تخطّي إلى المحتوى
المجلد الأول · إصدار ١٤٤٧هـEST. 1442 AHدولة الكويت
ويكي خير
موسوعة العمل الإنساني

أعلام العمل التطوعي رجال

المهندس/ بدر سعود الصميط

المولد والنشأة

المهندس بدر سعود الصميط
المهندس بدر سعود الصميط
وُلِدَ المهندس بدر سعود الصميط في ٦ / ٥ / ١٩٦٣ م، ونشأ في بيئةٍ كويتيةٍ محافظة تُعلي شأن العلم والمسؤولية المجتمعية، فوالده ناشط في العمل الاجتماعي والتطوعي، ومن نواخذة السفر الشراعي وله رزنامة طُبعت من خلال مركز البحث والدراسات الكويتية، وبدأ طفولته في منطقة « القادسية » ، ثم انتقلت الأسرة إلى منطقة « الخالدية » وهو في الخامسة من عمره، وهناك تفتَّحت ملامح شخصيته، وكان أصغر أبناء صفِّه سنَّاً، لكنه الأسبق إلى المبادرة والنشاط، وكانت مدارس الخالدية فضاءه الأول : أنشطة ثقافية ورياضية واجتماعية، وشعورٌ مبكِّر بأن خدمة الناس تبني الإنسان قبل أن تبني السيرة .

ويستعيد الصميط من تلك المرحلة تفاصيلَ صغيرة صنَعَتْ أثراً كبيراً : النشاط الإذاعي الصباحي المدرسي، ونشاط الجماعة الإسلامية في المدرسة الذي كان يبدأ بعد دوام يوم ظهراً إلى المساء، وذلك قبل تعديل العطلة الأسبوعية، ودفء العلاقات الأسرية التي ربَّت فيه أدب المسؤولية والالتزام، ومع أن هذه اللمحات تبدو بسيطة، إلا أنها رسَمَت القاعدة الصُلبة لشاب سيصبح لاحقاً صوتاً طلابياً بارزاً وقيادياً تنموياً متخصِّصاً، ثم إداريَّاً وإنساناً في واحدة من أكبر المؤسسات الخيرية في العالم الإسلامي .

وقد ظلَّت « الخالدية » قِبلةَ دربه الطويل : من الابتدائي حتى الجامعة، في نطاقٍ جغرافيٍ واحد، لكنه مفعمٌ بفرص التعلُّم وخدمة المجتمع التي صقلت لغته، وجَرَّأتْه على القول والفعل، وفي هذا المناخ، تَشكَّلت لديه قناعة مبكِّرة : أن التفوُّق ليس درجاتٍ وحدها، بل مهارات تُكتسب، وشخصية تُصنع، وأن خدمة الناس هي الطريق الأقصر لاكتساب الخبرة والاحترام معاً، وهكذا خرج من الطفولة بميلٍ فطري إلى القيادة التطوعية، وبوصلةٍ أخلاقيةٍ واضحةٍ ستلازمه في الجامعة والعمل العام والعمل الإنساني داخل الكويت وخارجها .

