أعلام العمل التطوعي رجال
حامد محمد الياقوت

النشأة والولادة:
ولد عام 1959م في منطقة القبلة، ونشأ وترعرع في منطقة الخالدية، بين والدين متدينين، حيث اكتسب الكثير من القيم من هذه البيئة، والكثير من الطباع التي كان يتميز بها رحمه الله.
الدراسة:
دخل مرحلة رياض الأطفال في منطقة النقرة، والابتدائي في مدرسة الغزالي منقطة الشويخ، والمتوسطة في مدرسة الخالدية المتوسطة، والثانوية في منطقة الخالدية، ثم التحق بجامعة الكويت كلية الشريعة والحقوق ثم تخرج عام 1982م.
المناصب:
- محامي في محكمة التمييز والدستورية العليا.
- عضو جمعية المحامين الكويتية.
- محكم معتمد في مركز الكويت للتحكيم التجاري (متخصص في التحكيم في المنازعات المتعلقة بالعقود الإسلامية التي تبرمها الشركات الاستثمارية، ونزاعات المحافظ والصناديق الإستثمارية).
- محكم معتمد في مركز التحكيم التجاري الخليجي.
- مؤسس مجموعة الياقوت القانونية للمحاماة والإستشارات القانونية.
- مدير الإدارة القانونية في بيت التمويل الكويتي من 2008/8/1 حتى 2011/8/1.
- مستشار قانوني لشركة المستثمر الدولي من 199/2/1 حتى 2003/10/31م.
- مستشار في إدارة الفتوى والتشريع بمجلس الوزراء.
- مستشار قانوني للإمانة العامة للجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة من 1992 حتى 1997م.
- مدرس مقرر القانون التجاري بكلية الدراسات التجارية 92/91 و 93/92.
- محاضر في الكثير من وزارات الدولة عن إبرام العقود الإدارية في ضوء قانون المناقصات المركزية.
- المشاركة في فريق العمل المعين بممارسات العقود الدولية المنبثقة عن لجنة الأمم المتحدة.
أبرز الصفات:
الاحتساب و الصبر:
كان من طبيعته العجيبة أنه ليس من عادته الشكوى لأحد إلا إلى الله تعالى، حتى في أشد الأزمات والأمراض فإنه لا يشتكي إلى أحد، ولو لا حاجته للبوح في مرضه إلى الطبيب لما صرح لأحد بذلك، وكان أبناؤه يلاحظون هذه الصفة فيه، وكان واسع الصدر، وكثير التحمل، وقليل الشكوى، حتى كان يتمثل منه قول الشاعر:
سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري
يصف ابنه يوسف هذه الصفة فيه فيقول : «كان صبوراً شكوراً رحمه الله، فأول ما سمع بخبر مرضه، حمد الله في البداية، واستبشر خيراً، فكان حسن الظن بربه، واثقاً و مؤمنا به، حتى أخبروه الأطباء في أمريكا وهو يعالج، بأن أيامك أصبحت محدودة ومعدودة، فكان يقول لهم ويقول لنا، أن الأمر كله لله وليس لأحد سواه ،وليس الأمر بيد أحد ،وإنما بيد الواحد الأحد، فعلى هذا النفس، وهذه العزيمة، لم ييأس ولم يجزع، وظل صامداً صابراً، يبذل السبب ويستكمل علاجه ،وهو يعلم أن الخير كل الخير، فيما يقضيه الله تعالى في السراء و في الضراء، وكان يحلِّق بالإيمان، و يلهج بالذكر، ويعيش بالذكر، ويعيش بالثقة، ويترقب الأمل، ويخوض غمار التحدي، ويذلل الصعاب، ويتخطى العوائق والعقبات، ولم يعرف الاستسلام له طريقاً»
العفو والصفح عمن أساء إليه:
كان رحمه الله يتعرض أحياناً إلى بعض المضايقات، و الإساءات من زملائه بالعمل أو المراجعين، فكان من عادته ألا يرد على أحد، بل يتجاوز عنهم، ويعفو ويصفح حتى لمن يسيء إليه، ويسمعه ألفاظاً جارحة، ولم يكن يشتكي لأحد عنهم، وما كان من عادته ذكر من يسيء إليه، ولا حتى ذكر أسماءهم.
