تخطّي إلى المحتوى
المجلد الأول · إصدار ١٤٤٧هـEST. 1442 AHدولة الكويت
ويكي خير
موسوعة العمل الإنساني

أعلام العمل الخيري والإنساني

إبراهيم أحمد عبدالله الصالح

إبراهيم أحمد عبدالله الصالح
إبراهيم أحمد عبدالله الصالح

وُلد الدكتور إبراهيم أحمد عبدالله الصالح في الأول من مايو عام 1955م في منطقة «المرقاب» بدولة الكويت، حيث نشأ بين أروقة الحيِّ الكويتي القديم الذي احتضن قيَم الدين والوطن والعائلة، وترعرع في أجواء يغمرها الحب والبساطة والانتماء للأرض والناس، وكانت نشأته الأولى في بيئة كويتية محافظة، تشبَّع فيها بمكارم الأخلاق واحترام الكبير والعناية بالصغير، مما انعكس على مسيرته التربوية والإنسانية.

ثم أمضى طفولته في منطقة «الفيحاء»، والتحق بمدرسة «ابن رشد» الابتدائية في منطقة «الفيحاء» سنة 1959م، واستمر فيها حتى المرحلة المتوسطة في ذات المنطقة، ليُكمل بعدها تعليمه الثانوي في «ثانوية كيفان»، التي شكَّلت محطة مؤثرة في تكوين شخصيته الثقافية والاجتماعية.

لم تكن طفولة الدكتور إبراهيم بمعزِل عن النشاط الاجتماعي؛ فقد عُرِف عنه منذ صغره حبُّه للمبادرة، وحرصه على المشاركة في فعاليات المدرسة والمسجد، بل واهتمامه المبكِّر بالشأن العام.

التعليم والتكوين العلمي

منذ نعومة أظافره، تجلًّى في شخصية الدكتور إبراهيم الصالح شغفٌ أصيل بالعلم والمعرفة، فكان دائم التردُّد على مكتبَات المدرسة، ومولعاً باللغة العربية وعلوم الشريعة. وبعد تخرُّجه من «ثانوية كيفان»، التحق بجامعة الكويت- كلية الآداب، فنال شهادة الليسانس في اللغة العربية، بتخصُّص مسانِد في الشريعة الإسلامية، ليتخرَّج عام 1981م، مزوَّداً بأساس علمي راسخ ووعي ثقافي متين.

ورغم انخراطه المبكِّر في العمل الحكومي بوزارة الأوقاف، لم تُثْنِهِ المسؤوليات عن مواصلة مسيرته الأكاديمية، ففي عام 1988م، بدَأ أولى خطواته نحو الدراسات العليا، غير أن ظروف الحياة حالتْ دون إتمامه حينها، لكن الطموح ظلَّ حيَّاً، حتى جاء اليوم الذي قاد الدكتور إبراهيم إلى أرض الكنانة، حيث التحق بـ «جامعة جنوب الوادي « كلية دار العلوم»، في محافظة قنا، بجمهورية مصر، ليحقِّق حلمه القديم، ونال درجة الماجستير بامتياز، على رسالته «الوجوه البلاغية في سورة الكهف في ضوء الألسنية المعاصرة»، في دراسة مزَجَتْ بين البلاغة القرآنية واللسانيات الحديثة، مما عكس اهتمامه العميق بجماليَّات النص القرآني وأدواته البيانية.

ثم استكمل طريقه في نفس الجامعة، ونال درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف الأولى، وكانت الرسالة بعنوان «معالم السنن» شرح سنن أبي داود للإمام الخطابي (ت 388 هـ) دراسة دلالية»، وهي دراسة تعمَّقت في علم الحديث الشريف، مستكشفة الأبعاد الدلالية للنصوص الشرعية، ومظهرةً ربطاً منهجياً بين الأصالة والتراث وعلوم اللغة والتحليل المعاصر.

كما عزَّز معارفه المهنية بدورة مالية محاسبية امتدَّت لعشرة أشهر في عام 1994م، دعماً لمسؤولياته في إدارة الشؤون المالية، ليجمع بذلك بين العلم الشرعي والمعرفة الإدارية والمهارات التقنية، خاصة بعدما تقلَّد مسؤولية «إدارة الشؤون المالية» بوزارة الأوقاف عام 1992م.

