تخطّي إلى المحتوى
المجلد الأول · إصدار ١٤٤٧هـEST. 1442 AHدولة الكويت
ويكي خير
موسوعة العمل الإنساني

أعلام العمل الخيري رجال

حسين عيسى عبد العزيز مال الله

حسين عيسى عبد العزيز مال الله
حسين عيسى عبد العزيز مال الله

المولد والنشأة

في الخامس عشر من أبريل عام 1948م، أبصَر النور في جزيرة «فيلكا» أحد أبناء الكويت البررة، حسين عيسى عبد العزيز مال الله، ليُصبح من رواد العمل الخيري الإنساني في بلاده وخارجها.

وُلِد وسط بيئة بحرية أصيلة، تُجسد روح الكويت القديمة، حيث البحر مصدر رزق، والإنسانية والتكافل والتراحم والمحبة جزء من الهوية المجتمعية، وعاش سنواته الأولى في أجواء تحمل عبق التاريخ والتراث في جزيرة «فيلكا»، قبل أن تنتقل أسرته عام 1955م إلى «الحي القِبْلي» بمدينة الكويت، ثم استقرت بعدها في منطقة «كيفان» عام 1956م، ليبدأ فصلٌ جديد في حياته، شكَّل وعيه وفتح أمامه آفاقاً واسعة في التعليم، والانضباط، وخدمة المجتمع.

نشأ حسين مال الله في بيت متواضع مليءٍ بالقيم، عميق بالتربية، توافرت له فيه بيئة أسرية تشجع على العلم، وتُعزز من حب الخير، مما أثَّر في سلوكه منذ صغره، وكان فطناً محباً للقراءة والاطلاع، ملازماً للمسجد، محاطاً برفقة صالحة ساعدته في تعزيز إيمانه، وتشرُّبه روح العطاء، وما لبثت هذه الروح الطيبة أن رافقته في جميع مراحل حياته، فكان نموذجاً للطفل الكويتي في خمسينيات القرن الماضي، الذي استمد من أسرته والمجتمع المحيط به منظومة من القيم الإسلامية والعربية، أدخلته إلى ميادين الجدِّ والعلم والعمل، وكانت نشأته بين جزيرة «فيلكا» وحي «القِبْلة» ثم منطقة «كيفان» قد ساهمت في تعلقه بالأرض والناس، وأعدته ليكون جندياً في ساحات الكرامة، وقائداً في ساحات الفكر والعطاء، ومُبادراً في ميادين النبل الإنساني.

التعليم

بدأت رحلة التعليم الأولى للواء الدكتور حسين مال الله في «مدرسة فيلكا الابتدائية»، حيث تلقَّى الأُسس الأولى للعلم في بيئة بسيطة تُقدَّر المعرفة، بين مدارس الكويت، فدرس في «مدرسة عمر بن الخطاب» في منطقة «القِبلة»، ثم في «مدرسة الشامية»، ليستقر في منطقة «كيفان» التي شكلَّت مرحلة مهمة في تكوينه التعليمي والشخصي، وهناك واصل دراسته المتوسطة في «مدرسة الخليل بن أحمد»، ثم أنهى المرحلة الثانوية في «ثانوية كيفان» عام 1968 أو 1969م، محققاً نجاحاً مميزاً أهَّله للالتحاق بإحدى أهم الكليات في البلاد.

وانضم إلى «كلية الحقوق» بجامعة الكويت، عندما كانت تُعرف بـ «كلية الحقوق والشريعة» قبل انفصال الكليتين، وتخرج منها عام 1973م، وقاده شغفه بالعلم والبحث إلى مواصلة دراساته العليا، فنال درجتيْ الماجستير والدكتوراه في القانون الدولي من «الجامعة الأمريكية» في واشنطن (Washington College of Law)، إحدى أعرق المؤسسات الأكاديمية القانونية في الولايات المتحدة.