إتقان العمل:
كان رحمه الله حريصاً على الإتقان في كل ما أسند إليه من الأعمال، وما كان يترك وراءه أي ثغرة ممكن أن تحدت أي نقص في عمله، وكان يحب الاعتماد على نفسه دون الاعتماد على غيره، وكان حريصاً على الالتزام بالمواعيد، لمعرفته بأهمية الوقت، وكان متابعاً بنفسه لكل أعماله بالرغم من صفة التفويض للآخرين إلا أنه لم يكن يترك العمل تماماً دون متابعة لما يسنده من أعمال لغيره، لخوفه من سؤال الله يوم القيامة.
بر الوالدين:
كان متميزاً رحمه الله في بره لوالديه، حيث برز ذلك عند وفاة والده، وبقاء والدته لوحدها في منزلها في منطقة الخالدية، وبيع البيت فبادر رحمه الله باحتضان والدته في بيته حتى وفاتها، وكانت فرصة كبيرة للاحتكاك الكامل والرعاية الكاملة منه ومن أبنائه لها، وقد اشترى سيارة خاصة لها، كان يغيرها كل عام ،وسائقاً خاصاً لها، براً بها، وارضاءاً لها وكان يصر على مشاركته لها في جميع الوجبات حيث كان يذهب هو وأبناؤه إلى شقتها ويأكلون معها وبالرغم من انشغاله الكبير إلا أنه كان يلتزم بتواجده معها كل يوم.
يصف ابنه يوسف هذه الصفة فيه فيقول : « تميز رحمه الله تعالى تميزاً كبيراً في بره بوالديه، حيث كان يحمل همومهما، ويتفقد أحوالهما، ويلبي كل احتياجاتهما، ودائم الاتصال والتواصل معهما، واستمر على ذلك إلى آخر يوم من حياتهما رحمهما الله تعالى، حتى بعد وفاتهما لم يتوقف بره لهما، حيث كان يكثر من الدعاء والاستغفار لهما، ويقدم الصدقات والتبرعات، ويعمل المشاريع الخيرية والدعوية كان يحترمهما أشد احترام، ويقدرهما أكبر تقدير، فلم ينهر هما أبداً، ولم يرفع صوته عليهما بتاتاً، وكان شديد الرفق بهما، قريباً من قلبيهما، حتى أحباه حباً شديداً رحمه الله تعالى.
عشق المبادرة في برهما، فكان دائما سباقاً لمد يد العون والمساعدة، ويسعى لكسب رضا همها، فجعل برهما والتقرب منهما، والجلوس معهما ومصاحبتهما، من الأولويات المهمة في حياته، حيث أذا تعارضت مع ارتباطاته وانشغالاته قدمهما على ما سواهما -وقف مع والديه وقفة حب وبر ووفاء في حال صحتهما ومرضهما، فكان مثالًا يُقتدى به، وصاحب همة عالية، وتضحية عظيمة، حيث صاحبهما في السفر والحضر وفي اشتداد المرض، وكان دائماً يوصي أبناءه على برهما والسؤال عنهما والجلوس معهما، فغرس في أبنائه كل الصفات الحميدة، والقيم الفاضلة، التي تدعوا إلى بر الوالدين، فكان لهم قولًا وعملًا حتى أصبح قدوتهم في ذلك رحمه الله تعالى».
الربانية:
كان رحمه الله ربانياً بمعنى الكلمة فما كان يترك يوماً لا يقوم فيه الليل، ولا يترك يوماً لا يمكث فيه بعد الفجر حتى الشروق، وكان حريصاً على جمع أبنائه بعد الفجر وتعليمهم قراءة القرآن وبعض الخواطر الإيمانية وكان حريصاً على صوم الاثنين والخميس، والأيام البيض، ويحرص على الإفطار مع زوجته، وكان حريصاً على الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان.
ويقول ابنه عنه : « كان رقيق القلب، مفعم بالمشاعر، يتأثر وتدمع عيناه، خشية الله تعالى، مجتهداً في الطاعات والقربات، ويسارع في الخيرات، ومحافظاً على قراءة القرآن وحفظه، وحريصاً على ورده
وتذكر والدتي، أنها كلما استيقظت من الليل وجدته قائماً يصلي يقوم الليل ويقرأ القرآن، وكان قلبه معلق في المساجد.
راغباً بما عند الله، زاهداً في دنياه ،حركاته وسكناته وخطواته كلها لله، ذاكراًًً لله بلسانه ،حامداً بأفعاله، شاكراً لنعم ربه ،يداوم على الاستغفار، ولم يسع لدنياه، ولم يغضب مولاه، وكان غضبه لله.
