تخطّي إلى المحتوى
المجلد الأول · إصدار ١٤٤٧هـEST. 1442 AHدولة الكويت
ويكي خير
موسوعة العمل الإنساني

أعلام العمل الخيري رجال

أحمد صباح ناصر المُلَّا

أحمد صباح ناصر المُلَّا
أحمد صباح ناصر المُلَّا

المولد والنشأة والجذور الأولى

وُلِد الدكتور أحمد صباح ناصر المُلَّا في دولة الكويت، في حيّ «القِبْلة» بتاريخ 21/7/1965م الموافق 1385هـ، في بيئة كويتية عُرفت بقربها من القيَم الدينية والاجتماعية الأصيلة.

ونشأ في محيط اجتماعي متماسك، وتفتَّحت عيناه على مجتمع كويتي يعيش تفاصيله على قيَم المساندة والارتباط بالجيْرة، ويمنح للعلم وأهله مكانة خاصة، ويعدُّ العمل الخيري جزءاً من السلوك اليومي لا مجرد فعل موسمي، ومنذ تلك السنوات؛ ظلّ واضحاً أنه يميل إلى العمل الاجتماعي والتطوعي، ثم جاءت محطة انتقال مؤثرة في حياته، حين تم تثمين منطقة «القِبْلة»، وانتقلت الأسرة للسكن في محافظة «الأحمدي»، فدخل مرحلة جديدة في بيئة مختلفة من حيث التفاصيل اليومية واتساع المجال الاجتماعي، وقد أضاف هذا الانتقال إلى شخصيته قدرة على التكيُّف، واتساعاً في الخبرة الإنسانية والاجتماعية، ومنحه مساحة أرحب لملاحظة حاجات المجتمع وتنوُّعه، وهو ما انعكس على خياراته العملية وتفاعله مع أكثر من قطاع؛ تربوي وأكاديمي وخيري ودعوي.

التعليم والتكوين العلمي

بدأ الدكتور أحمد صباح ناصر المُلَّا مسيرته التعليمية من رياض الأطفال، وكانت انطلاقته في روضة «الأندلس» في الحي القِبْلي، وحين انتقل للسكن في محافظة «الأحمدي»، استكمل المرحلة الابتدائية ثم المتوسطة ثم الثانوية، ضمن بيئة تعليمية جديدة، أتاحت له ملامسة واقع مختلف، وتوسيع دائرة الخبرة والتجربة. وفي الثانوية العامة كان في القسم العلمي وتخرَّج منه، وبعد التخرج اتجه إلى مجال الشريعة، ليبدأ صفحة جديدة أكثر التصاقاً بالعلوم التي تُعنى بفهم النصوص وأصول الاستنباط وتكوين العقلية المنهجية، وقد صادف تخرجه من الثانوية فترة افتتاح كلية الشريعة – جامعة الكويت عام 1982م، فكان من أبناء الدفعة الثانية، وهي دلالة على اختياره الدخول في تجربة أكاديمية حديثة التأسيس في ذلك الوقت.

التحق بكلية الشريعة، وتخصص في قسم الفقه وأصوله، وتخرَّج منها عام 1988م حاصلاً على ليسانس الشريعة، وبعد هذه المرحلة الجامعية تقدَّم إلى إدارة الدراسات العليا في وزارة التربية للالتحاق بجامعة خارجية، وتم قبوله في كلية دار العلوم – جامعة القاهرة لدراسة الماجستير، وفيها أنجز المرحلة التمهيدية، ثم سجَّل رسالة علمية جمعت بين الدراسة والتحقيق، وكانت بعنوان «المحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم» لأبي شامة المقدسي رحمه الله، بوصفها دراسة أصولية وتحقيقاً لمخطوط، وهو اختيار يكشف عن نزوع مبكر للدقة العلمية، والاشتغال بالنصوص التراثية وفق منهج التحقيق الأكاديمي.

ثم واصل مساره العلمي إلى الدكتوراه في الجامعة نفسها، كلية دار العلوم، فاختار موضوعاً أصولياً عميقاً، هو «اختلاف الأصوليين في كيفية دلالة الألفاظ على معانيها وأثره في الأحكام الفقهية»، وهو مجال يتطلَّب قدرة على الربط بين مباحث اللغة وأصول الفقه، وتتبُّع الخلافات العلمية، وبيان أثرها التطبيقي في الفروع الفقهية، وأتم الدكتور أحمد المُلَّا هذه المرحلة بنجاح، ونال الدكتوراه في العلوم الإسلامية عام 2001م من جامعة القاهرة – كلية دار العلوم.