التعليم

كانت جامعة الكويت محطته الفارقة، فقد التحق بكلية الهندسة والبترول وتخصَّصَ في الهندسة الكيميائية، فجمع بين صرامة العلم ومرونة العمل العام، ومرَّتْ سنوات الجامعة الأولى هادئةً نسبياً، ثم انقلبت إلى « مختبر قيادة » واسع، حين انخرط في العمل النقابي والطلابي على نطاقٍ أوسع : تَرأَّسَ « الجمعية العلمية » في كلية الهندسة في سنته الثالثة، ثم انتُخِب عضواً في اتحاد الطلبة، فتدرَّج حتى أصبح نائب رئيس مجلس الشؤون العلمية، ثم اختير لرئاسة اتحاد الطلبة - فرع الكويت في سنته الأخيرة، ومع مسؤوليات رئاسة الفرع، جاءت الثقة الأوسع بتكليفه برئاسة « الهيئة التنفيذية » التي تُعدُّ أعلى سلطة تنظيمية في الاتحاد الوطني لطلبة الكويت، والمُشرِفة على فروع الاتحاد في دول الابتعاث وتنظيم انتخاباتها ومجالسها، وهي منصة قيادية أرَّخَتْهَا الصحافة الطلابية والكويتية بوصفها ذاكرة الحركة الطلابية ودليل انتظامها المؤسسي، وقد وصف الصميط تلك المرحلة بأنها « مدرسة حقيقية في بناء الشخصية والمهارات والتواصل واتخاذ القرار»؛ مدرسة ساعدَتْه لاحقاً في التفوق المهني وتحمُّل المسؤوليات الأكبر، وفي هذا الفضاء، تبلورت لديه فكرة مركزية مفادها : أن الدراسة الأكاديمية مصدرُ معرفةٍ لا غنى عنه، لكن الأنشطة الطلابية هي الحقل التجريبي لاكتساب مهارات القيادة والتواصل والعمل الجماعي، وأن المزج بين الاثنين هو الذي يختصر المسافات حين يتقدَّم الخرِّيج إلى سوق العمل والمؤسسات القيادية .

حياته العملية

بعد التخرُّج، التحق بشركة البترول الوطنية الكويتية في « إدارة التخطيط الشامل » ، جامعاً خلفيته الهندسية مع مهارات القيادة والتنظيم التي اكتسبها في الجامعة، وتدرَّج في مساره الوظيفي حتى شغَلَ مواقع متقدمة في مجال التخطيط وإدارة المشروعات، وهو مجال يتطلَّب دقةً علمية وقدراتٍ تنظيمية، وقد أفادته خبرات الاتحاد والعمل الطلابي في تقليص منحنى التعلُّم - كما يعبِّر - إذْ دخل المؤسسة وهو قادرٌ على التواصل والعرض وصناعة القرار، وهي مهارات قيادية من النادر امتلاكها مبكِّراً لدى حديثي التخرُّج .

ومع السنوات، ستتَّخِذ حياته العملية منعطفاً إنسانياً حاسماً : فمع تصاعد الأزمات الإقليمية، انخرط ميدانياً في الإغاثة والعمل التطوعي، ثم أسَّس فريقاً تطوعياً، ثم اتَّسعت الدائرة حتى تفرَّغ للعمل الخيري المؤسسي، وهنا جاء التكليف الأبرز بتولِّيه منصب المدير العام للهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، المؤسسة التي وُلِدت سنة 1984م برؤيةٍ إنسانية عالمية، لتكون جسراً يربط بين الخير الكويتي وخدمة الإنسان أينما كان، وهي اليوم من كبريات المؤسسات الإنسانية في العالم الإسلامي، وهذا الانتقال من هندسة المصافي إلى « هندسة الأثر » في حياة الناس يلخِّص فلسفة الصميط المهنية : الكفاءةُ التقنية حين تقترنُ بالرؤية الإنسانية تنتجُ عملاً عاماً مُستداماً واسعَ التأثير .

العمل التطوعي أثناء الغزو والتجربة الطلابية والتحرُّك العالمي من أجل الكويت

عمل الصميط متطوعاً في منطقة « الخالدية » أثناء الغزو العراقي على دولة الكويت، من خلال « لجنة التكافل » ، إذ ساهم متطوعاً في مساعدة الأُسَر والدعم المعنوي لها ولجنة الطوارئ، وتقديم الخدمات الاجتماعية لسكان المنطقة، وتوزيع النشرات التوعوية لتثبيت المواطنين الصامدين في الكويت، وقد تم اعتقاله من قِبَل المخابرات العراقية لقيامه بتوزيع النشرات التوعوية، وظل معتقلاً ثلاثة أيام .