و بفضل الله تعالى، كانت تأتيه الدنيا رغماً عنها، لا يبالي بها، ولم يعش لها، وإنما جعلها في يده، وتعلقت الآخرة في قلبه، كان قليل النوم كثير العمل، ويقول لأهله دائماً، سوف ننام في القبر كثيراً، فلا تكثروا النوم و أكثروا العمل، و شمروا عن سواعدكم، واطلبوا العلم، وانهضوا وارتقوا بأعمالكم، وأخلصوا لله، لا تيأسوا و لا تجزعوا أبداً، فليس من صفات المؤمنين اليأس والجزع، فكان لهم معلماً ومربياً، مستشاراً وأميناً، يسدد خطواتهم، ويزيل عثراتهم، ويشحذ هممهم، ويسدي لهم المسؤوليات، ويعطيهم المهمات ويكلفهم ببعض الأعمال، ليخوضوا تجاربهم في الحياة، وتعزز الإمكانيات، وتصقل الخبرات، لخدمة دينهم وأمتهم، ونهضة بمجتمعهم».
الكـــرم:
كان لا يرد أحداً أبـداً، فيمن يسأله ويعطى عطاء من لا يخشى الفقر، وكان الكثير من المحتاجين يأتون إليه المكتب لطلب المساعدة، وعلم أبـنـاءه من بعده على العطاء والكرم، واستمروا على نفس المنوال وكان يرعى الكثير من العوائل والمنقطعين.
وكان سخياً كريماً يحب الصدقات،ويساهم في التبرعات،ويعطي الفقير ويكرم المسكين، ويغيث الملهوف، ويعين الضعيف.
صلة الأرحام:
و كان يحرص أشد الحرص على صلة رحمه، تجده مبادراً في جمع أهله وإخوانه، حتى اتصف بالكرم والجود، وكذلك تجده ليناً سهلًا ورفيقاً بأهله ولم يعادي أحداً قط، وكان يجمعهم عنده صباح يوم العيد وكذلك ثاني أيامه يدعوهم للغداء في بيته.
وكان يربي أبناءه على أهمية صلة الأرحام ويقوم بذلك عملياً بأخذهم معه لزيارة أرحامه وأقاربه في الأعياد والمناسبات، ولم ينقطع عن ذلك حتى أحبه الجميع وتعلقت قلوبهم به، فكان محبوباً وقريباً منهم رحمه الله تعالى.
و كان دائماً في خدمة أهله، ولم يوقفه عن ذلك كثرة انشغالاته وارتباطاته، بل كان خدوماً، ودوداً، يتفقد الأحوال ويقضي الحوائج، ويعمل كل ذلك بنفسه.
عزة النفس والصفح:
اتصف رحمه الله تعالى بعزة النفس وعفة اللسان، فكان لا يتكلم بسوء، ولا يتلفظ زوراً، وكان يملك نفسه عند الغضب، بل كان يعفو ويصفح، عمن أساء إليه أو أخطأ في حقه سواءاً من الأقارب أو الأباعد ويقدم الصفح عن الانتقام للنفس لأنه فضل ما عند الله على ما تدعوه النفس الأمارة بالسوء.
التوكل:
كـان يفوّض أمــره دائماً لله، فــإذا مـرّ بضائقة معينة، ســواء كانت مالية أو دعوية، شرع بترديد كلمة اعتادها رحمه الله تعالى وهي (الله يجيب الخير إن شاء الله)، وكذلك (الله يكتب إلي فيه الخير والصلاح وهو الرزاق سبحانه) فكان يبذل الأسباب ثم يفوض أمره لله، ثقة به وتوكلًا عليه.
مواقف:
- تذكر زوجته الفاضلة موقفاً جميلًا في بره بوالدته، حيث قالت : « رتبنا وحجزنا كلنا للسفر إلى العمرة، و بعدما علم أن والدته ستكون وحدها، اعتذر عن السفر وجلس بقربها، وقال اذهبي أنت والأبناء للعمرة، وأنا سأجلس معها، فكان شعور والدته وفرحها لا يوصف عسى الله يرحمه ويتغمده بواسع رحمته.
