجتماعي صاغ شخصية السيد/ عبدالإله على قِيَم احترام الكبير وصلة الأرحام، وحسن استقبال الضيوف، واليد الممدودة بالخير، مع استيعاب تنوُّع المجتمع الكويتي والتعايش مع جميع أطيافه، وهكذا بدَأتْ بصمته الأولى: (الولاء للأسرة والديوان، والالتزام بالأمانة والصدق في التجارة، والنَفَس الطويل في المشاريع، وحسٌّ إنساني مبكِّر على أثَر مسيرة الآباء والأجداد).

التعليم والتكوين المبكِّر

تلقَّى السيد/ عبدالإله معرفي مراحل تعليمه الأولى في مدارس الكويت، وكانت بداياته في «المدرسة الوطنية الجعفرية» صباحاً، ثم واصل مراحله الدراسية حتى الثانوية في ثانوية الدعية والتي تم تسميتها بعد ذلك «ثانوية أحمد البشر الرومي» بمنطقة «الدِّعِيَّة»، قبل أن يتَّجِه إلى التخصُّص التطبيقي، مواكباً بوادر التحوُّل التقني الذي كانت تشهده الكويت والمنطقة.

وفي عام 1977م تخرَّج في المعهد التجاري (دبلوم العلوم التجارية التطبيقية ) تخصُّص الحاسب الآلي)، وكان التخصُّص آنذاك «جديداً» بمعنى الكلمة؛ فالكومبيوترات تُدار ببطاقات مُثقَّبة وأنظمة تشغيل أوَّلية، ما منحه خبرة عملية نادرة مبكِّراً، وساهم في توسيع نظرته للإدارة الحديثة ومعالجة البيانات وتطبيقاتها في التجارة والإدارة المالية.

ولم يكن التعليم الأكاديمي منفصلاً عن مدرسة الحياة التي احتضنته في معرض العائلة والسوق الداخلي؛ فمنذ مقاعد الدراسة تعرَّف عملياً على أصول البيع، وكيفية التفاوض مع التجار، وفهم سلاسل الإمداد، والشراء والبيع والتحصيل، وكان والده يحرص على أن يعمل الأبناء مستقلِّين تحت المظلة، وأسَّس لهم مؤسسة وقال لهم: «اعملوا وأنا أساندكم»، فيتعلَّم معهم ضبط التكاليف واحتساب الربح وتدوير السيولة.

ومع كل عطلة مدرسية، كان السيد/ عبدالإله معرفي موظفاً متدرِّباً: ينظِّف ويرتِّب المحل ويجهِّز الشاي للضيوف، ويراقب بحسٍّ يقِظٍ أساليب التعامل مع الزبائن كباراً وصغاراً، ويستمع لنقاشات الصفقات، ويتعلَّم الفَرْق بين السعر والقيمة.

هذه الثنائية (تعليم تقني حديث + تدريب سوقي مبكِّر) صاغت عقليَّته العملية المتوازنة، فالقيمة عنده ليست في الأجهزة بل في المنهج المتمثِّل في: (حسابات دقيقة، ومعلومات موثوقة، وإجراءات واضحة)، وحين دخل إدارة شركات العائلة لاحقاً؛ سَهُل عليه قراءة الأرقام وتفعيل التكنولوجيا بما يخدم قرار الشراء والاستثمار والتشغيل، كما أورثه حب الوالد للتوثيق والتصوير شَغفاً بالأرشفة الرقمية لاحقاً، إذْ بدأ منذ أواخر السبعينيات اقتناء الكاميرات وتحويل الألبومات إلى صور رقمية تحفظ الذاكرة وتخدم العرض المؤسسي، وهكذا تبلور تكوينه في: (معرفة مدرسية رصينة، ومهارة ميدانية مُتْقنة، وإحساس مبكِّر بأن التكنولوجيا خادم أمين للاقتصاد والخير معاً).

الحياة العملية والقيادية

انطلق السيد عبدالإله معرفي في مساره المهني عقِب التخرُّج مباشرة داخل مؤسسات العائلة، فتدرَّج من مدير تجاري 1985 -1977م، إلى نائب مدير عام 1986-1990م، ثم مدير عام1998 -1991 م في شركة أولاد محمد رفيع حسين معرفي، بالتوازي مع إدارته «شركة وارة العقارية» «ش. م. ك. م» 1999 -1978م مع أشقائه، وإدارته «مؤسسة محمد رفيع حسين معرفي الخيرية - الكويت»1999 -1978 م، ومن بعدها تدرَّج في مسؤوليات الشركات المختلفة لمجموعة معرفي حتى عام 2012م، تولَّى رئاسة مجلس إدارة «مجموعة شركات معرفي»، وهي مجموعة تخصُّصية في المقاولات والتجارة والعقار والفنادق والصناعة والأنشطة الاستثمارية التعليمية، وقد حافظَت على استمراريةٍ قاربت قرناً منذ بدايات 1919م التي احتفلَتْ بها الأُسِرَة بمئوية المجموعة.