ولم يقف تكوينه العلمي عند حدود العلوم الشرعية وحدها، بل وسَّع أدواته بما يخدم العصر، فنال دبلوم «كامبردج» لمهارات تقنية المعلومات من جامعة كامبردج (بريطانيا) عام 2007م، وهو مؤهل يعكس اهتماماً ببناء مهارات تقنية داعمة، تتسق مع توجهاته المبكرة في توظيف التقنية في خدمة المعرفة، كما ظهر في مشاركاته العملية المرتبطة برقمنة بعض الموروث العلمي، وهكذا يكتمل خط التعليم في سيرته: من الروضة فالمراحل العامة، ثم تخصص جامعي في الشريعة، فدراسات عليا رفيعة في القاهرة، ثم إضافة تقنية نوعية تعكس وعياً بأدوات العصر.

حياته العملية في التعليم والإدارة وتعدُّد قطاعات الخبرة

اختار الدكتور أحمد صباح ناصر المُلَّا بعد تخرُّجه من كلية الشريعة أن يسلك طريقاً رآه مهنة الأنبياء «التعليم»، وكان المجال مفتوحاً أمامه لخيارات وظيفية عديدة في وزارات مختلفة، غير أنَّه أصرَّ على البدء من الفصل الدراسي لممارسة وظيفة التعليم والتربية، فقُبِل في وزارة التربية معلِّماً لمادة التربية الإسلامية في المرحلة الثانوية، وكانت أولى محطاته «ثانوية الصباحية» في محافظة «الأحمدي»، ثم انتقل إلى «ثانوية فهد السالم» في نطاق المحافظة ذاتها.

ومع تراكم الخبرة انتقل إلى المعهد الديني في منطقة «الفحيحيل» معلِّماً للعلوم الشرعية، ثم تدرَّج في المسؤوليات من معلِّم إلى معلِّم أول ثم رئيساً لقسم التربية الإسلامية، ثم انتقل ليعمل رئيساً للقسم في مدرسة «عباد بن بشر» بمنطقة «أبو حليفة»، ومن رئاسة القسم إلى الإدارة، إذْ صعد إلى منصب وكيل مدرسة (مدير مساعد)، وكانت من محطاته في هذا المنصب العمل في منطقة «الجهراء»، ثم عاد ليعمل وكيلاً في «ثانوية سعيد بن عامر» بمنطقة «هديّة».

ثم جاءت مرحلة بارزة حين اتجه إلى التعليم الخاص مديراً وناظراً لعدة مدارس، فقاد مدارس أهلية، وأدار مؤسسات تعليمية في أكثر من موقع، فتولَّى إدارة مدرسة «الفجر الجديد»، وكان مقرها في منطقة «جليب الشيوخ»، ثم مدرسة «الجابر الأهلية» في منطقة «الحساوي»، ثم مدرسة «التميز» في منطقة «خيطان»، ثم مدرسة «النجاة» في منطقة «السالمية»، كما أدار مدرسة «السيف الأهلية» في منطقة «خيطان»، ثم عاد مجدداً لإدارة مدرسة «النجاة» في منطقة «السالمية»، حيث شغل منصب مدير مدرسة النجاة الثانوية – السالمية.

ويمتد وصف خبرته ليُشير بوضوح إلى عمق التجربة 35 عاماً في وزارة التربية، عمل خلالها في جميع قطاعات التعليم في دولة الكويت؛ التعليم العام، والتعليم الديني، والتعليم الخاص، والتعليم العالي.

هذه الخبرة الواسعة تُظهر شخصية إدارية تربوية لا تكتفي بالممارسة اليومية، بل تفهم بُنية النظام التعليمي، وتملك حسَّاً مؤسسياً يوازن بين اللوائح والواقع، وبين الانضباط والاحتواء، ومن هنا كان انتقاله الطبيعي إلى مجالات أخرى ملاصقة للتعليم؛ تطوير المناهج والتدريب والتأهيل، بما يجعل سيرته العملية لوحةً متكاملة.