وكانت مُدَّة رئاسته للهيئة التنفيذية لاتحاد الطلبة - أثناء الغزو العراقي - ما زالتْ سارية، فظلَّ « مُكلَّفاً بالأمانة » كما يصف، وتحوَّلت القيادة الطلابية إلى غرفة عملياتٍ مُصغَّرة، تعمل داخل الكويت دعماً للصمود النفسي والمجتمعي بنشراتٍ توعوية وإصدار بيانٍ طلابي يندِّد بالغزو، واضطرَّ بعد خروجه من الاعتقال أن يخرج من الكويت، واستمر من خلال الاتحاد الطلابي في التنسيق مع الاتحادات الطلابية الكويتية في الخارج، وتم الاتفاق على إقامة مؤتمر الشارقة ( المؤتمر الإسلامي الطلابي العالمي للتضامن مع القضية الكويتية ) ، وكان لهذا المؤتمر دور كبير وبارز في توضيح شرعية دولة الكويت ودعم تحريرها .

كما شارك في الوفود الشعبية الكويتية التي تشكَّلت من خلال حكومة دولة الكويت لزيارة الدول، وعرض قضية الكويت كدولة مستقلة ذات سيادة، لدعوة الدول للوقوف بجانب الحق الكويتي الشرعي .

وسافر الوفد إلى دول شرق آسيا، فبدؤوا بزيارة اليابان، ولم يكن قد التحق مع الوفد لارتباطاته الطلابية، ثم سافر معهم إلى الصين وكوريا، ثم اضطر للذهاب إلى الولايات المتحدة الأمريكية، للتنسيق حول إقامة المؤتمر الطلابي العالمي، تاركاً الوفد يواصل رحلاته إلى إندونيسيا وسنغافورة، فكان وجوده مع الوفد الشعبي يمثِّل صوت الطلبة الكويتيين كجزء من رسالة وطنيةٍ موحَّدة يرددها قادة الدولة والبرلمانيون ورجال الاقتصاد والثقافة : « الشرعية للشعب الكويتي، والتحرير حقٌّ وعدل » .

وبعد التحرير، ساهم متطوعاً مع فريق « إعادة البناء » في المملكة العربية السعودية بمدينة الدمام بحشد قاعدة بياناتٍ للمتطوعين بمهنٍ دقيقة ( سائقو صهاريج، ميكانيكيون … إلخ ) ، لدعم الاستجابة السريعة داخل البلاد، وهي مبادرةٌ مبكِّرة في إدارة المتطوعين وتشبيك الخبرات مع الاحتياج الميداني، ومن تلك التجربة تبلورت لديه قناعةٌ دائمة : أن المجتمع الكويتي - شباباً ومتقاعدين - يختزن طاقة تطوعية هائلة، وأن دور القائد هو تحويل هذه الطاقة إلى عملٍ مُنظّم ذي أثرٍ قابلٍ للقياس والاستدامة، وهي الفلسفة التي ستُترجم لاحقاً في رعايته للفِرَق التطوعية تحت مظلة المؤسسات الخيرية، ثم في التفكير في « أكاديمية » تبني قدرات المتطوعين احترافياً .

لقد كانت سنوات الغزو والتحرير مدرسة وعيٍ وقيادةٍ ومهارةٍ تفاوضية، نقلَتْه من محليَّة الحرم الجامعي إلى رحابة المنابر الدولية، وهو يتعلَّم - على عجل - لغة العالم وأدواته .