وامتدَّت خبراته القيادية إلى قطاعات استراتيجية في السوق الكويتي؛ منها:» شركة الخليج للتأمين» (عضو مجلس إدارة 1997- يونيو 2024م)، و «الشركة الوطنية للاتصالات المتنقِّلة «Ooredoo (رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب 1998م)، و «الشركة الأولى للفنادق» «ش. م. ك. م» (رئيس مجلس الإدارة منذ إبريل 2005م)، وتشغِّل فنادق: «راديسون بلو- الكويت»، و «فندق الواحة»، إضافة إلى «الشركة الكويتية للمعارض» (نائب رئيس مجلس الإدارة 1989-1998م).

وفي المجال العام تولَّى عضوية «لجنة المناقصات المركزية» (فبراير 2000-فبراير 2004م) بقيمة مناقصات تتجاوز «مليار دينار كويتي» سنوياً، وأسهم في «اتحاد أصحاب الفنادق الكويتية» من عضو مجلس إدارة إلى نائب للرئيس (2004-2025م)، وفي «اللجنة الدائمة لتصنيف المنشآت السياحية والفندقية» بوزارة الإعلام (2016-2022م).

وقد أتاح له هذا التنوُّع العريض فهماً مُعمَّقاً لديناميكية القطاعات؛ من الاتصالات إلى الفنادق والعقار والتأمين، وكيف تُدار الحوكمة والمخاطر والفرص في كل قطاع، ويُحسب له حرصه المتواصل على توطين الخبرة المؤسسية داخل المجموعة العائلية عبر التدرُّج، وتفويض الكفاءات، وبناء الشراكات، وتحديث البُنْية الإدارية والمالية والرقمية بما يضمن استدامة الأعمال وخدمتها لرسالة العائلة في الاقتصاد والمجتمع.

العمل الخيري والإنساني

نشأ السيد عبدالإله معرفي في بيتٍ يرى التجارة مع الله أعلى مراتب الاستثمار؛ فالوالد وضع وصية مُحْكَمة جعل فيها ثلثاً للأعمال الخيرية، وأسَّس باكراً لمشروعات رعايةٍ داخل الكويت وخارجها، واستمرت المسيرة مؤسسياً عبر «مؤسسة محمد رفيع حسين معرفي الخيرية»، ثم «مبرَّة معرفي الخيرية - الكويت»، التي ترأَّسَ مجلسها (2000-يوليو 2024م)، ورئيس «هيئة أمناء مبرة معرفي - باكستان» (جلجت بلتستان) التي يرأسها منذ 1987م، حيث تقدِّم برامج تعليم وتمكين ورعاية صحية في مناطق جبلية محرومة وصعبة التضاريس، ووِفْق ما وثَّقه في اللقاءات والمواد المُرسلة؛ نفَّذت المبرة هناك أكثر من 1000 مشروع، منها نحو 380 مدرسة، تحتضن ما يقارب 40 ألف طالب، و 64 مستوصفاً، ومراكز خدمة مجتمعية، وقاعات دراسية، وتجهيزات حاسوبية، مع زيارات متابعة ميدانية سنوية، وإشراك الأبناء والبنات في الرحلات التطوعية والتوثيق.

وفي العراق سبقت للأسرة مبادرات صحية واجتماعية؛ من مستشفى للولادة في البصرة 1958 م، ومستشفى للأطفال 1972م ومشروع توسُّعي وُضع حجر أساسه في 25 فبراير 1990م، وتعذَّر استكماله بسبب ظروف الغزو العراقي على دولة الكويت وما تلاه.

وقد تقلَّد أيضاً منصب نائب رئيس مجلس إدارة «اتحاد الجمعيات والمبرات الخيرية» في الكويت بين عاميْ (2017 - 2024م) ساهم من خلالها في إرساء قواعد الاتحاد والتنسيق بين الجمعيات والمبرات الخيرية الكويتية، وفي يوليو 2024م أسَّس جمعية خيرية وتولَّى إدارتها وهي «الجمعية الإنسانية الخيرية» امتداداً لمساره المؤسسي في القطاع الأهلي، وتأكيداً على فلسفته بأن الخير عملٌ منظمٌ مستدام، لا موسميّ ولا ارتجالي، وأن وثائق الأُسرَة ومشاريعها إنما هي رصيد مجتمع يجب أن يُحفَظ للأجيال.

وخلال جائحة كوفيد-19 تعزَّزت المسؤولية داخل الكويت؛ فأطلقت المبرَّة ومجموعة شركاء «حملة فزعة كورونا»، والتي شهِدت تفاعلاً شعبياً كبيراً وتبرعات عريضة خلال ساعات، وجرى التركيز على الوجبات الغذائية والسلال الغذائية والمواد الأساسية للأُسَر المتضررة، وبمبادرة شبابية من بنين وبنات الأُسرَة وفِرَق متطوعة؛ صُنِّع ووُزِّع 40000 واقٍ للوجه (Face Shield) على نحو 85 مستشفى ومستوصفاً حكومياً، بالإضافة إلى توزيع أكثر من 4500 وجبة غذائية، إلى جانب حمَلَات اللحوم بالتنسيق مع شركة المواشي، وِفْق قسائم يُراعى فيها أعداد الأُسَر، بالإضافة لبرامج السلال الغذائية والوجبَات في ذروة الحظْر وشِدَّة حرِّ الصيف.