الأدوار الأكاديمية والاقتصادية والاستشارية والتحكيم والتدريب

لم يتوقَّف حضور الدكتور أحمد المُلَّا عند حدود المدرسة والإدارة التعليمية، بل اتسع ليصل إلى ساحاتٍ أكاديمية وتخصصية متعددة، فقد عُيِّن أستاذاً مُنتدباً في «كلية الشريعة والدراسات الإسلامية – جامعة الكويت»، كما انتُدب كذلك إلى «كلية الحقوق – جامعة الكويت»، في دلالةٍ على امتلاك أدواتٍ علمية قادرة على العبور بين العلوم الشرعية ومجالاتها التطبيقية والقانونية، وبجانب العمل الأكاديمي، رسَّخ حضوره في قطاع الاقتصاد الإسلامي، بوصفه خبيراً في الدراسات المالية الإسلامية، ومستشاراً شرعياً لدى بعض شركات الاستثمار الإسلامية في دولة الكويت، وهي خبرة تتطلَّب فهماً دقيقاً للعقود وآليات التمويل وضوابط الرقابة الشرعية.

ومن ثمار هذا المسار بحثه المتخصص في عقد المضاربة، إذ رأى أن هذا العقد بات من العقود الأساسية التي تقوم عليها أعمال كثير من المؤسسات الاستثمارية الإسلامية، وتعتمد عليه البنوك الإسلامية في أنشطتها وودائعها، ومن هذا الباب دخل مجال تدريب العاملين في القطاع المصرفي الإسلامي، فكان مدرباً معتمداً لدى «معهد الدراسات المصرفية» التابع لبنك الكويت المركزي، وساهم في إنشاء مسار تدريبي مُنظَّم عبر دبلوم البنوك الإسلامية والمالية الإسلامية بالتعاون مع المعهد، فشارك في التدريس ضمن فريق يضم أسماء بحثية واقتصادية، وخرج من هذا الدبلوم جيلٌ من شباب الكويت من العاملين في البنوك الإسلامية، بل وحتى من العاملين في البنوك التقليدية ممن أرادوا تأسيس معرفة راسخة في الاقتصاد الإسلامي.

وفي الإطار نفسه، كانت له مشاركات نوعية تتصل بالتحولات الكبرى في النظام المصرفي؛ ومن ذلك: مشاركته في تحوُّل البنك الأهلي المتحد (الكويت) إلى النظام الإسلامي، وهي خطوة لا تُدار بالشعارات، بل بتفاصيل فنية وتشريعية وإجرائية، كما شارك في إنشاء بنك غزة للإنتاج (فلسطين المحتلة)، في تجلٍّ واضح لامتداد اهتمامه إلى خارج الحدود، وربْط المعرفة الشرعية بمشروعات تنموية واقتصادية تخدم المجتمعات المحتاجة.

ومن جهة أخرى، قاده الاحتكاك بالمؤسسات المالية والاستثمارية والمستشارين القانونيين إلى تطوير أدواته في بابٍ شديد الأهمية وهو «التحكيم التجاري»، فحصل على دورات تخصصية، وأصبح مُحكِّماً مُعتمداً لدى مركز التحكيم التجاري التابع لمجلس التعاون الخليجي، ولم يكتف بالجانب التدريبي، بل التحق ببرنامج أكاديمي في القانون عبر مركز كلية الحقوق – جامعة القاهرة (التعليم عن بُعد)، ودرس سنوات عديدة، واضعاً نُصب عينيه إكمال هذا المسار حتى نيل ليسانس الحقوق، في إشارة إلى عقليةٍ تؤمن بأن التكامل المعرفي هو الطريق الأقوى لخدمة الواقع، خصوصاً حين تتقاطع الشريعة والاقتصاد والقانون في ملفٍ واحد.