الحياة العملية في وزارة الأوقاف

بدأ الدكتور إبراهيم الصالح مسيرته الوظيفية في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الكويت بتاريخ 25 يونيو 1981م، فالتحق بإدارة شؤون الحج موظفاً مبتدئاً، لكن طموحه وهمَّته لم يسمحا له بالبقاء طويلاً في الصفوف الخلفية، فخلال سنوات قليلة؛ صعَدَ السُّلَم الإداري بثقة وكفاءة، متنقِّلاً من رئيس قسم إلى مراقب إدارة، ثم إلى مدير إدارة الشؤون المالية عام 1992م، فكانت أولى محطَّاته الكبرى في الإدارة المالية وتطوير نُظُم العمل.

وفي عام 2006م، رُقّي إلى وكيل وزارة مساعد للشؤون المالية والإدارية، وواجَه تحديات جسيمة، تمثَّلَتْ في التوسُّع السريع لقطاعات الوزارة وزيادة ميزانيتها من 17 مليون دينار إلى أكثر من 180 مليوناً خلال عقد واحد، ما جعله يقود تحولاً نوعياً في البُنية المالية والإدارية للوزارة، بالتعاون مع وزارة المالية، وبنهج تخطيطي مُحْكم.

وفي عام 2009م، عُيِّن وكيلاً مساعداً للتخطيط والتطوير، وهو المنصب الذي أتاح له قيادة متابعة الاستراتيجية داخل الوزارة، شملت إعداد الخطة الخمسية، وتأسيس لجان علمية وفنية كبرى، وإطلاق سلسلة من المؤتمرات الدولية التي رسَّخت موقع الكويت في خطاب «الوسطية» العالمي، وكان لدوره في «مؤتمر لندن ونيويورك» حول الاعتدال الديني أثرٌ كبير، إذ تحوَّلت كلمة «الوسطية» إلى مُفردة تتردَّد في خطابات رؤساء دول، وترتبط بالكويت، كنموذج متفرِّد في التوازن والانفتاح.

تميَّزت فترة عمله في الأوقاف أيضاً بإدارته للموسوعة الفقهية الكويتية، والتي وصلت اليوم إلى ٤٥ مجلداً، وأضحت مرجعاً علمياً يُطلب في المؤتمرات والمحافل الدولية، كما أدار لجان الوزارة؛ مثل: لجنة الميزانية، ولجنة التخطيط، ولجنة البعثات والإجازات الدراسية، ولجان المؤتمرات الخليجية والعربية، مؤكداً دوره في تطوير العمل الديني والمؤسسي في الكويت.

بيت الزكاة - النقلة النوعية في العمل الخيري

في عام 2013م، صدر المرسوم الأميري بتعيين الدكتور إبراهيم الصالح مديراً عاماً لبيت الزكاة الكويتي بدرجة وكيل وزارة، بعد ثلاثة عقود من الخبرة الإدارية في وزارة الأوقاف، ولم يكن انتقاله إلى بيت الزكاة انتقالاً وظيفياً فحسب، بل كان نقطة تحوُّل حقيقية في مسيرته، إذ انتقل من دائرة الإدارة العامة إلى قلب العمل الخيري الميداني، في مؤسسة تُعَدُّ من أبرز مؤسسات الزكاة في العالم الإسلامي.

ومنذ الأيام الأولى، بادر الدكتور الصالح إلى التعرُّف عن كَثب على الطاقات العاملة في البيت، فحرص على مقابلة أكثر من 300 موظف خلال الشهرين الأولين، مستمعاً إليهم، ودارساً أدوارهم، مما أتاح له تكوين صورة دقيقة عن الهيكل الإداري والاحتياجات التشغيلية، وقد أدرك أن مدخل التطوير يبدأ من تعزيز الإيرادات، وهو ما تحقق فعلياً حين قفزت إيرادات البيت خلال العام الثاني لإدارته.

وقاد الدكتور الصالح تحوُّلات نوعيَّة داخل المؤسسة، تمثلت في ترسيخ ثقافة التخطيط الاستراتيجي، وتحسين الأداء المؤسسي، وإطلاق حملات وطنية وعالمية لنصرة الفقراء والمحتاجين، منها حملة «نُصرة الشعب السوري»، التي نُفِّذت خلال أيام قليلة، وحقَّقت تبرعات تجاوزت 850 ألف دينار، بفضل تفاعل أهل الكويت الذين وصفهم بأنهم «شعب يفزع للخير دون تردُّد».