وفي إطار سعيه الدائم نحو التميز الأكاديمي؛ التحق بدورات تخصصية متقدمة؛ من أبرزها: دورة الضباط الاختصاصيين في الكلية العسكرية بالكويت، ودورة حفظ السلام في الأكاديمية العسكرية في مدينة فيينا عاصمة النمسا، ودورة إجراءات المحاكمة في المعهد الدولي للقانون الإنساني بمدينة سان ريمو الإيطالية، إضافة إلى دورة تخطيط العمليات العسكرية.

هذه الرحلة العلمية الثرية زوَّدته بخلفية قانونية وعسكرية رفيعة، وجعلته مرجعاً في مجاله، فجمع بين أصالة التكوين المحلي وعمق المعرفة الدولية، ليؤسس لنفسه مساراً مهنياً متفرداً، ويُصبح من أبرز المتخصصين في القانون العسكري والدولي، ومن المحاضرين والباحثين الذين تركوا أثراً بارزاً في الدراسات القانونية في الكويت.

الحياة العملية

بعد تخرجه من جامعة الكويت، التحق بوزارة العدل، حيث قضى ثلاث سنوات في المجال القانوني المدني، قبل أن ينضم إلى الجيش الكويتي بدورة ضباط استثنائية استمرت خمسة أشهر، تخرَّج منها برتبة ملازم أول، لتبدأ بذلك رحلته المهنية في المؤسسة العسكرية، التي ترك فيها بصمة لا تُنسى.

وبدأ عمله العسكري في الشؤون القانونية للقوات المسلحة، فأسهم في تأسيس وقيادة الشعبة القانونية العسكرية، وترأَّسها منذ نشأتها حتى تقاعده، وتنقَّل بين المناصب والمهام، وتدرَّج في الرتب العسكرية حتى بلغ رتبة «لواء»، وكانت مسيرته تتميز بالانضباط والدقة القانونية وحسن الإدارة، مما جعله مرجعاً في المجال القانوني العسكري داخل المؤسسة الدفاعية.

وتميَّز بحضوره القانوني في المحافل الدولية، فشارك كممثل للكويت في العديد من المؤتمرات؛ من أبرزها: المؤتمر الخامس والعشرون للهلال والصليب الأحمر في جنيف، ومؤتمرات القانون الدولي في بروكسل، واجتماعات خبراء القانون الدولي في مجلس التعاون بالرياض، وكان رئيس وفد الكويت في لجنة نزع السلاح لمنطقة الشرق الأوسط في جامعة الدول العربية

بالقاهرة كما ترأس لجنة دراسة الأخطار البيئية الناتجة عن الطيران الإسرائيلي واستخدام النفايات النووية.

وخدم أيضاً كملحق عسكري في سفارة دولة الكويت في أبو ظبي، وكان سفيراً غير مقيم في كلٍ من: إسلام آباد ونيودلهي ومسقط، كما شغل عضوية مجالس إدارات عديدة؛ من بينها: مجلس التسليح المركزي بوزارة الدفاع، والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، إضافة إلى إسهاماته كمحاضر في عدد من المعاهد والكليات العسكرية والقانونية، وككاتب في مجلات؛ مثل: «حماة الوطن» و «الجيش» و «التقدم العلمي».

الجانب التطوعي والخيري في حياته

بعد تقاعده عام 2005م، انطلقت مرحلة جديدة من حياته أكثر إشراقاً وتأثيراً، إذ تفرَّغ للعمل الخيري، فكان عطاؤه ممتداً داخل الكويت وخارجها، منطلقاً من إيمان راسخ بأن العمل الإنساني رسالة لا تتقيد بوظيفة أو رتبة.