الجانب التطوعي والخيري في حياته

انطلق الصميط من المبادرات الشعبية إلى العمل المؤسسي، فقد شارك في عضوية فريق تطوعي، ثم أسَّس مع نخبةٍ من الشباب « فريق سواعد الخير التطوعي » الذي تحرَّك لإغاثة المنكوبين، ومع تكليفه بإدارة الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، اتَّجَه بثبات إلى « هندسة الأثر » : شراكاتٌ أممية واسعة، وحضورٌ قوي في مسارات الإغاثة الدولية ( من سوريا إلى اليمن وغيرها ) ، ومبادراتٌ نوعيةٌ تتجاوز الاستجابة العاجلة إلى تمكين الإنسان اقتصادياً وتعليمياً وثقافياً، فقد شاركت الهيئة في قيادة مسار المنظمات غير الحكومية في مؤتمرات المانحين الخاصة بسوريا التي استضافتها الكويت تباعاً، متتبِّعَةً تنفيذ التعهدات ومُعلِنةً تقارير ربع سنوية عزَّزت مصداقية التعهدات، كما أدَّتْ دوراً في المبادرات الدولية ضد الجوع، ومنها مبادرة « إطعام مليار جائع » التي ركَّزت - إلى جانب الوجبات - على الأسباب البنيوية للجوع عبر مشروعاتٍ تنمويةٍ وشراكاتٍ ممتدة . كما دعمت الهيئة مشاريع كبيرة في الشمال السوري مثل « مدينة صباح الأحمد الخيرية » ، والتي أسهمت في إيواء الأُسَر وتقديم الخدمات الأساسية والتعليم، وهو نموذجٌ لإغاثةٍ تتَّجِه سريعاً إلى « التوطين التنموي » ، وهذه الأمثلة تكشف فلسفة الصميط : الإغاثةُ ضرورة، لكن نهايتها الطبيعية هي « التمكين » .

الرؤية والاستراتيجية والإنجازات

يرتكز تفكير الصميط على تحويل العطاء إلى أثرٍ مُقاس، لذلك أعادت الهيئة - في عهده - التشديد على محاور التمكين : الاقتصادي ( مشروعات صغيرة وتمويل أصغر ) ، والتعليمي، والثقافي القيمي، مع محورٍ رابع يُمكِّن مؤسساتِ الميدان كشركاء محليين لا مُتلقِّين، وفي التمويل الأصغر تراكمَت خبرةٌ رصينة، تتمثَّل في آلاف المشاريع الإنتاجية التي غيَّرت حياة مئات الآلاف من المستفيدين، مع نِسَب استرداد عالية وتدوير متكرِّر لرأس المال، مما ضاعف الأثر أضعافاً عديدة .

وعلى المستوى الكلي، أعلنت الهيئة أن مشاريعها في عام واحد فقط انتفع بها أكثر من ثلاثة ملايين إنسان في عشرات الدول، ما يعكس انتقالاً من منطق « عدد الحملات » إلى منطق « نوعية الأثر واتساعه » ، وإلى جانب مسارات التمكين، تحافظ الهيئة على جاهزيةٍ إغاثيةٍ عاليةٍ في الطوارئ، وتؤكِّد مكانتها كمؤسسة إنسانية كبرى مستقلة متعددة الأنشطة مقرَّها الكويت منذ 1984م، وذات شراكاتٍ أممية ومحلية واسعة، وهذه الأرقام والسياسات ليست نتائجَ مالية فحسب، بل حجرُ زاويةٍ في سرديةٍ إنسانيةٍ يريد الصميط وفريق عمله في الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية ترسيخها، مفادها أن يكون العمل الخيري الكويتي رائداً في الحوكمة والشفافية وقياس الأثر، وأن تنتقل الفِرَقُ التطوعية من « شهيَّة العطاء » إلى « حِرفة العطاء » ، عبر التدريب والاعتماد والأكاديميات المتخصصة، وعلى هذا النهج تبدو سيرة بدر سعود الصميط خيطاً متصلاً من طفولةٍ مُبكِّرةٍ في الخالدية، إلى جامعةٍ صنعت قائداً طلابياً، إلى هندسة النفط، ثم إلى قيادةٍ إنسانيةٍ ترى أن أفضل ما يُقدَّم للإنسان هو أن يُمكَّن ليقف على قدميه .

التصنيفات:

→ العودة إلى تصنيف «أعلام العمل التطوعي رجال»