ومن أبرز مبادراته؛ حرصه على تأمين المساعدات الشهرية لأكثر من 3،000 أسرة داخل الكويت، ومساعدات مقطوعة لأكثر من ٢٠٠٠٠ أسرة محتاجة بإجمالي مصروف سنوي تجاوز 30 مليون دينار، إلى جانب مشاريع الإغاثة الدولية بالتنسيق مع وزارة الخارجية ووزارة الدفاع، مما رسَّخ سُمعة بيت الزكاة كمؤسسة رائدة في الإغاثة والعدالة الاجتماعية.

كما عمل على تطوير النظام الآلي للبيت، الذي حصل على جوائز محلية وإقليمية، واعتُبر من أكثر الأنظمة تطوراً في العمل الخيري من حيث الأمان والشفافية، وقد وصف بيت الزكاة بأنه «خلية نحل» قائمة على الحِرفية والدقة، تجمع بين الأبعاد الشرعية والتنموية، وتمنح الفقير ما يستحق، دون ضجيج ولا مَنّ.

وقد استمر في إدارة بيت الزكاة منذ عام 2013م حتى عام 2017م، مُواصلاً فيها مسيرة نجاحات البيت واستكمال تطوُّره وفاعليته داخل الكويت وخارجها، وضع فيها بصمته بوضوح، وغرس فيها مفاهيم الاحتراف والإنسانية والشفافية، ليغادر الموقع الرسمي ويبقى حاضراً في ذاكرة المؤسسة والمنتفعين منها، متمتعاً بعلاقات متينة مع موظفي البيت ومتبرعيه وشركائه من المؤسسات الخيرية الكويتية والدولية، مؤكداً أن الفرصة قد سنحت للتعرُّف على بيت الزكاة كمؤسسة رائدة ومتميزة عالمياً.

الجمعية الكويتية للإغاثة - من التأسيس إلى الريادة

تُعد الجمعية الكويتية للإغاثة إحدى أبرز مظاهر التكامل المؤسسي للعمل الخيري في الكويت، وقد ارتبط اسم الدكتور إبراهيم الصالح بها منذ سنوات مبكِّرة، حين كان مديراً عاماً لبيت الزكاة، وعضواً ونائباً لرئيس مجلس إدارتها، وقد توطَّدت علاقته بالجمعية مع مرور الوقت، إلى أن تم اختياره عام 2018م أميناً لصندوقها، ثم زكَّاه أعضاء مجلس الإدارة في عام 2022م لرئاسة الجمعية، وتمَّت إعادة تزكيته مجدداً في أكتوبر 2024م.

تمثِّل الجمعية تطوراً طبيعياً لفكرة اللجنة الكويتية المشتركة للإغاثة، التي تأسَّست عام 1987م بمبادرة من سمو الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد - طيب الله ثراه - استجابةً لفيضانات بنغلاديش التي غمرت البلاد، بهدف توحيد جهود الجهات الخيرية الكويتية الكبرى، وتحوَّلت هذه اللجنة إلى كيان رسمي بمُسمى «الجمعية الكويتية للإغاثة» عام 2012م، لتكون مظلَّة تنسيقية وتنفيذية للعمل الإغاثي في الداخل والخارج.

وفي ظلِّ رئاسة الدكتور إبراهيم، شهدت الجمعية انطلاقة جديدة، بفضل روح الشباب التي أحاط نفسه بها، وبقيادته الهادئة التي تجمع بين الخبرة والتفويض، وبين التخطيط والحماسة، فقد أسهم في تعزيز التنسيق مع الجمعيات الخيرية الأخرى، وفتَحَ قنوات مباشرة مع وزارات الدولة، خاصة الخارجية والدفاع والشؤون والصحة، لتسريع إجراءات التحرُّك في الكوارث والنكبات.

ونفَّذت الجمعية خلال السنوات الأخيرة العديد من الحملات الإغاثية النوعية، منها «فزعة الأقصى»، التي شاركت فيها 30 جمعية كويتية، وجمعت ما يقارب 4 ملايين دينار كويتي، وكذلك «فزعة باكستان» عقب الفيضانات، والتي ساهم فيها أكثر من 60 ألف متبرع، إلى جانب حملة «إغاثة أفغانستان»، التي نُفِّذت عبر تنسيق مُحكم مع الهلال الأحمر الأفغاني.