وبدأ نشاطه الخيري من صعيد مصر، وتحديداً في محافظة سوهاج، حيث بادر ببناء مسجد بالتعاون مع أصدقائه ورواد مسجده في الكويت، ومنها توسَّعت المشاريع إلى تزويج اليتيمات، وبناء الأوقاف، وتوزيع اللحوم والمواد التموينية، وتأسيس مدارس لتحفيظ القرآن الكريم، كما خصَّص طابقاً كاملاً من عمارة وقفية لتعليم القرآن الكريم، مشجعاً الحافظين والمحفِّظين عبر تقديم الجوائز والدعم المستمر.

وفي السودان، نفَّذ مشروعات نوعية؛ مثل: حفر آبار المياه وتوصيلها إلى منازل القرى، وتوفير الختان الآمن للأطفال، وتزويج الشباب، وتنفيذ مشاريع تمكين اقتصادي للأرامل والمكفوفين، من خلال مطاعم متنقِّلة للفول والفلافل، كما دعم ضحايا السيول بالخيام والطرابيل والمساعدات النقدية.

أما في اليمن، فقد كانت له إسهامات في بناء بيوت للفقراء، وكفالة اليتامى، وتوزيع البقر والجاموس لتحسين دخل الأسر، إضافة إلى تنفيذ مشاريع الطاقة الشمسية لإنارة منازل المحتاجين، خاصة في المناطق الجبلية النائية.

و في الفلبين دعم مستشفىً خيرياً من خلال تمويل عمليات إزالة المياه البيضاء (الكتاراكت)، وإنشاء مطعم ومشغل إنتاجي يدعم نفقات المستشفى، فضلاً عن شرائه مزارع أرز تمثِّل مصدر دخل مستدام، إلى جانب حفر آبار للمياه النظيفة.

وكان له نشاط في دعم اللاجئين السوريين في الأردن وتركيا، عبر كفالة الجرحى، وتقديم المساعدات النقدية والعينية، وتمويل عيادات تخصصية، وتوزيع الإفطار الرمضاني، ومساعدة الأطفال والنساء في المخيمات.

كما زار جيبوتي وقدم مساعدات للمعاقين والمحتاجين والمرضى.

الإصدارات والجهود الفكرية

إلى جانب عطائه المهني والخيري؛ تميَّز الدكتور حسين مال الله بإنتاج فكري وثقافي زاخر، فكان قارئاً نهماً، وكاتباً متأملاً، ومؤلفاً ملتزماً بقضايا الإنسان والعدالة والقانون، ولديه مكتبة في منزله مليئة بالكتب المتنوعة وفي مجالات متعددة، وقد بدأ التأليف بعد تحرير الكويت، وكان أول كتبه بعنوان «مجرمو الحرب العراقيون»، صادر عن مركز البحوث والدراسات الكويتية، وتمت ترجمته إلى الفرنسية والإنجليزية، ومُنحت نسخة منه لمكتبة الكونغرس الأمريكي. ومن مؤلفاته الأخرى: «الجيش الكويتي في الحروب العربية الإسرائيلية»، و «أسرى الكويت ومسؤولية الحكومة العراقية»، و «القضاء الكويتي النشأة والتطور»، و «دراسات في القانون الدولي»، و «محاكم التفتيش وتاريخ الأندلس من منظور قانوني»، وتناول في الأخير الإبادة الجماعية للمسلمين في إسبانيا، داعياً إلى المطالبة بالتعويضات كما فعل الأرمن واليهود مع دولهم المعتدية.

وقد جمَع في كتاباته بين التحليل القانوني العميق والموقف الأخلاقي الإنساني، فوثَّق التاريخ وانتقد الجرائم ودعا إلى ترسيخ العدالة، ولم تكن مؤلفاته مجرد تنظير أكاديمي، بل كانت وثائق تنبض بوجدان كويتي مخلص، ورؤية عالمية منفتحة على حقوق الإنسان، وضرورة النهوض بالأمة في ميادين الفكر والعدل والتنمية.

التصنيفات:

→ العودة إلى تصنيف «أعلام العمل الخيري رجال»