وتجلَّى بُعد الأسرة المتطوِّعة في الفعل لا مجرَّد القول، إذْ شارك الأبناء والبنات في التوزيع والتوثيق والتشغيل، ونالوا تكريمات مجتمعية؛ منها: جائزة «الابن البار» ضمن مبادرات «مبرة إبراهيم البغلي للابن البار»، بوصفها نموذجاً لتمكين الشباب والمرأة في العمل التطوعي.

المشاركات والعضويات والحوكمة المجتمعية

امتدَّت مساهمات السيد/ عبدالإله معرفي إلى فضاءات الحوار والوقف والدبلوماسية العامة، فمنذ 2004م يشغل نائب رئيس «اللجنة الاستشارية للوقف الجعفري - الأمانة العامة للأوقاف»، وكذلك شغَل عضوية «الهيئة الدولية للأديان من أجل السلام» - Religions for Peace» (2004- إلى نوفمبر 2023م)، وشارك في مؤتمراتها العالمية والإقليمية (من كيوتو اليابان إلى ملتقيات أوروبا والأمريكيتين)، والتي تركِّز على التعايش والتعاون ونبذ العنف.

وفي التعليم الأهلي، هو عضو «الاتحاد الكويتي لأصحاب المدارس الخاصة» منذ 2014م، وعلى صلة ببرامج الحوكمة والاعتماد والتطوير المؤسسي.

ويُسجَّل للأسرة بقيادة أشقائه وإسهامه؛ توثيق التراث البحري الكويتي عبر السفن الخشبية التي حفِظت ذاكرة البحر بصناعة «البوم المحمدي الأول» ثم «المحمدي الثاني» في مطعم البوم في «فندق راديسون بلو»، و «بغلة الهاشمي»، كأكبر سفينة خشبية في العالم «مُسجَّلة في موسوعة غينيس للأرقام القياسية»، ورحلة «الغزير» التاريخية من الهند إلى الكويت عام 1983م، التي وُثِّقت تلفزيونياً بالتنسيق مع وزارة الإعلام في حينه، ومرَّتْ على محطَّات عديدة، ورَسَتْ في موانئ مسقط والبحرين، واستُقبِلتْ استقبالاً رسمياً وشعبياً في الكويت، كما صدر للأسرة أربعة كتب وثائقية: وكتاب موسَّع عن عائلة آل معرفي، واستغرق جمع وثائقه وصوره نحو 35 عاماً، وتجاوز 600 صفحة، وسيرة محمد رفيع حسين معرفي- رجل التجارة والسياسة والإنسانية، وكتاب حسين معرفي، وسيرة الدكتور عباس معرفي، مع اعتماد واسع على وثائق مركز الدراسات والوثائق والمواد الأرشيفية البريطانية.

عُرف السيد/ عبدالإله معرفي وأسرته بحضورٍ إنساني يتجاوز الحدود؛ ففي 2010م مُنح هو وشقيقه عبدالفتاح معرفي وساماً رئاسياً من رئيس جمهورية باكستان الإسلامية، تقديراً لجهودهم الممتدة في منطقة (جلجت بلتستان- شمال باكستان)، حيث تحوَّلت مبادرات التعليم ورعاية الصحة والبُنى الأساسية إلى أثرٍ مجتمعيٍّ ملموس، تُقاس نتائجه بأعداد المدارس والطلاب والمستوصفات ومراكز الخدمة المجتمعية، وبالتحوُّل الثقافي في نظرة الأهالي لتعليم البنات وتمكينهن، وفي الكويت عكست تكريمات جائزة «الابن البار» لفِرَق الأسرة المتطوعة -خلال جائحة كورونا- تقدير المجتمع لمبادرات التصنيع المحلي للوقايات الطبية (Face Shields) وتوزيعها المنهجي على مؤسسات الدولة الصحية، ولِشبكات التطوع العائلية التي شاركت فيها بنات الأسرة وشبابها جنباً إلى جنب مع متطوعين من خارج العائلة.

وهكذا تتكامل حلقات حياة السيد عبدالإله معرفي: بيتٌ راسخ، وعلمٌ وخبرة، وسوقٌ وإدارة، وديوانٌ وهوية، ووقفٌ وخير، لتبقى سيرته شاهدة على أن النجاح الحقيقي في الكويت هو ذاك الذي يُترجم في أثرٍ اجتماعي مستدام تُصافحه يدُ العطاء ويدُ الإدارة في آنٍ واحد.

التصنيفات:

→ العودة إلى تصنيف «أعلام العمل الخيري رجال»