- ومن أجمل مواقف البر لوالدته رحمهما الله تعالى، أنه حينما سمع بخبر مرضه، فقال الحمد لله أن أمي ليست موجودة لكي لا تتأثر وتحزن، وكان معروفاً في بره لها، حيث أنه بادر في أسكانها في بيته بعد وفاة والده، فجهز لها مكاناً كبيراً ووفر لها كل احتياجاتها وعاش معها فأحبته كثيراً و كانت تفتقده إذا غاب أو سافر، وكانت تعامله كما تعامل الأم ابنها الصغير لطفاً وحباً وعطفاً.
- من مواقفه في الغزو العراقي الغاشم، أنه رفض السفر و كان قد رتب الحجوزات وصرف الأموال للذهاب إلى تركيا قُبيل الغزو، فعندما حل الغزو آثر البقاء والرباط والمقاومة مع إخوانه وأحبابه، وكان له دور فعّال بعد الله تعالى في تثبيت الناس ووعظهم وكان خدوماً لأهله ووطنه ،يشتري الطعام والزاد ويوزعه على الأقارب والأرحام ودائماً يتردد عليهم ويتفقدهم، ويلبي طلباتهم، ويقضي حوائجهم.
- يذكر أحد أبنائه، أن حادثة حصلت مع والده في مكتبه، عندما كان محامياً عن موكليه في قضية شائكة، حيث عرض عليه الخصم مبلغ مليون دينار، لكي يتم التلاعب في القضية، فلم يعبء به والدي ولم يرد عليه، خوفاً من الله تعالى، وابتعاداً عن الحرام ،واستشعاراً للمسئولية، وأداءً للأمانة.
- يحدث أبناؤه بأن سائقاً كان يعمل لديهم منذ 16 سنة وكان يحب الأخ حامد كثيراً حيث كان يكرمه ويصرف على أهله ولم نعرف عنه إلا بعد وفاته.
- تقول زوجته الفاضلة : كان حليماً ويملك نفسه عند الغضب ففي ذات مرة منذ 26 سنة سافرنا بالسيارة إلى ابها مع الأطفال وأعطاني مبلغ الرحلة ومصروفاتها و أوصاني بأن أضعهم في حقيبة يدي وسبحان الله نسيت الحقيبة في الحديقة وكان ليلًا ولما أخبرته لم يغضب ولم يزد على قوله « لا حول ولا قوة إلا بالله » وبعد ذلك ربي حفظ الحقيبة عند رجل أمن الحديقة لقد كان حليماً ولقد توقعت أنه يغضب علي مثل أي رجل لأن المبلغ كله قد ضاع لو لا فضل الله.
إنتاجه العلمي:
كتب كتابين تحت عنوان واحد: وهما «خواطر الكترونية» كانتا نتاجاً لخواطر كتبها رحمه الله عند مناوبته بجانب والدته أثناء علاجها في المستشفى.
وفـــاتــه:
بدأ الإحساس بالألم في منطقة البنكراياس عام 2014م الشهر السادس في رمضان، وبعد الفحص، تأكد وجود مرض السرطان فيه، وعندما أخبر بذلك ابتسم وقال : « الحمد لله على كل حال، وهذه مرحلة جهاد، وإن شاء الله أن نجاهد ونصبر، وبعد يومين عرض على مستشفى بدرية الأحمد المتخصص بالسرطان، فأمر الدكتور حالًا بإدخاله لانتشار المرض، لإعطائه جرعة كيماوي » وبدأت حالته تتدهور، وبدأ أبناؤه يعملون على
ترحيله إلى الولايات المتحدة للعلاج، فتيسرت الأمور خلال خمسة أيام، وغادر إلى أمريكا، واستمر العلاج لمدة أحد عشر شهراً، ثم أخبر أنه أصيب بخمسة جلطات وفشل كلوي، وأنه سيعيش طول حياته بالمسيل للدم، فسألهم هل سأبقى هكذا قالوا : نعم، فقال : «الحمد لله على كل حال، ولعله خير » ثم بدأت قدمه تنتفخ، وبدأ يتعب، فتبين أن كبدة قد توقف عن العمل، فلم يشتك ولم يتذمر، بل كان دائماً يقول : « الحمد لله عساه أن يكون خيراً، ونحل جسمه كثيراً، وإذا قال له ابناؤه : « كيف حالك؟ يرد عليهم : أنا قوي بالله، وكان كلما دخل غرفة العلميات يقول لأبنائه وزوجته، لا تنشغلون، ولا تخافون، أنا قوي بالله » وعندما يخرج كان دائماً يقول : «لم أحس بشي، ولم يتذمر يوماً من الأيام أو يشتكي، ثم قرر الأطباء بضرورة عودته للكويت، وعندما علم بالأمر، وجاءه ابنه خليفة، ورآه يضحك وهو يقول لابنه : هل علمت ما قال الأطباء، فقال ابنه خليفة ماذا قالوا : فقال له : يقولون ضرورة عودته للكويت فلا يوجد أمل، وهؤلاء الأطباء بشر وهم لا يعلمون بأن الله قادر على كل شيء قدير.