الجانب التطوعي والدعوي والإنساني

يظهر الجانب التطوعي في سيرة الدكتور أحمد المُلَّا بوصفه مساراً أصيلاً لا مُلحقاً، فقد التحق إماماً وخطيباً متطوعاً لدى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وكانت بداية هذا المسار مرتبطة بمنعطف تاريخي مؤثر، وهو الغزو العراقي للكويت وما تبعه من ظروفٍ جعلت كثيراً من المساجد بحاجة إلى من يقوم برسالتها، فوجد في خدمة المنبر واجباً وشرفاً، ودعا أبناء كلية الشريعة إلى عدم إهمال هذا الباب، وكان أول مسجد تولَّى فيه الخطابة مسجد «الحُباب بن المنذر» في منطقة «الرقَّة»، ثم انتقل بعد انتقال سكنه إلى منطقة «جنوب السُرَّة» بين مساجد متنوعة في كلٍ من منطقة «حطين» وما حولها، في مرحلة شهدت توسعاً عمرانياً وافتتاح مساجد جديدة كان يُكلَّف فيها بالإمامة والخطابة، ومن المساجد التي خدم فيها: مسجد الشيخ بن جراح في منطقة «السلام»، ومسجد الوقيان في منطقة «حطين»، ثم استقر في محطةٍ بارزة هي مسجد الأنصار في منطقة «حطين»، وهو مسجد جامع أُنشئ من ثلث المرحوم عبد المحسن الرفاعي رحمه الله، واختارت أسرته أن يحمل اسماً عاماً، تعبيراً عن الإخلاص وعدم تعليق العبادة بالأسماء، وقد قدَّم الدكتور أحمد المُلَّا في حديثه رؤية عميقة لدور المسجد كجامعة للتعليم، ومركز تواصل اجتماعي، ومنصة خير، ومكان لاستقبال الوفود، كما كان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.

وعلى مستوى العمل النقابي والدعوي؛ كان عضواً في «نقابة الأئمة والخطباء والمؤذنين الكويتية»، وتولَّى سابقاً منصب نائب الرئيس، وهو اليوم عضو مجلس إدارة، ساعياً إلى بناء جسور تعاون مع وزارة الأوقاف، عبر مقترحاتٍ عملية وتنظيمية، كما كان عضواً في «رابطة علماء الخليج»، مشاركاً في لقاءاتها مع عددٍ من العلماء، وعلى رأسهم الأستاذ الدكتور عجيل النشمي رئيس الرابطة.

ومن أبرز محطات التمثيل الخارجي؛ مشاركته في مشروع «سفراء الخير» الذي أطلقته إدارة مساجد محافظة «حولِّي» بقيادة الدكتور خالد الحيص، حيث خرجت وفود من الأئمة والخطباء والإداريين للتواصل مع المسلمين في الخارج، فزاروا البوسنة والهرسك، وألبانيا، وفرنسا، وألمانيا، وسويسرا، والسويد، والدنمارك، وقد أضاءت هذه الرحلات لديه معنى «الفقه بالواقع»، فالمكان يختلف، والوسيلة تتبدل، والأعراف لها أثر في بعض الأحكام الاجتهادية مع بقاء الثوابت الأصلية.

وشارك كذلك في مؤتمرٍ دولي مهم حول مسلمي آسيا أقيم في سريلانكا بتنظيم جامعة الإمام محمد بن سعود بالتعاون مع الجهات السعودية المعنية، وهناك التقى بوفود من الهند وباكستان وكمبوديا واليابان، وعاين عن قُرب أثر مشاريع الجمعيات الخيرية الكويتية؛ إذ وجد كثيراً من المراكز الإسلامية والمساجد ودور الأيتام والمدارس هناك قد أُنشئت بدعمٍ كويتي، مما يعكس امتداد «بصمة الكويت» في ميادين الخير.

المشاريع الخيرية المؤسسية والإنجازات الإنسانية

تبلورت خبرة الدكتور أحمد صباح ناصر المُلَّا في العمل الخيري عبر مسارٍ تراكمي، انتقل فيه من المبادرة الفردية إلى النموذج المؤسسي المُنظَّم، ومن الاستجابة الآنية إلى التنمية المستدامة، فقد سبقت تأسيس جمعيته الكويتية تجربة رائدة قادها من خلال فريق تطوعي انطلق من مسجد الأنصار في منطقة «حطين»، حيث اجتمع عدد من روَّاد المسجد ومحبي الخير على قناعةٍ مشتركة، مفادها أن العمل الخيري الحقيقي لا يكتمل إلا إذا اقترن بالتخطيط والحوكمة ووضوح الأثر.