وتتميَّز الجمعية بآلية عمل مرنة وسريعة، حيث تُفعَّل لجنة الإغاثة فور وقوع أي أزمة، وتبدأ بالتواصل مع الجمعيات، ثم تُنسِّق مع وزارتيْ الخارجية والدفاع، لتأمين وصول الإغاثة بفاعلية، كما تحرص الجمعية على إبراز الهوية الكويتية الإنسانية في كل حملاتها، بشعارها الموحَّد «الكويت بجانبكم»، الذي بات عنواناً عالمياً للعطاء الكويتي.

وفي عهد الدكتور إبراهيم، امتد حضور الجمعية إلى أكثر من أربعين دولة، وأنشأت مكاتب لها في عدة دول، لمتابعة المشاريع عن قُرب، مما رسَّخ دور الكويت كمركز عالمي للعمل الإنساني، ورسَّخ اسم الدكتور إبراهيم كأحد أبرز رجالات هذا المسار.

المشاركات والعضويات والخبرات العامة

تتجاوز سيرة الدكتور إبراهيم أحمد الصالح الأطُر الإدارية والمناصب الرسمية، لتصل إلى شبكة واسعة من المشاركات الفكرية والعضويات المؤسسية التي تعكس عُمق تجربته وتنوُّع عطائه، فقد تميَّز بانفتاحه على الفكر الإسلامي المعتدل، وحرصه على تفعيل قيم الشورى والتخطيط والتكامل في كل موقع شغَلَه، وهو ما أهَّله ليكون عضواً فاعلاً في العديد من المجالس والهيئات داخل الكويت وخارجها.

كان عضواً في مجلس إدارة بيت الزكاة، وعضواً في مجلس شؤون الأوقاف - الأمانة العامة للأوقاف، كما شارك في عضوية مجلس أمناء بيت الزكاة والصدقات المصري، إلى جانب عضويته في الاتحاد العام لعلماء المسلمين، ومجلس إدارة الهيئة العامة للشباب والرياضة، والهيئة الشرعية لبيت الزكاة، ولم يقتصر حضوره على المؤسسات الدينية فحسب، بل شغل أيضاً عضوية مجلس إدارة شركة «فيفا» للاتصالات، ولجان التخطيط والتعيينات والمشروعات الوقفية، والموسوعة الفقهية.

وتميًّز كذلك برئاسته للعديد من اللجان العليا التي كان لها دور فاعل في تطوير مؤسسات الدولة؛ منها: لجنة إعداد ميزانية وزارة الأوقاف، اللجنة العلمية لموسوعة الكويت والعالم الإسلامي، لجنة متابعة تنفيذ خطط التنمية، اللجنة الاستشارية العليا لموسوعة الكويت، وغيرها من اللجان التي جمَعت بين الأبعاد العلمية والتنموية والشرعية.

أما على المستوى الدولي، فقد شارك في عشرات المؤتمرات النوعية؛ مثل: منتدى التخطيط الاستراتيجي في المملكة المتحدة، ومؤتمر الجمعية الأمريكية للتدريب في شيكاغو، ومؤتمرات الدعوة والتعليم في الهند وروسيا، كما ألقى محاضرات في ملتقيات دولية حول الإصلاح الإداري والمالي، ومؤتمرات الشباب الإسلامي، وأسهم في إيصال صورة الكويت كدولة متزنة ومنفتحة على الحوار العالمي.

وفي تعامله مع الشباب؛ حرص الدكتور إبراهيم على التوجيه والإشراف والدعم، فكان قريباً من الأجيال الجديدة داخل بيت الزكاة والجمعية الكويتية للإغاثة، يؤمن بأهمية بناء الصف الثاني، ويُشرِك الشباب في اتخاذ القرار وتحمُّل المسؤولية، وهو ما انعكس في حيوية العمل وتجدُّدِه.

لقد شكَّل الدكتور إبراهيم الصالح بتجربته الثرية، صورة حية، حيث جمَع بين الأصالة والتحديث، وبين العمل المؤسسي والعطاء الشعبي، وظلَّ وفيًّاً لقيَمِهِ التي نشأ عليها، يحمل همَّ الكويت، ويجسِّد رسالتها الإنسانية في العالم، حتى استحق أن يُعدَّ من روَّاد العمل الخيري في هذا الوطن المبارك.

التصنيفات:

→ العودة إلى تصنيف «أعلام العمل الخيري والإنساني»