و بالرغم من شدة وطأة المرض عليه، كان يصحو الفجر ويوقظ أبناءه للصلاة.
وعندما تدهورت حالته، قرروا الرجوع إلى الكويت، وعند وصوله جاءه اخوانه واخواته جميعاً وسلموا عليه، وتناول وجبة العشاء معهم بعد أن جاءت له قوة عجيبة، وبعد ذلك بيوم طلب الذهاب إلى المستشفى، بعد إحساسه بالتعب، وبعد وصوله إلى المستشفى، بدأ يغيب عن الوعي،
وكان يقول له أبناؤه: هل أنت راضٍ عنا فكان يرد بالإيجاب، وكذلك كانت زوجته الفاضلة تقول له ذلك فيقول : أنت فوق رأسي
وكان كلما أفاق نادى أبناءه ليطمئن على صحتهم.
كان لا يبث شكواه لأحد سوى مولاه، وفي آخر أيامه كان يردد، ربِّ اني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، حتى سمعه أبناؤه فتأثروا كثيراً، لأنهم لأول مرة يسمعوا شكواه ولم تكن لبشر، وإنما بثها لله سبحانه.
رأى أبناؤه قدماه قد تورمت وهو في فترة العلاج، وحزنوا عليه كثيراً، فلما رآهم قال: ولِمَ الزعل !! هذا جسد يذهب وتبقى الروح.
يقول ابنه خليفة : "مع شدة المرض وعدم استطاعته على الحركة، كان رحمه الله يحرص على صلاته، وعند الأذان يقول لنا وجهوني للقبلة، ولا يطمئن ولا يرتاح الا بإتمامها وأدائها في وقتها".
وعند مراجعات الأطباء، كانوا يرون في وجه والدي العزيمة والإصرار وروح التحدي وعدم الاستسلام، فكان قوياً رحمه الله، لم يُظهر آلامه، ولم يكشف أوجاعه، واستطاع بفضل الله تعالى أن يتماسك نفسه بالصبر إلى آخر لحظات حياته.
وفي بداية الأسبوع الأخير قبل وفاته رحمه الله، اشتدت عليه الأمراض وصعب التحكم بضغط الدم، وقالوا لنا الأطباء أن حالته حرجة جداً، وشاء الله سبحانه وتعالى أن يمدّ في عمره لياليَ وأياماً، إلى أن فاضت روحه إلى خالقها صبيحة يوم الجمعة في الساعة 9، حيث تجمع قبل وفاته والدتي وجميع أخوتي، وكان وضعهم ما بين قارئ للقرآن وبين ذاكر لله وبين داعٍ يرجوا مناً وفضلًا من اللطيف الحكيم سبحانه.
ومن بين المواقف المؤثرة قُبيل وفاته رحمه الله، والتي بإذن الله تعالى تدل على حسن خاتمته، أنه حينما دخل في مرحلة التنفس الصناعي وكان وقتها يسمعنا، لكن لا يستطيع الكلام ولا الحركة، حينها أشار علينا أحد أصدقاء والدي، بأن نقرأ عليه القرآن ونختمه وننوي أجرها له، وبالفعل تم البدء بهذا المشروع وشاءَ اللهُ سبحانه وتعالى، أن تُنجَز الختمة كاملة قُبيل وفاته بنصف ساعة تقريباً، وكأنه نوى رحمه الله تعالى أن يكون آخر عهده من الدنيا كلام الله تعالى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر:
الوفاء الصراح لتراجم رجال الإصلاح (دولة الكويت، المجموعة الثانية). عبدالحميد جاسم البلالي. ط1، 2016.
الموقع الإلكتروني:
https://www.eslah.com/wp-content/uploads/2020/10/AL-WFAAA2-.pdf