ومن خلال علاقات إنسانية وميدانية سابقة؛ فُتحت نافذة تعاون مع الجمهورية اليمنية، شملت زيارات ميدانية إلى مناطق عديدة؛ مثل محافظات إب وصنعاء وتعز، وهناك لمس الدكتور أحمد المُلَّا حاجة ملحَّة إلى نقل التجربة الكويتية في التنظيم الخيري من إطار العاطفة إلى إطار المؤسسة، فشجَّع على إنشاء كيان رسمي محلي، تُضبط فيه الإجراءات، وتُحفظ فيه الحقوق، وتُدار فيه الأموال بشفافية، وبالفعل تم تأسيس «مؤسسة حطين الخيرية» بعد استكمال الموافقات الرسمية وتشكيل مجلس أمناء، وتولَّى رئاسة مجلس الأمناء، لتكون هذه المؤسسة نواة لعمل منظم ومُستدام.

كانت البداية ببناء مسجد حطين في قرية لا يوجد فيها مسجد، ليكون أول مَعْلمٍ ديني واجتماعي في المنطقة، ثم تتابعت المشاريع حتى بلغ عدد المساجد التي ساهم أهل الخير من الكويت في إنشائها قرابة 15 مسجداً، وتميّزت تجربته في اليمن بالانحياز إلى المشاريع النوعية ذات الأثر الممتد، وفي مقدمتها مشروع «الجسر» الذي ربط قرية رئيسية بعدد من القرى التابعة، عبر ممر سيول كان يتحول في مواسم الأمطار إلى نهرٍ جارف، يقطع التواصل ويهدد الأرواح والممتلكات، وبعد دراسة الواقع أقنع المتبرع بأن هذا النوع من مشاريع البنية التحتية قد يكون أعظم أجراً، لما فيه من نفعٍ دائم ومستمر، فتم تنفيذ إنشاء الجسر، وتسميته باسمٍ يُبرز هوية العطاء الكويتي «جسر عبد الله الكويتي»، مع وضع علَمَيْ الكويت واليمن، ليغدو الجسر رمزاً للتواصل الإنساني، و «جسر التقاء الأحبة»، كما وصفه الأهالي عند افتتاحه.

كما شملت المشاريع إنشاء خزانات مياه إسمنتية مسلحة بأحجام كبيرة، إضافة إلى صهاريج حديد في القرى النائية، انطلاقاً من فهمٍ واقعي بأن مشكلة كثير من المجتمعات ليست في شُحِّ المياه، بل في ضعف القدرة على التخزين والتوزيع، وكان يؤكد دائماً أن سقيا الماء من أعظم الصدقات، وأن المشاريع المستدامة تتفوَّق في أثرها على الإغاثة المؤقتة مهما بلغ حجمها.

جمعية الحكمة الكويتية الخيرية.. المشاريع الموسمية والأثر العالمي

بعد هذه التجارب الميدانية المتراكمة، أسَّس الدكتور أحمد صباح ناصر المُلَّا، مع مجموعة من رفقاء دربه ومحبي الخير في الكويت «جمعية الحكمة الكويتية الخيرية»، والتي أُشهرت رسمياً في نوفمبر 2017م، وقد قامت الجمعية منذ انطلاقتها على رؤية واضحة، تؤكد أن قوة العمل الخيري الكويتي تنبع من كونه عملاً مؤسسياً رسمياً، يخضع لإشراف الجهات المختصة داخل دولة الكويت، وتحت رقابة دقيقة من وزارة الشؤون الاجتماعية داخلياً، ووزارة الخارجية فيما يخص المشاريع والأموال خارج الكويت، مع التزام كامل بالتدقيق البنكي ومكاتب المراجعة السنوية، بما يعزز الثقة ويحفظ سمعة الكويت الإنسانية عالمياً.

وقد حققت جمعية الحكمة الكويتية الخيرية إنجازات واسعة تعكس اتساع أثرها الإنساني وتنوُّع مجالات تدخلها، فأولت ملف المياه عناية خاصة، وأنجزت 4,736 بئراً في مناطق تعاني شح الموارد وضعف البُنية التحتية، استفاد منها 1,595,786 مستفيداً، لتكون هذه الآبار مصدر حياة دائم يسهم في تحسين الاستقرار الصحي والمعيشي للمجتمعات المستفيدة، وفي ميدان عمارة بيوت الله، أسهمت الجمعية في بناء 402 مسجداً، استفاد منها 1,406,756 مستفيداً، مؤكدةً من خلال هذه المشاريع أن المسجد يشكّل محوراً روحياً وتعليمياً واجتماعياً في حياة المجتمعات، لا سيما في المناطق المحرومة.

وامتد عطاء الجمعية إلى دعم السكن الإنساني وتأمين الموارد الأساسية، فقامت ببناء 91 بيتاً للفقراء، إلى جانب إنشاء 6 خزانات مياه، استفاد منها 250,500 مستفيد، في خطوة أعادت الاستقرار لأسرٍ كانت تعاني ظروفاً معيشية قاسية، وساعدت على توفير المياه الآمنة بشكل منتظم.

وفي إطار رعاية الفئات الأشد حاجة؛ تبنَّت الجمعية كفالة 2,552 يتيماً ضمن برامج كفالة شاملة، راعت الجوانب المعيشية والتعليمية والصحية، بما يضمن تنشئة متوازنة تحفظ للأيتام كرامتهم وحقوقهم.

كما أولت الجمعية اهتماماً بتعزيز الحضور الإسلامي المؤسسي خارج العالم العربي، فأنشأت مركزاً إسلامياً متكاملاً في هولندا، إضافة إلى ستة مراكز إسلامية في موريتانيا، لتكون هذه المراكز منارات تعليمية ودعوية ومجتمعية تخدم الجاليات المسلمة، وتعزز قيم الاعتدال والتعايش.

وفي مجال المشاريع النوعية الكبرى؛ أنجزت الجمعية قرية «بلد الخير» في شمال سوريا، والتي ضمَّت 104 منازل، إلى جانب مسجد ومستوصف ومدرسة، لتشكل نموذجاً متكاملاً لإعادة بناء المجتمع في مناطق النزوح، كما أنشأت قرية متكاملة في الصومال، اشتملت على 43 بيتاً بالإضافة لمسجد ومستوصف وبئر، في إطار مقاربة تنموية شاملة تلبي الاحتياجات الأساسية للسكان.

وفي اليمن، نفَّذت الجمعية «مُجمع أمير الإنسانية للأيتام»، الذي يستفيد منه أكثر من 200 يتيم، إلى جانب «مركز رعاية الأيتام» في محافظة «إب» الذي يخدم أكثر من 200 يتيم أيضاً، مقدمةً لهم بيئة آمنة تجمع بين الرعاية الاجتماعية والتعليمية.

وامتد أثر الجمعية إلى خارج المنطقة العربية، فأنجزت «دار رعاية الأيتام» في مدينة الريحانية – تركيا، ليستفيد منها 122 يتيماً، كما أسهمت في دعم التعليم بإنشاء مدرسة «الثلايا» في اليمن، والتي يخدم عطاؤها أكثر من 400 طالب.

ولم تغفل الجمعية جانب البنية التحتية الحيوية، فأنجزت مشروع جسر طريق في مدينة جِبْلة – اليمن، استفاد منه آلاف الأشخاص، وأسهم في ربط القرى وتسهيل حركة السكان والخدمات، ليجسِّد هذا المشروع أثر التنمية حين تقترن برؤية إنسانية بعيدة المدى.

الإنتاج الفكري والعلمي

وفي مجال الإنتاج العلمي؛ يبرز للدكتور المُلَّا كتاب رسالة الدكتوراه «اختلاف الأصوليين في طرق دلالات الألفاظ»، وكتاب رسالة الماجستير «المحقق من علم الأصول (دراسة وتحقيق)»، وموضوعات بحوث في العقود المالية في الشريعة الإسلامية، والمشاركة في تحقيق «مسند الإمام عبدالله بن المبارك»، والمشاركة في تحقيق أجزاء من «شعب الإيمان» للإمام البيهقي، فضلاً عن كتاب بعنوان «خواطر ومقتطفات»، وسلسلة «نون» لتعلُّم اللغة العربية للناطقين بغيرها، ومشاركته الرائدة في مشروع إخراج صحيح البخاري إلكترونياً عبر شركة «صخر».

وهكذا تكتمل صورة الدكتور أحمد المُلُّا؛ عالِمٌ تربوي وإداري، يجمع بين الدقة العلمية والخبرة المؤسسية، وبين الدعوة والميدان.

التصنيفات:

→ العودة إلى تصنيف «أعلام العمل الخيري رجال»